يفيد التاريخ والتجارب بأن أكثر الشعوب المتمسكة بتراثها الفني هي تلك التي تكون تحت الاضطهاد، والمعرضة للإبادة الثقافية، وكأنها تتمسك بهذا التراث من أجل حفظه للأجيال اللاحقة، كشهادة على واقع عاشته تلك الشعوب خلال حقبة معينة. إن الفنّ، كما تفيدنا التجارب أيضاً، هو كاشف للبعد الاجتماعي والثقافي والأخلاقي للشعوب معبراً عن مدى سعادتها أو شقائها، أو حالتها القائمة التي تحمل في طبيعة تكوينها الموسيقية كصوت ثائر أو صامد أو متأهب للقتال، وفي لوحاتها الإبداعية ما يعبرعن ملاحم بطولاتها وآلامها ومعاناته.
لقد عانت الشعوب الشرق أوسطية من الحرمان، وطمس هويتها الثقافية بصورتها الحقيقية، وهذا الأمر لحظناه خصوصاً لدى الشعب الكُردي الذي صرنا نسمع أخباره في الوقت الحاضر أكثر من أي زمن مضى. وليس خافياً على أحد ما مورس على هذا الشعب من استبداد وإنكار، ومحاولات الصهر في بوتقات الأنظمة المهيمنة على كُردستان لسنين طويلة، حيث وصلت هذه الممارسات العنصرية إلى حد الإبادة الممنهجة لثقافته وأدبه وفنونه الأصيلة والراسخة. أما ما يختص بالفن التشكيلي الكردي، وهو الموضوع الذي نحن في صدده، فيمكن القول إنه لا يوجد تعريف واحد أو موحد لهذا الفن، ولكن يمكن القول أيضاً بأنه ذاك النوع من الفنون البصرية التي تعبر عن هوية وثقافة وتاريخ الشعب الكردي من خلال الفنون الجميلة، عبر أشكال الفنون المعروفة كالرسم والنحت والخزف وغيرها من الفنون البصرية.
يستخدم الفنانون التشكيليون الأكراد، في شكل عام، مختلف المواد والتقنيات والأساليب من أجل إخراج أعمال فنية تحمل معاني ورسائل وقيم تهم المجتمع الكردي والعالم. وكما هي الحال في فنون شعوب كثيرة، فقد تأثر الفن التشكيلي الكردي بالمدارس والاتجاهات الفنية المختلفة كالواقعية، والانطباعية، والتكعيبية، والسيريالية، والتجريد وسواها. ولكن يبدو، من حيث الخصائص البصرية، أن استخدام الألوان الزاهية والحيوية والدافئة هو من الأساليب المتبعة من أجل إظهار جمال وتنوع وحياة كردستان، وخاصة في مناسبات خاصة كالنوروز والزهور. كما يمكن رصد استعمال الأشكال الهندسية لإنشاء تكوينات متوازنة ومتناغمة، إضافة إلى اللجوء إلى الرموز والإشارات، التي تحمل معاني ثقافية ودينية وسياسية للشعب الكردي، مثل الشمس والجبال والأعلام والأسلحة، لإبراز هوية كردستان وتاريخها.
تنبغي الإشارة، ومن أجل الإضاءة على سيرة هذا الفن، إلى أنه مرّ بمراحل أو فترات عدّة. فالمرحلة الأولى تمتد من بداية القرن العشرين حتى بداية ستيناته، وقد تتميّزت بالأثر الذي تركته الفنون التقليدية والشعبية والدينية الكردية، وبالتعبير عن المعاناة والقمع والمقاومة في مواجهة الأنظمة الحاكمة. كما تتميز بالتأثر ببعض تيارات الفن التشكيلي الغربي، وخصوصاً الواقعية والرومانسية والانطباعية. ومن أبرز فناني هذه الفترة جلادت محمود، فؤاد علي، خليل خضر، جليل ميركه سعيد وعبد القادر كوجر. أما المرحلة الثانية فتمتد من بداية ستينات القرن الماضي وحتى بداية التسعينات، وقد تتميّزت بالسعي إلى التجديد والابتكار والتجريب، وبالاستفادة من المدارس والاتجاهات الغربية المختلفة، مثل التكعيبية، والوحشية، والسيريالية، والمستقبلية والتجريدية. من أبرز فناني تلك المرحلة عبد السلام عبد الله، إسماعيل خياط، لقمان أحمد، صلاح نوري، خوشناف جاف وآزاد ناناكيلي. أمّا المرحلة الثالثة فتمتد من التسعينات حتى يومنا هذا، وتتميز بالانفتاح والتواصل مع الفن التشكيلي العالمي، وباللإستخدام المتقدم للتقنيات والوسائط المختلفة مثل التصوير الضوئي، التصوير المتحرك، التجهيز، التصوير ثلاثي الأبعاد وغيرها، كما أثارت قضايا اجتماعية وسياسية وإنسانية تهم المجتمع الكردي والعالم. من أبرز الفنانين في هذه الفترة: آلاء رستم، آرو جبرائيل، آزاد ناناكيلي، آلان علي وآمنة حسين.
إتجاهات مختلفة
بصرف النظر عن الأسماء المذكورة، والتي من غير الممكن التطرّق إلى نتاج أصحابها في شكل دقيق، نظراً لضيق المجال، يُعتبر محمد عارف (1937- 2009) من أهم روّاد الفن التشكيلي الكردي والعراقي. عارف هو مؤسس كلية الفنون الجميلة بأربيل، العام 2004، وهو يتكىء على الواقعية كمنطلق لمسيرته التشكيلية، سيراً على درب الواقعية الإشتراكية. هذا النهج كان تكرّس لديه إثر متابعة دراساته العليا في الجامعات الروسية، وبعدما اطلع على أحوال الدول والأحزاب التي كانت تنبض بالحلم الاشتراكي حينذاك، وكذلك اقترب من فن الأيقونة الروسية، وبقي لها الأثر الكبير في أعماله لاحقا، لا كتمثيل ذهني عام أو خاص، بل كبنية إدراكية. هذه البنية مستمدة مما توفره تلك العلامة الأيقونية ضمن نسق يمنح عمل الفنان القدرة على إنتاج دلالاته، التي تمكننا كمتلقين من تأويل دوائره، وهي في علاقة مميزة مع عناصرها في حدود تسمح لدوافعه بالتآلف مع تجربته الفعلية في الواقعية نفسها، حيث تمثل العلامة الأيقونية إحدى أهم إشاراتها.
انتقل محمد عارف بعدها من عالم الأيقونات الروسية إلى الواقعية التعبيرية وإلى الإنطباعية، فجمال كردستان ومعطيات طبيعتها كان له الأثر الفاعل والكبير في تجربته، بل هو ينبوعه الذي لا ينضب. عشق الفنان المكان، ليصبح من أهم نبضات قلبه، وبالتالي من أهم نبضات ريشته، وهذا ما دفعه إلى الغوص عمقاً في التراث والفولكلور الكردي، ويستقي من ملاحمه وأساطيره وحكاياته الكثير. لقد كان عارف مفتوناً بالمكان (كما هي حال سيزان تجاه منطقة إكس أن بروفانس وجبل سانت فيكتوار، على سبيل المثال)، وهذا الأمر جلي في أعماله، كما هو سر عزفه معزوفات واقعية وإنطباعية: معزوفات فيها من الضجيج اللوني لصالح الفعل الجمالي ما يومىء بتاريخ أشيائه، وتوافقها مع حجم الإيماءات وذاكرتها. فصوت محمد عارف يختلف عن مجايليه حتى بهمساته المرسلة كنداءات في جسد عمله، فهو يبحث عن رفع مستوى مفرداته ضمن فضاءاته كعنصر معرفي جمالي وثقافي، إيذاناً بغياب ما سيفصح عن ذلك، وإن كان هناك ما يشير إلى الزهو في تدفق عناصره.
دلشاد كوستاني يُعيد ابتكار المناظر الطبيعية
دلشاد كوستاني، (مواليد العام 1957)، تزخر لوحاته بالحياة والحركة. يكاد المرء أن يستنشق هواء مصر، ويرى كردستان العراق وكأنها تتخلص من آثار الحرب. إنه زمن الازدهار المنشود، زمن الحياة الجديدة المنتظرة، مقترنة بالاحتفال بعيد نوروز، أو عيد الربيع. يقول الفنان: "أحب كردستان كثيراً، وأحاول دائماً تعريف من لا يعرفونها على ثقافتها وألوانها من خلال لوحاتي". أما المناظر الطبيعية الفرنسية، الأكثر إشراقاً، فتُعبّر عن الحرية (يقيم الفنان في فرنسا منذ أكثر من عقدين). تُوحي درجات اللون البرتقالي بأملٍ وليد، ومستقبلٍ مشرق، وشعورٍ بالانتعاش. ويؤمن الفنان قائلاً: "البرتقالي هو الشمس التي تُشرق كل يوم، إنه روح الحياة". رحلة إلى أعماق الروح.
كوستاني مقاتلٌ في طبيعته، ناجٍ يؤمن بقوة التغيير. فرغم الحرب، والقيود السياسية المُحبطة، والمنفى، يحتفي بالحياة. لا يستسلم الفنان للذكريات الأليمة، بل يروي بفخر تجاربه في كردستان. في طفولته، وهو في السادسة من عمره، انتقلت عائلته من كركوك إلى السليمانية، قلب كردستان الثقافي والفني، بحثًا عن مستقبل أفضل. وبسبب الاضطرابات السياسية في ظل نظام صدام حسين، ولا سيما اضطهاد الأكراد، لم يتمكن كوستاني من إكمال دراسته. لكنه، أينما حطّ رحاله، يكون اللون رفيقه، في تجاذب ما بين بعض الواقعية والكثير من التجريد، في محاولة لتمثيل انفعالاته، بالطريقة التي يراها مناسبة
عبد السلام عبد الله: عبق الزهور
الفنان عبد السلام عبد الله (مواليد العام 1961)، كان اهتم بابراز العلاقة الجدلية بين الحساسية الذوقية والحرفية المهنية. فاللوحة عنده بانوراما لونية، دافئة متفائلة في مكوناتها. حب الفنان عبد السلام للطبيعة واضح، وهو لا ينتهي إذ يتناسل ويمتد إلى لوحاته. الموضوع الجمالي حاضر في نصوصه البصرية ومقاماته اللونية، حيث تتجلّى الطبيعة ضمن واقعية لا تهمل الشكل المقترن مع اللون، ما يُشعر المتلقّي براحة بصرية، كما يدفعه إلى التأمل، ولو بنسبة معينة. وحول علاقته بالطبيعة يقول: "أعيش حنين الطبيعة لكوني جزءاً منها، فالورود والأشجار والزهور ليست مجرد أشكال في لوحاتي، وإنما هي شخوصي وأناسي، وأتمنى هنا، وذلك سعيي ورسالتي، أن نكون مثل الورود ولدينا عبق إنساني". كما يضيف في موقع آخر: "لعلني لا أبالغ إن قلت إن الطبيعة وليمة لا تنتهي، وبانوراما مشهد لا يتكرر ولا يشبه غيره من المشاهد إلا في كونه طبيعةً، وكل عمل أقدمه عن الطبيعة هو حالة بحد ذاته".
لقمان أحمد والمسألة الثقافية
الفنان التشكيلي الكردي لقمان أحمد من مواليد الدرباسية، الحسكة، سوريا في العام 1972. وهو مقيم في الولايات المتحدة منذ العام 2010. تتميز لوحات الفنان وأسلوبه التشكيلي بطابعه التعبيري، وبتقنياته المختلفة ومنهجه المتطوّر، الذي يقدم للمتلقي في كل معرض جديد صورة مصغرة عن هواجسه الذاتية والخط البياني لمشروعه الفني، المعتمد على نقل الأغنية الملحمية الكردية الغنية من خلال تجربته التي يرسمها مستلهما عناصرها من الكلمات والأغاني، والثقافة المتناقلة شفاهيا.
من خلال التعبيرية الملونة والخيال، يقدم لقمان أحمد طيفًا من التجربة الإنسانية، ويقدم لمحة فريدة عن ثقافته الكردية. يدعو الفنان المشاهد، من خلال فنه، إلى إدراك تجربة شعبه وقصصه الخفية – شعب منسي وبلا أمة – ومع ذلك شعب حافظ على غنى تراثه وثقافتة كاملة. ولائه العميق وانتمائه لتراثه، والصراع الوحشي المستمر فيه وطنه، كان لها تأثير كبير على فنه، وهو، كفنان، يؤمن إيمانا راسخا بأن الموسيقى والفن تبقى أعلى من صفير الرصاص.
بقي لقمان أحمد على اتصال عميق بتراثه وإحساسه العميق بالانتماء إلى الأرض الكردية، وقد صوّر ذلك بشكل مؤكد في أسلوبه في الرسم، بالتشابك مع الثقافات المحيطة به حيثما عاش. يحمل عمله المشاهد إلى عوالمه الخاصة من خلال اللون والإيقاع والرمز. يقول لقمان أحمد: "أنا فنان تشكيلي كردي أحب التاريخ والحضارة والتراث. لوحاتي تحمل الدفء والحياة، وأحب دمج الفن مع الموسيقى لتقديم تجربة متكاملة. أؤمن أن الفن جسر بين الثقافات" ومن خلاله يمكننا إيصال رسائلنا الإنسانية إلى الجميع.
