"بعد الوحشية" لحميد دباشي: لن نجد أفكاراً تحت أنقاض غزة

شادي لويسالسبت 2026/01/17
Image-1768647827
بالنسبة إلى دباشي، فلسطين هي العالم، والعالم هو فلسطين
حجم الخط
مشاركة عبر

تحظى الـ"ما بعديات" برواج فكري في حقول الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وذلك منذ الحكم بانقضاء الحداثة، أو ربما قبل ذلك، أي بعد الإعلان الاحتفائي بموت الإنسان. من "ما بعد الحداثة" إلى "ما بعد الإنسانية" وغيرها من الما بعديات، ثمة تعلق بالماضي المبشر بنهايته، حيث يظل الحاضر مُعرّفاً به. 


ينضم كتاب "بعد الوحشية: غزة والإبادة ووهم الحضارة الغربية" (2025) لأستاذ الدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، حميد دباشي، إلى لائحة من إصدارات يمكن تسميتها بكتابات "ما بعد غزة". ومن بينها "العالم بعد غزة" للكاتب الهندي باكناج ميشرا، و"أن تكون يهودياً بعد تدمير غزة" للكاتب الأميركي اليهودي، بيتر بينارت، و"أن تكون مسيحياً بعد خراب غزة" لرونالد بيندر وروس فاغنر، و"اللاهوت بعد غزة: مختارات عالمية" من تحرير متري الراهب وغراهام ماكغوتش. وجميعها صدرت العام الماضي، ويبدو أن ما يجمعها هو قناعة بأن غزة هي نقطة تحول مركزية يقسم بموجبها الزمن إلى ما قبل وما بعد.


والحال أن دباشي-وهو أحد ورثة إدوار سعيد الكثر في تركة ما بعد الاستعمار- ليس غريباً على المابعديات، فأشهر إصدارته على الإطلاق هو كتابه المرجعي "ما بعد الاستشراق" (2009). لكن، وخلافاً لإصداراته السابقة، يكتب دباشي هذه المرة في ظل الإبادة. صدر الكتاب قبل وقف إطلاق النار بشهور. تلك كتابة طارئة وضرورية، لكنها بالتعريف ناقصة أيضاً ولعلها متعجلة، وتفتقد لمقومات المابعدية، فكيف نكتب عما بعد غزة، والإبادة هناك مازالت مستمرة؟!

 

Image-1768589640


"غزة هي مقبرة السلطة الأخلاقية للغرب"، هكذا يضعنا دباشي أمام الأطروحة الرئيسية لكتابه، والتي تأتي مقترنة مع الحاجة إلى خيال سياسي وفلسفة أخلاقية تتجاوز المركزية الغربية، أو كما يسميها في موضع آخر "ما بعد غربية". وفي سبيل ذلك، يشير بإيجاز إلى التاريخ الإبادي للحضارة الغربية، وإلى "ميتافيزيقيا البربرية" تلك الممكن قراءتها في الأسس اللاأخلاقية لفلسلفة كانط وفي الروح العنصرية لفينومينولوجيا هيغل. 


بالنسبة إلى دباشي، فلسطين هي العالم، والعالم هو فلسطين. وهذا العالم لا ينقسم إلى شرق مقابل غرب، بل يقف العالم مقابل الغرب، والغرب مقابل العالم. وعلى القياس نفسه، إسرائيل هي الغرب، والغرب هو إسرائيل، أو كما يقول في موضع آخر إسرائيل هي العرض لمرض أخلاقي اسمه الغرب. والإبادة الجارية في غزة ليست حدثاً شاذاً أو استثنائياً، بل امتداداً طبيعياً للتاريخ الاستعماري للغرب. ومن هذا المنظور، غزة وأوشفيتز هما وجهان لعملة واحدة. لكن إن كانت غزة مذبحة واحدة ضمن التاريخ الطويل للإبادة الغربية، فما الذي يميزها عن غيرها لتصبح "الموقع الإبستمولجي لتفعيل مشروع نزع الاستعمار" أو ليكون ركامها "حيزاً لإعادة تنظير الميتافيزيقيا"؟ أي لماذا لم تدفن السلطة الأخلاقية للغرب بعد الهولوكوست مثلاً؟ طرح تلك الأسئلة ليس بخساً من هول ما حدث في غزة، بل على العكس احتجاجاً على اختزالها في مجرد حجة أخرى لركل الجثة المتحللة للأخلاق الغربية. 


يتصدى دباشي لنقد النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، وبالأخص أدورنو وهوركايمر. وفي فصل بعنوان "الفلسفة بعد الوحشية"، يقارن نازية هيدغر بصهيونية هبرماس، ليكشف النقط العمياء للفلسفة الغربية، ويفكك عالميتها الزائفة، بحيث يضعها أخيراً في حجمها الصحيح. لكن ثمة تناقضاً في ما يقوم به دباشي، فدعوته إلي "ما بعد الغربية" لا تتسق مع انشغاله المفرط بالفلسفة الغربية وبنقدها.


مقارنة بلائحة طويلة من الفلاسفة الغربيين يتضمنها الكتاب، يقتصر الحضور الفلسطيني على مقتطفات من شهادات وتقارير مؤسسات دولية بشأن الفظاعات التي يتعرض لها سكان القطاع. وعلاوة على ذلك، تبدو إحالات دباشي إلى شِعر محمود درويش وكتابات غسان كنفاني، طقوسية وتجاوزها الزمن، وبالأخص حين ينثر بضع أبيات من قصيدة "سجّل أنا عربي" بين فقراته لأغراض تبدو تزيينة بحتة. 


ببصيرة ثاقبة، يشير دباشي إلى أننا لن نجد أفكاراً ولا نظريات ولا مصطلحات تحت أنقاض غزة، فليس هناك سوى الجثث والعظام المحطمة. مع هذا يعود، مرة بعد أخرى، ليقول لنا أن غزة هي مجاز عن كذا وكذا. لكن غزة ليست مجازاً.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث