مهسا إذ تدخل البازار

أسعد قطّانالأحد 2026/01/18
000_32K22RM.jpg
يهيم خيال مهسا في البازار كأنه يحاول استلال الأجوبة عن الأسئلة الكثيرة
حجم الخط
مشاركة عبر

 

يدخل خيال مهسا بازار طهران من بوّابة الدم. إنّها بوّابة البازار الجديدة التي لا نعثر عليها في خرائط المدينة ولا نجدها في حقائب السيّاح. يبحث عن الباعة ذوي البشرة السمراء المكويّة بشمس فارس، فلا يجد إلّا الخواء. بالأمس كانوا هنا: يشربون الشاي المثقل بالقرفة والهال وقضبان السكّر، يتبادلون أطراف الحديث، يقهقهون، يطلقون الأدعية أن يرزقهم «خود» (اسم الله بالفارسيّة) موسماً حلالاً ورزقاً طيّباً. لكنّ البازار اليوم مقفر. لقد غادره الذين كانوا فيه يصنعون الحياة، ويرنون إلى قنديل المستقبل باسمين: تفرّقوا، أو اختبأوا في بيوتهم، أو جرّهم العسس من قلانسهم وسراويلهم، أو قُتلوا في مظاهرة.

 

يهيم خيال مهسا في البازار كأنّه يحاول استلال الأجوبة عن الأسئلة الكثيرة من أبواب الحوانيت المقفلة التي تلطّخت بالدم. راحت الأبواب تقصّ عليه حكاية الدمع الذي يأبى أن يجفّ. تقول الأبواب الملطّخة إنّ الحكاية مستمرّة منذ أيّام، منذ شهور، منذ سنين، منذ عقود. تقول إنّ الوطن الذي يتسيّد فيه القمع تصبح حوانيته أشبه بالزنازين، وزنازينه أشبه بالقبور، وقبوره أشبه بعروش الطغاة. فعروش الطغاة ينزّ منها الموت، ويرشح منها اللامعنى. مَن يضع حدّاً لهذا التيه؟ مَن يفتدي المقهورين والجائعين والعطاش؟ مَن يذوّب طبقة الملح السابحة في الفضاء كأنّها كابوس؟ يطرح خيال مهسا هذه الأسئلة ولا يعثر على جواب. فالصمت يغلّف الأشياء جميعها، ثمّ ينصرف إلى تغليف ذاته بمزيد من الصمت. لقد تحوّل البازار، الذي كان يكتظّ بالناس، إلى مزيج من صمت ودم.

 

يطلب خيال مهسا أن يكحّل عينيه بسجّادة صلاة من قم وبساط صوفيّ من نائين. يطلب أن ينعم النظر في الألوان التي تستبق الجنّة، وتقدّم أسطع برهان على وجود الله. ثمّة وراء أحد هذه الأبواب سجّادة فارسيّة صنعتها عائلة من تبريز. صمّم الجدّ الرسم بكلّ ما أوتي من حنكة وخيال وجنون. عقدت الأمّ الأرضيّة الحريريّة بأصابع تمتزج فيها المهارة بالحبّ. ثمّ راحت الحفيدتان تدسّان خيوط الصوف في عروق الحرير بينما هما تثرثران وتتبادلان الهمسات عن فارس الأحلام ورفيقه الوسيم. لكنّ الأبواب ظلّت موصدةً يخضّبها الدم. أمّا غمامة الملح الثقيلة، فراحت تتّسع وتتّسع فوق المدينة التي تنوء بصمت بناتها من خلف قضبان السجون.

 

جال خيال مهسا في منعرجات السوق كأنّه يحصيها. شرعت خطواته تتسارع بينما يبحث عن أحد المخارج ولا يجد إلّا الأزقّة الدهليزيّة. بدا البازار كأنّه تحوّل إلى زنزانة متعرّجة تتمطّى بين أرض تجهش بالبكاء وسماء تقهقه من فرط اللامبالاة. حملق الخيال في المتاهة الحلزونيّة التي تحوّلت إلى حيّز مغلق. فلمح طيف شيخ ملتح يتجلبب بعباءة سوداء ويعتمر عمامةً أشدّ اسوداداً. فإذا به يهتف بالمرشد: «لقد بتنا، أنت وأنا، سجيني هذا البازار، كلّ على طريقته. أنا محبوس في حشرجات الناس وآهاتهم، وأنت محبوس في ترّهاتك الآخذة بالانهيار مثل قصور الورق. تستطيع، يا سيّدي، أن تنتزع من الناس أيّ شيء. لكن أنّى لك أن تنتزع توقهم إلى الحرّيّة. كيف نسيت أنّ أمّهاتنا ولدتنا أحراراً»؟

 

تفوّه خيال مهسا بهذه الكلمات، ثمّ غرق في سكوت الأشباح المنبثقة من نحيب اللحود. كانت غمامة الملح قد أخذت تبتلع المدينة، وتحوّلها إلى امتداد أجوف يخترقه أزيز الرصاص وتتعالى منه صيحات صمّاء.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث