عقل العويط لـ"المدن": لستُ سجين المسألة اللبنانية

محمد أبي سمراالثلاثاء 2026/01/20
Image-1768896656
أنا غير قادرٍ ألا أكون شاعرًا. خارج الشعر أنا جثة.
حجم الخط
مشاركة عبر

ضوء مريض ووحيد في قلبي. وأظلمت الشمس ولم ينشقَّ حجاب الهيكل من وسطه، وإنما رأسي الذي انشق وبقي في موضعه. ولم يكن ثمة صراخ، بل صمت كله ونواح أشلاء وشظايا وحياة سابقة تحضر أمامي وكسور لا تُحصى وعصافير مشلّعة وأشجار تذرف. وكان المارة بلا وجوه ولا أصواتَ لهم. حلَّ البكم بالألسنة. وهو يوم قتام، والليل ممتد على نواحي الروح والجبال والأنهر. ولم يرتعد سكان الأرض لأنهم لا يعرفون ووحدي كنت أعرف...

هذا مقتطف من نص شعري أو قصيدة نثرية جديد/ـة لعقل العويط، وقرأه/ا لنا حيث التقيناه في عزلته البيتية، وتحادثنا في أحوال الكتابة، كتابته، أساليب وموضوعات، في مناسبة صدور كتابه الجديد، "كتاب الغرفة" لدى "دار نوفل هاشيت أنطوان" في بيروت. وهنا نص الحوار.

 

- كأنما مشهد خراب لبنان، انفجار مرفأ بيروت، يحضران في خلفية هذا النص الذي قرأت.

• في عزلتي أعيش اللامعنى الوجودي وسط هذا الركام... في نصف ساعة كتبت هذا النص، كأنما الشعر يتنزّل عليَّ تنزيلًا.

 

- أنت محظوظ.

• محظوظ وعكسها.

 

- في مواضع من "كتاب الغرفة" وقبله في "وثيقة ولادة"، شغف عاصف بالشتاء وعواصفه.

 

• أنا على يقين بأن الشتاء هو لحظة ولادتي. ويوم ولدت في ليلة من العام 1952، كان طوفان في قرية أهلي، بزيزا الشمالية الساحلية القريبة من شكا. وكانوا يسكنون بيتًا من طبقتين قديم الطراز المعماري...

 

- رواية من هذه؟

• رواية أهلي. كان طوفان من الماء يغمر أرض البيت، حينما شعرت أمي بآلام مخاضها بي في تلك الليلة الشتوية العاصفة. كانت تريد الولادة في بيت أهلها على مسافة 25 مترًا من بيتها، حيث كانت مع أخي الأكبر الصغير آنذاك وأختي (الراهبة لاحقًا) التي لم تكن قد تجاوزت شهرها الحادي عشر، فحملتها أمي وجرّت أخي ومشت نحو بيت أهلها، لكن العاصفة المطرية ردّتها إلى بيتها.

وبمساعدة قابلة الضيعة ألماظة العويط، ولدتني. من طفولتي ترافقني هذه الحكاية. لقد ولدت من ماء الرحم فيما العالم يغمره الماء الذي أمدّني بالامتلاء والسكينة، بدل الخوف والقلق والرعب. لذا، كلما عصفت الدنيا واستبدّ المطر تزداد طمأنينتي وسكينتي، فيما أنا بطبعي وكياني بحر عاصف.

Image-1768895811
عقل العويط بريشة بول غيراغوسيان

- هل هذا يفسر علاقتك الرحمية بالطبيعة، الطبيعة اللبنانية تحديدًا؟

• أنا جزء من الطبيعة العاصفة في هذا الكون. وهناك تساوق بين القلق والاضطراب والغليان لدي وبين الطبيعة، فيما أنا محاط بقوة غريبة من الإلفة والطمأنينة. وهذا التساوق يمدّني بعزاءٍ دائم. وكلما تكون الطبيعة في حال فوران وعصف أعود إلى طبيعتي الأصلية، ويأخذني ما يشبه النشوة الجنسية.

 

- وهذا متصل لديك بالطبيعة اللبنانية، وببلاغتك ومناخاتك اللغوية في الكتابة؟

• نعم في وجه أو جانب منها. الوجه الآخر لطبيعة لبنان الربيعي والصيفي، لا يناسب مزاجي وطبيعتي، بل يمرضني. أنا لا أحب الصيف. الشمس بزهوها الصيفي تشعرني بميوعة كاملة في جسمي ورأسي. تحت الشمس أنا إنسان ميت، وافقد حيويتي الكاملة إلا في الخريف والشتاء. لا، ليس هذا الجانب في تكويني ريفيًا جبليًا فقط، بل هو ساحلي وبحري أيضًا.

 

- ما علاقة هذا كله لديك بالكتابة؟

• أنا غير قادرٍ ألا أكون شاعرًا. خارج الشعر أنا جثة. والانتقال من الرخاوة والميوعة إلى الفوران والعصف هو ما يحقق الشعر لدي.

Image-1768895925
ما اختبرته وكتبته في "كتابة الغرفة": تجربة "حركة الوعي" الطلابية. التجربة الطلابية في كلية التربية - الجامعة اللبنانية. تجربة "ملحق النهار" وجريدة "النهار". بيروت ومجتمع رأس بيروت...

المسيحيون والجلجلة اللبنانية

      - دعني أسألك عن صلة الطبيعة اللبنانية والفكرة اللبنانية، بمزاج المسيحيين اللبنانيين، بتكوين مشاعرهم وانفعالاتهم حيال لبنان، بتنظيم حياتهم واجتماعهم فيه، بالمآسي اللبنانية، كأنها قدرٌ وقدر جماعاته؟

• في الحقيقة أنا لا أريد أن يذهب حديثنا هذا المذهب الذي يرغمني على أن أفكر كرجل مستغرق في الأنثروبولوجيا والاجتماعيات. أنا عشت طفولتي وحياتي في البيئة المسيحية، لكنني عشت أيضًا في البيئات اللبنانية كلها وخالطتها في بيروت. ومن طفولتي في شكا لا أنسى كيف كان يبكيني صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي كان يصلني من المسجد. كان صوته ولا يزال يستولي عليّ. والجرح الذي في صوته يحاكي مشاعر وانفعالات دفينة في قلبي وروحي. لذا أجدني لا أكتفي ولا أرغب في اختصار الجرح اللبناني، المآسي اللبنانية والقدرة على تحملها، بالمسيحيين وقدرهم وقدر لبنان. هذا على الرغم من اعتقادي أن المسيحيين يتحمّلون مآسي لبنان وقدره المأسوي بصبر وبلا إرغام، لشعورهم العميق بأن هذا قدرهم الوحيد، ولا خيار لهم سواه. وهو ثمن استحقاقهم لبنان، مثلما تستحق قيامةُ المسيح الجلجلةَ. وهذه بالطبع معادلة في منتهى الطوباوية. أما أنا شخصيًا فلا أريد هذين الصبر والتحمل ولا أطلبهما. لأنني أرى أن الحياة يجب أن تعاش بكرامة قبل أي شيء آخر.

 

- ألم يُستنزفَ الصبرُ على تحمّل الجلجلة اللبنانية، ليبلغ اليأس واللامعنى؟

• في وعيي لهذا الموضوع، وفي الواقع الفعلي الذي يعيشه لبنان اجتماعيًا وسياسيًا، يبدو تبنيّ الصبر المأسوي نقيضًا لطبيعة الحياة ويستحيل عيشه.

 

- لماذا لم ييأس المسيحيون من لبنان إذًا؟

• ربما لأنهم كانوا أبناء أرض، وليس لديهم سوى الأرض مكانًا ماديًا للعيش قبل انتقالهم إلى المدن. ومع الأرض تماهوا بعدما احتموا بها واكتسبوا منها الصلابة. أما وعيي أنا فيقول إن تحمُّل المآسي من الضروري والمنطقي أن يفضي إلى عيش كريم. لكنني لا أعلم كيف يمكن العثور على سبيل يفضي إلى ذلك العيش. فالحياة يجب أن تُعاش لا أن تُنتحر. ونحن اليوم في لبنان لا نعيش، بل نُنتحر.

 

- الصبر المأسوي الذي سمّيته طوباويًا، قد ينطوي على إماتة في سبيل استحقاق لبنان. لكن في صلب تلك الإماتة تكمن استماتة عصبوية مافياوية للاستحواذ على المناصب والسلطان والموارد المادية.

• هذا صحيح في وجه من الوجوه، لكنني أخالفك فيه من وجه آخر. هناك أفراد كثر خارج جماعاتهم، ويعيشون مأساة من نوع آخر. مأساة اجتماعية وشعرية، لأنهم يريدون أن يوجدوا خارج الجماعات، وأفقهم الحياة وليس لبنان وحده. أنا مثلًا أفقي العالم كله والكون، لا لبنان فقط. أنا موجود في الكون واللغة، وأعيش في الغرفة والكون واللغة. ولغتي، اللغة العربية، هي العالم والكون. لا، لست سجين المسألة اللبنانية. أنا ابن مصير الإنسان تحت وحشية الحضارة بأشكالها المتعددة. لكن هذه الوحشية المظلمة لا تخلو من محطات وتجارب وأفكار مضيئة في حياة الشعوب وتاريخها. من ذلك مثلًا في لبنان الستينات والسبعينات ما اختبرته وكتبته في "كتابة الغرفة": تجربة "حركة الوعي" الطلابية. التجربة الطلابية في كلية التربية - الجامعة اللبنانية. تجربة "ملحق النهار" وجريدة "النهار". بيروت ومجتمع رأس بيروت...

 

- لكن لم يبقَ شيء من هذا كله... لقد فشلت هذه التجارب كلها.

• لا، لم تفشل، بل هي مضيئة وباهرة في حركة التاريخ الوحشية المظلمة.

 

- ألم تنطفئ؟ وبدل أن نستعيدها ونضفي عليها من الشعر سحرًا، أليس علينا نزع السحر عنها؟

• لا لم تنطفئ. وأنا لا أستعيدها، بل هي جزء من كينونتي الشعرية. قد تكون فشلت وانطفأت في المعنى الحسابي، لأن العصبويات المكوّنة للجماعات وتفشّي الفساد في المؤسسات أقوى منها بأشواط، فقتلتها. لكنها لا تزال علامات باهرة في عتمة التاريخ، وهي مضيئة في حركته.

 

غرفة الخلاص من الجحيم بالشعر

       - في كتابتك النثرية أجزاء من سيرة.

• تحضر السيرة في جوهر كتابتي الشعرية أيضًا. وكتابي السردي "وثيقة ولادة"، وهو أضخم كتبي حجمًا، أعتبره نوعًا جديدًا من الكتابة الشعرية. وانتمائي إلى قصيدة النثر مكّنني من ردم الهوّة بين الشعر والنثر. في "وثيقة ولادة" رويت شعريًا كيف ولدتُ، وكيف تمكّن حبّ أفضى إلى زواج بين جدٍّ وجدة لي قديمين، من كسر مسلسل الثأر بين عائلة العويط وعائلة أخرى في بزيزا التي يحفل تاريخها بحوادث قتل ثأري بين عائلاتها. وكيف نصَبَ مؤسِّس عائلة العويط في بزيزا خيمةً لعائلته في خراجها، بعدما أُرغم على الهجرة من موطن أهله ميروبا، لأنه قتل رجلًا من عائلة أخرى فيها. وكان ذاك الرجل القاتل جهوري الصوت، فغلب ما لقّبه به أهالي بزيزا - العويط - كنيته العائلية التي حملها من موطنه السابق ميروبا.

 

- ماذا يترتب على مثل هذا الإرث العريق في الاجتماع اللبناني؟

• في كتابتي الشعرية وفي سردي الشعري لا يشغلني هذا الجانب الأنثروبولوجي والسوسيولوجي. أنا كائن شعري، وينظر إلى العالم من زاوية شعرية وفنية. حتى كتاباتي اللبنانوية الثقافوية عن العصبويات والمقاتل والمفاسد اللبنانية، تطغى عليها اللغة الشعرية والمقاربة الشعرية، لأنني مهجوس شعريًا بالعالم. وأناي الشعرية حاضرة داخل الاضطراب الوجودي. ودائمًا أجد للرؤيا الشعرية مكان في قلب المآسي اللبنانية. ومن الآتون اللبناني ومن المقبرة اللبنانية أصنع لغة شعرية، لأنني أريد تخليص لبنان من أمراضه بالشعر. وطالما أنني أمتلك كفاءة لغوية وطاقة شعرية، فلماذا أرميهما في ذلك الآتون القاتل؟! ثم إن لغتي وشعريتي ليستا متطهرتين وطهرانيتين، بل هما معذّبتان وجحيميتان. أنا كائن جحيمي، ولدي موهبة تمكّنني من كتابة هذا الجحيم كتابة شعرية. يوميًا يفترسني هذا الجحيم الذي أنجو منه بالشعر. نعم أنا النجاة أو الخلاص من الجحيم باللغة والشعر. لذا الغرفة هي البطلة في "كتاب الغرفة"، لأنها الهروب بالجحيم إلى الكتابة والشعر، وهي المكان الذي أصنع فيها اللغة أو أستخرجها منها. والغرفة هي لبنان، وهي المأساة. وبهذا المعنى أنا كائن لغوي في الجحيم.

fouad-sieiman-f.jpg
• أنا شديد التأثر بلغة فؤاد سليمان وكتابته، أكثر بكثير من تأثري بجبران خليل جبران، ومنذ العاشرة من عمري. لكن لغة الكتاب المقدّس، لغة التوراة، كانت الأشد تأثيرًا عليَّ من سليمان الذي كتب مآسي لبنان،

فؤاد سليمان

       - من هم أسلافك في الكتابة، وبمن تأثرت كتابيًا؟

• أنا شديد التأثر بلغة فؤاد سليمان وكتابته، أكثر بكثير من تأثري بجبران خليل جبران، ومنذ العاشرة من عمري. لكن لغة الكتاب المقدّس، لغة التوراة، كانت الأشد تأثيرًا عليَّ من سليمان الذي كتب مآسي لبنان، وكانت كتبه هي أنجيل طفولتي وصباي. فاللغة التي كتب بها هي المهمة عندي. كان بلغته الجبل لبنانية من أركان المدرسة اللبنانية في الكتابة، بلا أي أيديولوجيا. من درب القمر إلى القناديل والعشب والطيور والوديان وسائر عناصر الطبيعة صنع لغته الشعرية. وهو أول من مهّد الطريق لكتابة قصيدة نثر في اللغة العربية.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث