تجربة الأب الدي-جي ليست الأولى: أنظروا البترون قبل 50 عاماً!

ريان ناصرالجمعة 2026/01/16
Image-1768549367
المحامي فادي الهاشم لـ"المدن": قرار القاضية مرعشلي بعدم منع الحفلة كان صائباً وتجنب إدخال البلد في متاهة قانونية معقدة
حجم الخط
مشاركة عبر

استمرت حفلة الأب الدي- جي بادري غييرمي كما كان مخططاً لها في ناد على واجهة بيروت البحرية. غير أن هذا الفضاء الذي اعتاد احتضان حفلات جماهيرية حاشدة، وجد نفسه هذه المرة في قلب جدل متصاعد سبق إحياء الحفلة واستمر بعدها، مثيراً نقاشاً واسعاً حول الحدث وسياقه.

 

في اطلالته الأولى من نوعها في لبنان، قدّم الأب غييرمي حفلة غير مألوفة، سرعان ما أشعلت موجة واسعة من التفاعل والانقسام. ومع تجاوز الحجوزات كل التقديرات المتوقعة، تحول الحدث إلى قضية داخلية وصلت حتى القضاء والمحاكم، واضعاً الحفلة منذ الإعلان عنها في صلب سجال ديني واجتماعي مفتوح.

 

الأب/بادري غييرمي، كاهن كاثوليكي برتغالي برز اسمه عالمياً بصفته "الكاهن الدي جي" بعدما كان خياره خارجاً عن الأطر الكنسية التقليدية. اتخذ بادري غييرمي خيار توظيف موسيقى الكترونية تجمع بين التيكنو والايقاعات المعاصرة كشكل جديدً من التبشير. يحيي حفلاته بالزي الديني الكنسي ويمزج خطابات دينية كنسية بالموسيقى معتبراً أنها وسيلة تواصل مع فئة الشباب عبر تجربة فنية يرى فيها امتداداً لرسالته الروحية، لا نقيضا لها. من أبرز محطاته العرض الذي قدمه في يوم الشباب العالمي في لشبونة العام 2023، حيث قدم فقرة موسيقية قبيل قدّاس بابوي، في مشهد انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما شارك في حدث أقيم تحت أنظارتمثال المسيح المخلص في ريو دي جانيرو ضمن نشاطات شبابية ذات طابع ديني. إضافة إلى إحيائه عروضاً دولية في أماكن بارزة مثل كاتدرائية سانت اليزابيث في كوشيتسه بسلوفاكيا، حيث ظهر البابا ليو الرابع برسالة على الشاشة وسط الأجواء الموسيقية. وبعد إعلان تاريخ وصوله لإقامة حفلة في لبنان، أعاد إلى الواجهة التساؤل الأهم في هذه المسألة، عن حدود الدين والفن في المجتمعات، لا سيما المجتمع اللبناني.

 

الفن والدين: تصادم لبناني

يروى أنه، قبل أكثر من 55 عاماً، شهدت مدينة البترون تجربة ربما تشبه ما حصل مع الأب البرتغالي غييرمي. ففي أوائل السبعينات من القرن الماضي، أقيم قداس احتفالي في دير مار يوسف للآباء الكبوشيين، تولى خلاله الأب شارل سلهب إدارة الجوقة المؤلفة من الطلاب الاكليريكيين. في هذا القداس، أدخل الأب سلهب للمرة الأولى إلى الجوقة آلات موسيقية متعددة، بينها البيانو والأكورديون والدف والناي، ما أثار جدلاً واسعاً ووصل الخبر إلى البطريرك بولس المعوشي الذي رفض ما اعتبره تحويل القداس إلى حفلة وتحويل الكنيسة إلى صالة موسيقية.

 

لكن البطريرك المعوشي لم تكن له سلطة مباشرة على الرهبنة الكبوشية التي دافعت عن التجربة، موضحة أن الجوقة وآلاتها الموسيقية خلقت جواً روحانياً أسعد المشاركين، وتمنّت تعميم التجربة على باقي الكنائس. هو التاريخ يعيد نفسه وكأن النقاش القديم مستمر إلى اليوم. الحفلة التي أحياها بادري غييرمي في بيروت تذكر بأن العلاقة بين الفن والدين ما زالت موضوع جدل، وأن قدرة المؤسسات الدينية على التواصل مع الناس تتطلب التكيف مع لغة العصر وأدواته، لتبقى رسالتها ملموسة في الواقع المعاصر خصوصا مع فئة الشباب.

 

 

الحفلة الإهانة؟

هكذا عبّر الكاهن موريس الخوري عن استيائه، إبان حفلة غييرمي، معتبراً أنها لا تندرج في اطار حرية التعبير الفنية، بل إهانة لشخص السيد المسيح وانتهاك لتعاليم الكنيسة وتشويه لصورة الدين وطقوسه. طالب الكاهن موريس الخوري، الكنيسة، بوقف هذه الظاهرة، كما دعا الناس كمؤمنين حقيقيين إلى عدم المشاركة في الحفلة. وكان واحداً من 18 شخصاً قدّموا عريضة قانونية أمام القضاء اللبناني تدعو إلى حظر الحفلة باعتبارها تعدياً على الدور الديني وتشويهاً للرموز المقدسة.

 

يوضح المحامي فادي الهاشم لـ"المدن" أن قاضية الأمور المستعجلة أماني مرعشلي، لم توافق على التوصيف بأن هذا الفعل يشكل الجرم المذكور في هذه العريضة، واعتبرت أن شروط التدخل الاستعجالي لم تكن متوافرة، وأن حقيقة ما يجري لا يعتبر مخالفة للنظام والآداب العامة "ولا التشهير بالدين". وأوضح المحامي: "حتى لو قامت جهة دينية رسمية بالطلب، فان القانون لا يمنحها صفة أعلى تلقائياً، موضحاً أن الأمر ليس ببساطة "جهة دينية يساوي قبول الطلب". ورأى أن القاضية مرعشلي لم يكن بإمكانها النظر في القضية بشكل مختلف، مشيراً إلى أن الأب غييرمي كاهن يصلي مع بابا روما، ومن الصعب اعتبار حفلته مخالفة للنظام العام أو تشهيراً بالرموز الدينية. ورأى أن "قرار القاضية بعدم منع الحفلة كان صائباً وتجنب إدخال البلد في متاهة قانونية معقدة".

 

الحفلة التي تمت بحضور جماهيري لافت، لن تكون الأخيرة التي تحدث إشكاليات بين الفن عموماً والموسيقى خصوصاً، وبين محافظي المؤسسات الدينية في لبنان. لعل جوهر الإيمان ثابت في كينونته، لكن طرق التعبير عنه تتطور مع تغير العصور لتواكب الزمن. الجدل لا يعني بالضرورة إساءة، بل لعله يعكس تأثيراً حقيقياً واقبالاً واسعاً، ولعل التعبير الفني الصادق يكون... صلاة صادقة.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث