بشير البكر يرحل إلى الزمن السوري الضائع بين مرحلتين

سلمان زين الدينالأحد 2026/01/18
Image-1768720557
غادر البكر سوريا في العام 1980
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يحتاج المرء إلى كبير عناء كي يدرك أنّ العنوان الفرعي "رحلة في الزمن الضائع" لكتاب "سوريا" للكاتب السوري بشير البكر، الصادر عن دار نوفل في بيروت، إنّما يُحيل إلى الزمن الفاصل بين سقوط نظام واستقرار آخر. وهو الزمن الذي يقوم فيه الكاتب بزيارتين متعاقبتين لسوريا، في شباط وأيار 2025، بعد خمسة وأربعين عاماً من الغياب عنها، هرباً من طغيان النظام السابق واستبداده. ذلك أنّ البكر الذي يغادر سوريا في العام 1980، ويتغرّب عنها تحت غير سماء، يعود إليها قادماً من الدوحة، باحثاً عمّا تركه فيها أو حالماً بها، فهل يجد فيها ما يبحث عنه أو يحلم به أم سيكتفي بصدمة العودة والوقوف على الأطلال؟

 

يصل البكر إلى مطار دمشق، في 19 شباط 2025، ليجد أهله وبعض الأقرباء في استقباله، ويستغرب أن يستقبلوه بباقة ورد، وهو المتحدّر من منطقة الجزيرة السورية التي لا يدخل الورد في طقوس استقبالها؛ ففي مسقط رأسه الحسكة غالباً ما يُستقبل العائد من سفر طويل بنصب بيوت الشعر، وذبح الخراف، وإطلاق الرصاص، وتوزيع الحلوى، وعقد الدبكة. ولكلّ منطقة طقوسها. وهنا، يفتح النصّ نافذة أولى على الأنثروبولوجيا، ستعقبها نوافذ أخرى في غير موضع منه. يشرّعها الكاتب على الرحلة والسيرة والرواية والشعر والتاريخ والجغرافيا والسياسة وسواها من الحقول المعرفية، ما يجعل منه نصاًّ مكتنزاً بالمعاني والدلالات، لن يعود قارئه من الغنيمة بالإياب.

 

أماكن وبيوت وأصدقاء
 في إطار سعيه لتحقيق هدفه المزدوج من العودة، يتفقّد البكر أحياء دمشق المختلفة: الصالحية، السبع بحرات، الشيخ محيي الدين، الربوة، شارع العابد، حي التجارة، حي الشعلان، أبو رمّانة، الغوطة، وادي بردى، بلودان، الزبداني، مخيم اليرموك وغيرها. يزور المرافق السياحية: فندق قيصر بالاس، فندق أمية، فندق فورسيزنز، مقهى الروضة، مقهى النجمة، مطعم أبي شفيق، المتحف الوطني، جامعة دمشق وغيرها. يبحث عن البيوت التي سكنها أو زار أصحابها في شارع العابد وحي التجارة وملعب العبّاسيين وجادّة الخطيب، فتختلط عليه الأبنية، ولا يعثر على ما يبحث عنه. يلتقي بعدد من الأصدقاء، القدامى والجدد، من أهل الفنّ والأدب والثقافة: خليل صويلح، باسم القاسم، يعرب العيسى، عدنان العودة، محمد ملص، نهى وسلمى كامل، سهى حسن، سميح الباسط، ياسين الحاج صالح، يوسف عبدلكي، فاروق مردم، سمير سعيفان، ماجد كيالي، مروان دراج، نصوح زغلولة، مأمون الحمصي، مأمون كنامة، بشار زرقان، سامر رضوان، محمد برّو، سعيد البرغوثي، أحمد جاسم الحسين، عمر الشيخ ابراهيم، وغيرهم. يتبادل معهم أحاديث عابرة أو ينخرط في حوارات مطوّلة، ويخرج بانطباعات معيّنة. يفتقد أصدقاء رحلوا (علي الجندي، خالد خليفة، جميل حتمل، ممدوح عدوان، محمد الماغوط، نذير العظمة، رياض الصالح حسين)، أو اختفوا (عادل حديدي، دعد حداد)، أو هاجروا (وائل السواح، فرج بيرقدار، وليد حمارنة، غادة قندلفت)، أو لزموا منازلهم لأسباب مختلفة. وبنتيجة هذه الأعمال، يُجرّد الكثير من الملاحظات، ويخرج بجمٍّ من الانطباعات، ويرصد التحوّلات التي طرأت على المشهد السوري، بين رحيله عنه وعودته إليه. 

Image-1763630544
في إطار سعيه لتحقيق هدفه المزدوج من العودة، يتفقّد البكر أحياء دمشق المختلفة: الصالحية، السبع بحرات، الشيخ محيي الدين، الربوة، شارع العابد، حي التجارة، حي الشعلان، أبو رمّانة، الغوطة، وادي بردى، بلودان، الزبداني، مخيم اليرموك وغيرها.


تحوّلات سلبية
 لدى وصوله إلى المطار، يتفرّس في وجوه المستقبلين، في محاولة منه لقراءة التعابير، فتبدو له الوجوه "شاحبة، تنضح مرارة. ندوب الزمن الأسود محفورة بقوّة في الوجوه الودودة، صمت ثقيل، لا أحد يضحك، أو يبتسم، كأنّ الناس يودّعون أعزّاء لهم لا العكس" (ص9). ولدى وصوله إلى بيت أخيه سعيد، يكتشف أنّ "البلد بلا كهرباء أو غاز، والمرتّبات متدنّية جداًّ، حيث لا يكفي راتب الموظّف لتأمين الخبز..." (ص 13). وخلال تسكّعه في المدينة، يلاحظ أنّ عيون الرجال تطفح بالأسئلة، والنساء غير سعيدات، والشباب يعكفون على ذواتهم في حلقات مغلقة. ويلفته ازدحام السير والتلوّث السمعي والبصري. وإذ يمعن في تأمّل وجوه الناس وأحوالهم، يلاحظ أنّ دمشق التي عرفت بجميلاتها قد أقفرت من الأنوثة، وأنّ الوجوه فيها "شاحبة، وأخرى داكنة، بعضها فقد نضارته وصار صفحة مستوية، وغيرها يبدو مثل ورقة مجعلكة" (ص 70)، وأنّ الأفراح قد غادرت المدينة، "ولم يبق للناس هنا سوى الرصيد الكبير من الأحزان" (ص 62). وحين يرصد التحوّلات التي طرأت على الأماكن، يرى أنّ "بعض أحياء المدينة انتقلت إلى حال ريفية، لأنّها لم تخضع لأيّ صيانة.." (ص 39)، وأنّ شلّالات الربوة التي طالما عُرِفت بغزارتها، "صارت صورة مرسومة على جدار بسبب شحّ المياه" (ص 55).

Image-1768720653
 في رحلته إلى الزمن الضائع، لا يكتفي البكر بزيارة دمشق، رغم أنّه يُفرد لها القسم الأكبر من كتابه، بل يزور مدناً أخرى، ويفكّر في زيارة غيرها دون أن يتمكّن من تنفيذ فكرته.

 تحوّلات إيجابية
 وإذا كانت السلبية تدمغ التحوّلات الآنفة الذكر، وتعكس الأعطاب العميقة التي أحدثها النظام الساقط في جسد المدينة وروحها، فإنّ تحوّلات أخرى إيجابية يرصدها الكاتب، وقد تشكّل مؤشّرات على ولادة مرحلة مختلفة، في ظلّ نظام جديد، ما لم تتعرّض لانتكاسات تعيد الأمور إلى نقطة الصفر. ومن هذه التحوّلات: خلوّ دمشق من العسكر والشرطة. استمرار الفرح العفوي بسقوط النظام السابق. سقوط الخوف مع التماثيل الساقطة في الساحات. تكلّم الناس بأصوات عالية بعد أن كانوا يؤثرون الصمت طلباً للسلامة. تحوّل مقهى الروضة من الصمت المطبَق في ظلّ النظام السابق إلى الهمس المسموع في ظل النظام الجديد، مع مؤشّرات على وجود "سمّيعة" بين الحضور. وفقدان نواطير العمارات وظيفة كتابة التقارير للأمن عن التفاصيل اليومية. وإذا كانت السلبيات تشي بأنّ المدينة لا تزال ترزح تحت إرث النظام السابق الثقيل، فإنّ الإيجابيات القليلة لا تكفي للتحرّر من ذاك الإرث واجتراح مرحلة جديدة، تستعيد فيها المدينة مدنيّتها، ويستعيد الناس حقوقهم في الحياة الحرّة الكريمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بناء الدول لا يتمّ بين ليلة وضحاها. 


 مدن أخرى
 في رحلته إلى الزمن الضائع، لا يكتفي البكر بزيارة دمشق، رغم أنّه يُفرد لها القسم الأكبر من كتابه، بل يزور مدناً أخرى، ويفكّر في زيارة غيرها دون أن يتمكّن من تنفيذ فكرته. ويدوّن انطباعات معيّنة، مستجدّة أو سابقة، عن المزورة وغير المزورة؛ فحلب هي الجناح الآخر لسوريا مع دمشق. والقنيطرة يفتّش عنها ولا يجدها، فيعود منها كجندي مهزوم. والحسكة لم تعد في مكانها. والسويداء لا تزال تحت السقف العالي للوطنية الذي رفعه سلطان باشا الأطرش. واللاذقية غريبة عنه، يتراوح إحساسه نحوها بين الحياد والنفور، لعلاقة النظام السابق بها.

وبعد، بين نظام سابق لا تزال خطاياه تنوء بأثقالها على السوريين، ونظام جديد لا يزال في مرحلة التبلور والسعي إلى إقامة دولة تليق بهم، يقوم بشير البكر برحلتيه إلى سوريا، فيرى ويسمع ويلاحظ ويراقب ويتجول ويتفقد ويحاور ويرصد ويدوّن، ويعود من هذه الآليات بكتاب، يشكّل شهادة أدبية على مرحلة انتقالية بين مرحلتين، زاخرة بالدروس والعبر، فهل ثمّة من يقرأ ويعتبر؟  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث