"المركز العربي" في ورشة كتابة التاريخ: أسئلة سوريا الكبرى

رائف مرعيالأحد 2026/01/18
Image-1768723921
امتدت الورشة على مدى يومين، بمشاركة نخبة من الباحثين والمؤرخين السوريين
حجم الخط
مشاركة عبر

 

في تناغم منشود لجهد جماعي مشهود داخل عمل مشترك للمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، اختُتمت في العاصمة دمشق، أعمال ورشة "كيف يُكتب تاريخ سورية: إشكاليات التاريخ ومنهجيات إعادة القراءة". فعلى مدى يومين، بمشاركة نخبة من الباحثين والمؤرخين السوريين، تـم العمل من أجل استملاك جماعي لقضية جوهرية، مفادها أن الإشكال لا يكمن فقط في ما كُتب عن تاريخ سوريا، بل في كيف كُتب، وبأي مناهج، وتحت أي شروط معرفية وسياسية وثقافية، وأيضا غياب نقاش منهجي نقدي حول كيف كُتب هذا التاريخ، ومن أي زاوية، وبأية أدوات معرفية.


في اطار الإجابة على سؤال "المدن" حول دوافع إطلاق هذه الورشة، قال الدكتور ابراهيم دراجي مدير المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة: "بوصفنا مركزاً بحثياً، لاحظنا أن السرديات التاريخية السائدة تميل إلى التعامل مع التاريخ السوري الحديث إما بوصفه سرداً خطياً للأحداث، أو بوصفه مادة مؤدلجة تخضع لمنطق التبرير أو الإدانة مع غياب كافٍ للاشتغال الإيستوريوغرافي النقدي الذي يفكك أدوات الكتابة نفسها، وحدودها، وصمتها، وانحيازاتها". مضيفا، "الدافع البحثي الأعمق كان الشعور بوجود فجوة حقيقية بين غنى التجربة التاريخية السورية وتعقيدها من جهة، وبين ضيق الأطر المنهجية التي كُتبت ضمنها من جهة أخرى".
من جهته، رئيس مجلس الأمناء للمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة الدكتور حسام الحافظ قال لـ"المدن"، إنه ثمة مبررات تأريخية لولادة هذه الورشة "تتمثل في أن سوريا تمر اليوم بلحظة مفصلية تتقاطع فيها الذاكرة الحية مع إعادة تشكل الدولة والمجتمع، وهي لحظة نادرة تاريخياً تفرض التفكير في التاريخ لا بوصفه أرشيفاً مغلقاً او مجموعة من الحكايات، بل كحقل صراع معرفي حول المعنى والتأويل والشرعية".
ولفت الحافظ الى أن اختيار دمشق تحديداً "يحمل دلالة رمزية ومعرفية وزمانية، باعتبارها مركزاً متجدداً لإنتاج السرديات الرسمية وغير الرسمية وأنها اليوم تحظى بمقدار من حرية النقاش وبالتالي فإن فتح الحوار من داخلها حول كتابة التاريخ يمثل فعلاً نقدياً بحد ذاته".

وشهدت الورشة نقاشات تناظرية، تناوب على المشاركة فيها باحثين ومؤرخين، من مشارب وتجارب راكمت رصيداً معرفياً ومنهجياً، وكذلك أكاديمياً معتبراً. 

 


وهذا المنطلق، أكد عليه الدكتور دراجي بوصف الورشة "اعترافاً بقيمة ما أنجزه كبار مؤرخي سورية الذين أدّوا، على امتداد عقود، مهام علمية جليلة في توثيق تاريخ البلاد، في ظروف أكاديمية وسياسية بالغة الصعوبة. حرص المركز، على الاستعانة بهؤلاء الباحثين المخضرمين، لا بوصفهم مرجعيات مكتملة، بل شركاء أساسيين في نقاش نقدي مسؤول حول الكتابة التاريخية وحدودها". و"إيماناً منا بأن إعادة قراءة التاريخ السوري لا يمكن أن تكون فعل جيل واحد، فالجمع بين الخبرة المتراكمة والرؤية النقدية الجديدة لم يكن خياراً تنظيمياً، بل خياراً منهجياً، يهدف إلى خلق تواصل معرفي حيّ بين أجيال الباحثين، وتوسيع أفق الأسئلة المطروحة".

 

قضايا الأرشيف
وفيما شهد اليوم الأول من الورشة، سلسلة جلسات تناولت العلاقة بين التاريخ والذاكرة الوطنية السورية، تركزت جلسات اليوم الثاني على قضايا الأرشيف والسرديات التاريخية، وجميعها مخصصة للبحث في كيف كُتب التاريخ السوري، وكيف يمكن أن يُكتب اليوم، وسبل بناء سردية وطنية موضوعية، بعيدة عن الانحيازات السياسية والأيديولوجية.

تحدث الدكتور حسام الحافظ لـ"المدن"، عن أن العتبة البحثية التي انطلقت منها الورشة " تقوم على التشكيك في المسلمات السردية التي استقرت خلال سنوات الصراع، سواء تلك التي صاغتها السلطة أو التي تبنتها قوى معارضة أو أطراف دولية. فالعنوان لا يفترض وجود تاريخ واحد جاهز للكتابة، بل يفتح السؤال حول شروط إمكان الكتابة ذاتها: من يكتب؟ ولماذا؟ وبأي منطق زمني؟ وبأي علاقة بين الحدث والذاكرة والوثيقة؟
كما تقوم هذه العتبة على الانتقال من تاريخ الأحداث إلى تاريخ المعاني، أي من تسجيل الوقائع إلى تفكيك أنماط التفسير، ومن السرد الخطي إلى قراءة التقطعات والانقطاعات، ومن البحث عن نهاية القصة إلى فهم تعدد المسارات التي لم تكتمل. بهذا المعنى، فإن الورشة تؤسس لمقاربة ابستمولوجية قبل أن تكون مشروعاً توثيقياً".

المؤرخ سامي المبيض قال لـ"المدن": إنه "من الضروري جدا معرفة الاخطاء التي أوصلتنا إلى انقلاب البعث عام 1963. تلك المرحلة لم يتم التعامل معها بحياد، فهناك من حملها لدرجة أسطورية، ومن حقرها من البعثيين وغيرهم، سواء عن جهل أو سابق اصرار وتصميم". وأن "مرحلة البعث لم تدرس من قبل المؤرخين بشكل جيد بعد، اما بسبب الخوف او قلة الوثائق. هذه الحقب لا علاقة لها بتاريخ اليوم، الذي يكتب الآن".

 


الدكتور دراجي، نبه إلى أنه "ثمة تحولات كبرى شهدتها سوريا، أثرت بعمق في شروط إنتاج المعرفة التاريخية، لتأتي هذه الورشة محاولة واعية لتسمية هذه الشروط".

موضحا لـ"المدن" أنه "كان من الضروري إدماج قضايا، مثل التاريخ الدستوري، وتاريخ المفاوضات، إضافة إلى سؤال الذاكرة السورية وتوثيق أحداث الثورة بوصفها جزءاً من التاريخ الوطني لا مجرد مادة شهاداتية. كما حرصنا على إعادة الاعتبار لقضايا فلسطين والجولان في التاريخ السوري، لا باعتبارها ملفات خارجية، بل بوصفها مكوّناً بنيوياً في تشكّل الوعي الوطني". مع ملاحظة "طرح مسألة الأرشيف السوري بوصفها مسألة مركزية، وبضرورة التفكير الجاد في سياسات الحفظ، والإتاحة، والتوثيق، قبل ضياع مزيد من المواد أو إخضاعها لانتقائية جديدة".
ليختم دراجي في هذا السياق بالقول: "الورشة ذات طابع شبه تأسيسي، ليس لأنها تدّعي وضع منهج رسمي لكتابة تاريخ سوريا، بل لأنها تفتح نقاشاً علمياً مؤجّلاً حول الأسئلة الكبرى. وهذا الإطار العام هو ما حاولنا بلورته في الورقة الخلفية للورشة، وهو ما شكّل الأساس الفكري لإطلاقها بوصفها مساحة حوار علمي مفتوح ومسؤول".
ومع تعددية مقاربات الفهم التاريخي للحدث السوري، وكذلك الاتجاهات المؤسِّسة في الكتابة التاريخية وميدانها من الوجهة المعرفية، ودورها في تسجيل حضور المؤرخ، وخصوصا لجهة منهجية إعادة قراءة تاريخ سوريا وكتابته، فيما لايزال الحدث السوري يعتبر آنيا، ومتزامن. 


تحدث لـ"المدن" منسق منصة الذاكرة السورية، الباحث أحمد أبازيد عن مشروع الذاكرة السورية، الذي أطلقه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بوصفه تجربة في التأريخ الراهن والمتزامن لحدث آنيّ أو قريب، قائلا: "الذاكرة السورية كانت أضخم".
من جهته أوضح الدكتور حسام، أن "التاريخ الآني لا يسمح بالحسم، لكنه يسمح بالتحليل، وبكشف آليات إنتاج السرديات أثناء تشكلها. المنهجية الممكنة هنا ليست منهجية إغلاق، بل منهجية تعليق الأحكام، والتمييز بين ما هو توصيفي وما هو تبريري، وبين الذاكرة بوصفها مادة خام، والتاريخ بوصفه بناءً نقدياً". لافتا الى أن "الكتابة في وقت التزامن تفرض أدوات خاصة: تعدد المصادر، المقارنة بين السرديات، تفكيك اللغة السياسية، والوعي بخطر الغائية التاريخية التي تعيد قراءة الماضي بوصفه طريقًا حتميًا إلى الحاضر. بهذا المعنى، نحن لا نكتب التاريخ النهائي، بل نؤسس لشروط كتابة تاريخ مستقبلي أكثر اتزانًا".
ومع اقرار الدكتور دراجي بمشروعية الاستفسار والاستفهام، عن ضرورة اكتمال الحدث كشرط للكتابة التاريخية عنه، الا أنه طرح وجهة نظر مطابقة لما قدمه الدكتور حسام، شارحاً لـ"المدن"، أن "الإشكال الحقيقي ليس في آنية الحدث، بل في الخلط بين التوثيق والتحليل الأولي من جهة، وإصدار الأحكام النهائية وبناء السرديات المغلقة من جهة أخرى". وأضاف دراجي "من موقعنا، كمدير للمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، نرى أن تأجيل التفكير التاريخي بحجة آنية الحدث يحمل خطراً لا يقل عن خطر التسرع: خطر ترك المجال للسرديات الشعبوية، أو السياسية، أو الإعلامية، لتملأ الفراغ وتفرض نفسها كبديل عن المعرفة المنهجية. التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الصراعات، بل كثيراً ما يُشوَّه في غياب المؤرخين أثناء حدوثها".


شهدت الورشة حالة من التحفيز على وضع تاريخ الذات في المرآة، وهو ما تمحورت حوله أوراق بحثية عدة، قدمت على سبيل توسيع دائرة الفهم التاريخي للمسألة السورية، وتكبير المنظور التاريخي لها.
الباحث أبازيد، ذكر أن الورقة التي قدمها "ركزت على عرض الموادّ التي تتضمنها منصة الذاكرة السورية، ومنهجية التوثيق والتحقق والكتابة فيها، بهدف أن تكون مرجعية موثوقة للباحثين والمهتمين وللسوريين على عمومهم. وشرحت الورقة. لتحديات المنهجية التي تواجه توثيق الثورة السورية، وأهمية منصة الذاكرة السورية للباحثين والمؤرخين اليوم".


من جهته تحدث الدكتور حسام لـ"المدن" عن الاتجاه المعرفي للورقة التي شارك فيها، وقد "تناولت إشكالية العلاقة بين التفاوض السياسي وكتابة التاريخ السوري، باعتبار التفاوض ليس مجرد حدثاً سياسياً عابراً، بل ممارسة تاريخية تنتج سرديات، وتعيد تعريف الفاعلين، وتحدد ما يُحفظ في الذاكرة وما يُهمّش. حيث انطلقت الورقة من تحليل مسارات التفاوض السوري المختلفة بوصفها لحظات إعادة صياغة للشرعية وليس فقط محاولات لحل النزاع.
مضيفا "السياق البحثي للورقة كان نقد المنطق الذي اختزل السياسة السورية في سردية العنف أو الانهيار، متجاهلاً استمرارية الفعل التفاوضي بوصفه تعبيراً عن وعي الدولة والمجتمع بالسيادة وبحدود القوة. الهدف لم يكن إعادة سرد الوقائع، بل تفكيك دلالاتها التاريخية".

لا غرو، أن أهمية المنهج والتناهج في موضوع هذه الورشة، شرط لازم ضروري، حوله وعنه، لفت الدكتور دراجي الى "أن المنهجية التي نطمح إليها، ليست منهجية تصفية حساب مع الماضي، بل منهجية تحرير الوعي التاريخي من الوصاية. تحريره من فكرة أن التاريخ إمّا مجيد بالكامل أو مدان بالكامل. هذا النوع من الوعي وحده يمكن أن يكون تأسيسياً، لأنه يسمح ببناء حاضر لا يخاف من ماضيه، ومستقبل لا يقوم على الإنكار.
ومن دون هذا التوازن، يتحول التاريخ من مورد معرفي إلى عبء سياسي. ومن دون هذا التمييز، تصبح كتابة التاريخ جزءاً من الصراع، لا أداة لفهمه وتجاوزه".
مضيفا "تاريخ سورية، حتى في أكثر مراحله قسوة، لم يكن تاريخ سلطة فقط، بل تاريخ مجتمع، ومؤسسات، وأفكار، ونضالات، وتجارب فشل ونجاح متراكبة. أي كتابة تُلغي هذا التعقيد لصالح سردية بداية جديدة مطلقة تخاطر بإفقار الحاضر بدل تأسيسه".

مع ضخامة العنوان الذي حملته هذه الورشة، وعمق الطرح النقدي القادم من صميم منظور إيستوريوغرافي، وميتا ايستوريوغرافي، لتناول تاريخ بلد جيواستراتيجي كسوريا، يتكشف لنا أهمية تحوله الى مشروع مكتمل الاركان والصياغة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث