مع كل حدث عسكري أو أمني، تستعاد حكاية بعض الشعوب وأصلها وفصلها وثقافتها، وعدا المجتمعات التي لها طقوسها وعاداتها، هناك الشخصيات المشهورة التي لها مساراتها وتعابيرها الثقافية المتعددة. وربما يكون السؤال في لحظة: لماذا الأصل، ولماذا كل الأصول؟ لكن الفضول البشري منذ آدم، يبحث عن الجينات، أو الهويات، ربما من أجل البقاء، وربما من أجل التمايز، وربما من أجل الشوفينية، والأصل يفوح حين يرتبط بالمسألة الفنية أو الثقافية. ففي مصر عاش كثر من أصول مختلفة، يونانية وتركية وأرمينية وكردية وشركسية وتركمانية وقبطية ونوبية وأشورية ويهودية. وفي لبنان، عاش كثر من أصول سورية، وفي أوروبا وأميركا عاش كثر من أصول لبنانية وعربية، وفي منطقة الشرق الأوسط هناك بابل الهوية والأعراق. واذا ما قلنا أن طوفان الانترنت مزق الهويات، فهو في الوقت نفسه زاد من حضورها، وأصبح هناك شغف لدي الجمهور للقول إن الممثلة الفلانية من أصول كذا، والمخرج الفلاني من أصول كذا، ومع أن الأصل لا يقدم ولا يؤخر في الإبداع، لكنه الفضول.
سعاد حسني
مع أن النجمة سعاد حسني، وشقيقتها المطربة نجاة، خارج الهويات، لكن هناك شغفاً وسائطياً للقول إنها ولدت في حي بولاق قرب قصر عابدين في القاهرة، وكان والدهما الخطاط السوري المعروف محمد حسني البابا، يتحدر من أصول كردية نسبة للعائلة البابانية، جاء من سوريا إلى مصر. لم تكن لدى سعاد أي خلفية غير أن والدها من كرد سوريا، لكن في المقابل فإن "حالة الجينات الكردية بالتأكيد كانت تظهر في تعاملاتنا من انفعالات وغضب وطيبة قلب" كما يقول زوجها السابق علي بدرخان.
أما علي بدرخان نفسه، فهو مخرج مصري جاءت عائلته إلى مصر عام 1815 بعد وفاة الأمير بدرخان. يقول في أحد حواراته "إنه بالأساس كردي من بوطان ضمن كردستان تركيا، جده الأكبر هو الأمير بدرخان الذي كان كرديًا أصيلًا يرفض السيطرة التي تمارسها الدولة العثمانية، فناضل وقاتل مرارًا ضدها وأعلن استقلال إمارة بوطان. يشير إلى ثمة علاقة كانت تجمع جده بمحمد علي، باني النهضة المصرية الحديثة: "كان الأمير بدرخان خلال حربه يحتاج إلى السلاح وكان يمده به محمد علي، وهو كردي أيضًا، لكن الأمير بدرخان يُحاصر في قلعته، ويستسلم للجبروت العثماني ويسلم نفسه وأبناءه ومن هناك نقلوه إلى آستانة، ثم تكون مسيرة الانتشار لأسرة بدرخان التي انتشر أبناؤها في مناطق ودول عديدة، وليكون لعدد منهم نصيب في المجيء إلى مصر لتبدأ رحلة البدرخانيين في مصر".
يقول بدرخان في حوار آخر: "جئنا إلى مصر أيام جدي علي بدرخان، الذي وفد إلى القاهرة وخصص له الوالي أراضي واسعة في بني سويف والفيوم، وتم تعيينه مديرًا لمديرية بني سويف والفيوم، وهو منصب يشبه المحافظ حاليًا. وعشنا في مصر منذ ذلك التاريخ، كما عاشت أسر كردية كثيرة جنبًا إلى جنب مع المصريين، حتى باتوا مصريين". وقبل سنوات زار بدرخان كردستان العراق لتصوير فيلم، أكد قوميته الكردية بارتدائه الزي الكردي التقليدي. ويسرد الأسباب التي قطعته عن تعلم الكردية بموت جده ووالده في طفولته المبكرة.. لكنه يحكي كيف أن ابنته الصغيرة جودي تطالبه بصورة مستمرة بأن تتعلم لغة أجدادها وأن تزور كردستان.
كردي...أمير الشعراء العرب
أيضاً الشاعر المصري أحمد شوقي تعود أصول عائلته الكردية إلى مدينة السليمانية بالعراق قبل أن تهاجر وتستقر في مصر، ومن أبرز أفرادها أحمد شوقي علي أحمد شوقي، الملقب بـ"أمير الشعراء أحمد شوقي"، المولود في القاهرة لأم تركية الأصل. في صيف 1978، أجرى سليم اللوزي حواراً مطوّلا مع محمد عبد الوهاب، نُشر في مجلة "الحوادث"، وفيه تطرّق إلى العلاقة الوطيدة التي ربطت الشاعر أحمد شوقي بالموسيقار الكبير في شبابه، وقال متسائلاً: "أساساً، أحمد شوقي ظاهرة في حد ذاته، أفليس غريباً أن يكون أمير الشعر العربي رجلاً تركياً؟"، فقاطعه عبد الوهاب، وقال: "أوّلاً شوقي كردي وليس تركياً، ثانياً هو ليس أول كردي نابغة في تاريخ العروبة". فقال سليم اللوزي: "هذه أوّل أسمع ان احمد شوقي كردي. كيف عرفت أنت؟". فردّ الأستاذ: "عرفت في دمشق. لقد ذهبنا لزيارة ضريح صلاح الدين الأيوبي، وهناك وقف خاشعاً، ولمحت في عينيه خيال دموع يحاول أن يحبسها، فقلت له: يا باشا بتعيّط ليه؟ كانت أول مرة أراه يبكي. فقال: لأنّ صلاح الدين كردي مثلي. عندئذ عرفت أن شوقي كردي وليس تركياً"(من مقال لمحمود الزيباوي).
خالد تاجا
والنجم السوري الراحل خالد تاجا من أصول كردية جاءت عائلته من قصر قلندرة التابعة لولاية ماردين التركية. وولد في حي ركن الدين الدمشقي العام 1939. وهو الفنان الذي عمل في المسرح منذ كان صغيراً مع كبار الفن المسرحي آنذاك من أمثال عبد اللطيف فتحي وحكمت محسن، ليطور أدواته وصولاً إلى النجومية في السينما والتلفزيون. تنوع أداء خالد تاجا، فلعب أدواراً في أعمال تلفزيونية تجسد البيئة الشامية، وتوفي في دمشق عن عمر ناهز 72 عاماً، وسئِل ضمن أحد لقاءاته التلفزيونية: هل أنت كردي؟ فقال وهو على يقين تام بما يحمله لسانه من كلمات: "من دون أي مبالغة، أنا إنسان قبل كل شيء، لا أنتمي إلا للإنسان، أيًا كان لونه أو عرقه (…) لا يميزه إلا عمله"... و"الإنسان ما لم يحاول تخطّي الحدود الموضوعة أمام فكره، فهو عاجز عن ترك أثر ما، تؤكد حقيقة وجوده، فكأنه ما جاء". وأكد تاجا نسبه الكردي فقال إنه "كردي ويعتز بكرديته"، مطالباً بحياة حرة وكريمة للشعب الكردي الذي بنى حضارة ويمتاز بلغة خاصة وتاريخ عريق وتعرض إلى مظالم جمة عبر التاريخ ".
منى واصف
ومنى واصف فنانة سورية مشهورة واسمها الحقيقي منى مصطفى واصف جليمران. شاركت في نحو 30 فيلماً في مجال السينما. ولقبت بـ"الأم الحنونة" للدراما السورية، قالت إنها تنتمي للعراق عن طريق جدها عراقي الأصل والمولد. وتتذكّر تلك الفتاة التي ولدت في دمشق العام 1942؛ لأبٍ كردي (مصطفى واصف) وأم عربية (هيلين عبود الأزرق) تقول: "اختصاصي سوريّة، فأنا كردية ومسلمة ومسيحية وعربية في آنٍ معاً، لم أشعر يوماً أن انتمائي له هوية دينية أو عرقية؛ لكني لطالما زهوتُ بمعنى كنيتي الأصلية (جلميران).. ابنة الأربعين أميراً التي كانت دوماً تلك الصبية التي تحلم أن تصير فراشةً لتطير".
وتكر الأسماء الكردية في التمثيل والفنون العربية، من طلحت حمدي إلى عبير شمس الدين وجيانا عيد وشقيقها حسام عيد وعبد الرحمن آل رشي ونجله محمد، كاريس بشار ولقمان الديركي ومحمود المليجي والمخرج بسام الملا الذي اشتهر كثيراً بعد إخراج مسلسل "باب الحارة" والدون جوان رشدي أباظة وغيرهم.
وعلى الرغم من حضور النجوم الأكراد في الشاشة سواء في مصر أو سوريا، إلا أن البيئة الكردية غائبة عن المسلسلات التلفزيونية، مع أن هذه البيئة تحمل الكثير من العناصر الدرامية والتراجيدية في متاهات وصراعات الشرق الأوسط التي لا تنتهي.
