في مديح الرداءة

أحمد شوقي عليالجمعة 2026/01/16
Image-1768550412
يحدث أن تنتج دور النشر الكبرى الرداءة بشكل ممنهج
حجم الخط
مشاركة عبر

أجادل دائمًا في أن تلقي الفنون، وتقييم ما هو جدير بالاهتمام من عدمه، يخضع لعملية تمييز طبقي ممنهجة، تفرض فيها "الطبقة"" مفاهيمها الأحادية عن الجودة، عبر آليات للتمييع والتكرار، تولِّد شعورًا زائفًا بالألفة والإتقان.


ولكن أي الطبقات أعني؟ يجادلني الشاعر عماد أبو صالح في نقاش مشترك، بأن الطبقة الوسطى انهارت تمامًا، وما يتسيد الآن هو "ثقافة الحضيض التي يفرضها تيار القاع الشعبوي"، لكنني أقصد ما يمكن تسميته اصطلاحًا، بـ"البرجوازية المُعَوْلَمة"، فهم ليسوا أرستقراطية بالدم أو النسب القديم، بل صعدوا وحافظوا على مكانتهم بفضل القوة الشرائية والملكية الخاصة التي حمتهم من انهيار العملة، وكذلك استبدلوا بـ"الثقافة الوطنية" (التي كانت سمة الطبقة الوسطى القديمة) "ثقافة عالمية" (تعليم أجنبي، ولغات، ونمط حياة غربي) كوسيلة للتمييز الطبقي، وكجواز مرور يضمن لأبنائهم فرص عمل وحياة منفصلة عن الواقع المحلي المتردي.


تهتم تلك الطبقة بالفن -تلقّيًا وممارسة- كضرورة نخبوية، وتمارس وجودها بين مُنتِجة أو مُقيِّمة للعمل الإبداعي، حسب المساحة التي يحتلها الأخير من حيز الاهتمام الشعبي، فتنتج في السينما والموسيقى صورتها، أي تصدّر نفسها، دونما اصطدام حقيقي بالمجتمع "الكبير/ المخيف"، بينما تُقيّم الأدب والتشكيل (المجتمعات الأصغر/ الأضعف) وفق رؤية لا تفترض في الفن خصائص جوهرية ثابتة، فتحتفي في حالة الإنتاج بوجودها، وتسبغ في حالة الحكم القيمة على "اللا شيء".

WhatsApp Image 2023-12-02 at 17.28.00_6869d6e2.jpg
يجادلني الشاعر عماد أبو صالح في نقاش مشترك، بأن الطبقة الوسطى انهارت تمامًا

 


إن المتابع، مثلًا، للمنتج السينمائي والدرامي الذي يدّعي الجودة خلال السنوات الأخيرة، سيكتشف خيطًا طبقيًا ناظمًا يجمع الصُنّاع، الذين إما ينتمون إلى الشرائح العليا من تلك الطبقة، أو ينحدرون من عائلات فنية تنتمي أو صارت تنتمي إلى الطبقة ذاتها. هؤلاء يمارسون عبر التكرار تسييد تفضيلاتهم ورؤاهم للمتخيّل والواقعي، فتصبح مع الوقت أمينة خليل نجمة، لأنها تمتلك أداء ولغة تلك الطبقة، رغم افتقارها الواضح لأدوات التمثيل، وتتحول منة شلبي من "الفتاة البلدية" صاحبة الجسد اللَّدِن، إلى أخرى نحيفة ذات جمال "راقٍ". ويضطلع في المقابل ممثلون مثل علي قاسم وصدقي صخر بالأدوار الرئيسة، لأنهما يمثلان "الجان بريمير" في شكله النظيف والمهندم. وكلٌّ من: أمينة، والطبعة= والنسخة الجديدة من منة، وعلي، وصدقي، وغيرهم، تعبر ملامحهم عن خواء نفسي وقلق وجودي "شيك"، يناسب الصورة التي تحب أن تعبر من خلالها الطبقة "المغتربة" عن نفسها.


وفضلًا عن "الاغتراب" و"الخواء" الذي تتناوله دراما تلك الأعمال، فإنها تتحول عند معالجة الهامش إلى صياغة "آخَر" متخيّل، لا علاقة له بالواقع المُعاش، أبطاله دائمًا فقراء، إما منغمسون في أمراض مجتمعهم الفقير، أو على يساره لأنهم أفضل من أن يكونوا فقراء رغم فقرهم! ناهيك بالطبع عن حضوره كـ"ميم" (Meme) ساخر، ذي لهجة محلية "غريبة"، وشخصية كاريكاتورية وعفوية تميل إلى الحماقة، وتضفي بعض الفكاهة على روح العمل.
أما في الموسيقى، ولأن هذه الطبقة تسعى لامتلاك الفضاء بمعناه الوجودي والمادي -لأنه في الواقع لا يوجد سوق حقيقي يدفع إلى التنافس أو حتى الاستحواذ- صارت تصعد الموسيقى ذات الطابع الشعبي إلى صدارة المشهد، الذي بات عبد الباسط حمودة أحد مفرداته، وكذلك يصعد "الراب" إلى "السين" بالطريقة نفسها، لأنهما (والراب منتج شعبي بالأساس) يمثلان عناصر "Exotic" تفضلها تلك الطبقات، وتتخذها وسيلة للتطهر من "عاجيتها"، وتؤكد من خلالها التحامها بالمجتمع.

 

Image-1768550850
في "نظام التفاهة"، حسب آلان دونو، تنحصر السلطة والتأثير بيد الأشخاص المتوسطين، وتُستبعد الكفاءات العالية كما يُستبعد الفاشلون جدًا،

 


غير أن الوضع يختلف، أو ربما يتبلور في هيئة مغايرة، في المجتمعات الإبداعية الأصغر، أو التي يمكن إحكام السيطرة عليها بشكل أكبر، مع التأكيد مرة أخرى على غياب السوق، أي عدم الجدوى من ذلك الاستحواذ.
في "نظام التفاهة"، حسب آلان دونو، تنحصر السلطة والتأثير بيد الأشخاص المتوسطين، وتُستبعد الكفاءات العالية كما يُستبعد الفاشلون جدًا، لأن كليهما يهدد استقرار النظام، الذي يفضل "المتوسط" القابل للتعليب والتسويق. وهو أمر يناسب ما سبق وأشرنا إليه في حالة تعاطي الطبقة الوسطى مع السينما والدراما والموسيقى، ويأخذ عدة أشكال في الأدب، ويفترض مسارات غير متوازية، بل تصطدم ببعضها البعض أحيانًا.


ففي الأدب، ثَمّة نسقان: واحد كلاسيكي، وآخر حداثي (نسبة إلى الزمن لا التوجه الفكري). يمارس النسق الأول ما يشبه هيمنة "الإنجليزية الفنية الدولية" (International Art English)، وهي لغة مصطنعة ومعقدة تعتمد على حشو الجمل بمصطلحات غامضة مثل "الاستنطاق" (Interrogate)، و"الفضاء" (Space)، و"التفكيك" (Deconstruct)، و"الأنا" و"الآخر"، لإعطاء انطباع بالعمق والسلطة المعرفية. هذا النسق ينتج شيئًا أشد خطرًا من الرداءة، ينتج "التكلف"، وهو آلية تحول "الأدوات المتوسطة" إلى "غموض"، و"الركاكة" إلى "عمق"، وتسمح بتمرير أعمال لا تملك قيمة جمالية حقيقية تحت غطاء كثيف من التنظير، أو ما يُعرف بـ"تأثير المعلم الروحي" (Guru Effect)، حيث يفترض المتلقي أن الغموض دليل على بصيرة الفنان التي تعلو على فهمه.


أما النسق الثاني، فيدعي الثورة على "القيمة الفنية" من باب "يحيا الفن المنحط". وهنا يجب التنويه إلى أمر مهم عند التعرض لمسألة "جماعة الفن والحرية"، إذ يُغفل -عن عمد- أنها كانت جماعة من الإنتلجنسيا، فشلت أصلًا في الاتصال بالمجتمع لاعتمادها على اللغة الفرنسية التي يجهلها الشعب وطبقاته الدنيا، ولذا ظلت محطة فنية نخبوية تهم الصناع فقط. المهم أن هذا النسق الحديث، الذي يثور على القيم الفنية الراسخة باعتبارها قيمًا مجتمعية بالية، هو نفسه غالبًا ما يكون متوسط الأدوات، بل ويفتقر إليها أحيانًا.


تحت مظلة هذا النسق، تُسبغ القيمة على أي محاولة فقيرة لغويًا أو فكريًا، وتصبح أي محاولة للتقييم "فرضًا لسلطة أبوية"، فقد يكون العمل ضعيفًا على مستوى اللغة والبنية والأفكار والحبكة، لكن الإشارة إلى ذلك تُعد ممارسة سلطوية توجيهية، في وقت تسوده الشكوى من غياب أي دور فاعل للنقد!


في ظل هذا المناخ، يحدث أن تنتج دور النشر الكبيرة (يمكن أن ندرج عشراتٍ منها على مستوى الوطن العربي) الرداءة بشكل ممنهج. فالدور الكبرى باتت تجمع في قائمتها بين كتاب حقيقيين وآخرين رجعيين على مستوى الأفكار والموهبة، ومع الوقت، يتحول هؤلاء الكتاب الضعاف إلى "كبار"، لأن النشر في تلك الدور بحد ذاته صار قيمة، مستفيدين من "تأثير مجرد التعرض" (Mere Exposure Effect)، حيث يؤدي تكرار ظهور العمل أو الكاتب في السياقات المؤسسية إلى توليد شعور إيجابي بالألفة، يُنسب خطأً إلى الجودة.


وهنا يلعب التميز الطبقي دوره الحاسم، حيث يقبل المتلقي العمل -حتى لو كان رديئًا- لأن فهمه وتأويله يمثل "طقس عبور" يثبت أهليته لعضوية النخبة المثقفة. وكما يرى خوسيه أورتيغا إي جاسيت، فإن الفن الحديث يقسم الجمهور إلى "من يفهمون" و"من لا يفهمون".


وتستمر هذه المنظومة لأن الجميع يصفق للعمل الرديء، ظنًا منهم أن الجميع معجب به، ويخشون التصريح برأيهم خوفًا من النبذ أو الاتهام بالرجعية. بل إن المتلقي، حين يدفع تذكرة أو يبذل جهدًا للوصول لعمل تافه، يقع، حسب ليون فيستنغر، فريسة لـ"التنافر المعرفي"، فيضطر لاختلاق معانٍ عميقة للعمل ليبرر لنفسه هذا الاستثمار، محققًا بذلك "تضحية العقل" لصالح المؤسسة. هذا النمط تكرسه أيضًا آليات الطبقة "البرجوازية المُعَوْلَمة"، مثل "الفلوجات" و"البوكتيوبرز"، الذين يروجون لهذه "المتوسطية" ويعيدون تدويرها.


في ظل هذا الوضع، يصبح الدفاع عن تسمية الرداءة باسمها، بصورتها الأصلية، الفاضحة، غاية رئيسة، وفعل مقاومة، لأنه في الأصل دفاع عن الجودة. إن الرداءة تعلمنا أن الانبهار آفة تهدد التفكير النقدي، وأن معاينة الركيك طريق العقل الواعي لاختبار مفهومه عن القبيح والجميل والمبتسر والكامل، وتحرمنا تلك الطبقة هذا الحق، وفق قيم مفتعلة، لا تميّع الفن فقط، وإنما الضمير أيضًا، أو كما يصفها مصطفى إبراهيم "كيف تكون إنسانًا راقي/ ومطابق للاشتراطات/ كل كلامك لابس واقي/ وبتحضن كل الشجرات/ بتقول ع البواب الحارس/ وجنبك جيش بيهد مدارس/ واما بتقفش نفسك لابس دم.. تقول الكل ضحية".
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث