رغم محاولتها تصوير الأمر باعتباره نقداً للسياسات الأميركية، إلا أنه ليس سرّاً أن أفلام كاثرين بيغلو غارقة في الدعاية العسكرية الأميركية. فيلمها الجديد، "بيت الديناميت"، مزيد من الشيء نفسه، لكنها هذه المرّة تتهوّر أكثر بالنظر إلى الفترة التاريخية التي نجد أنفسنا فيها. المشكلة أنه حتى لو أردتْ تجاهل الجانب السياسي، فالفيلم لا يصلح كفيلم إثارة أيضاً.
الفكرة بسيطة للغاية: شخص ما يطلق صاروخاً نووياً باتجاه الولايات المتحدة، وأمام الإدارة الأميركية 19 دقيقة لاتخاذ إجراء. تروي بيغلو هذه الأزمة، في الوقت الفعلي مع تصاعد التوترات، عبر ثلاثة وجهات نظر، بما في ذلك وجهة نظر مسؤولة رفيعة المستوى (ريبيكا فيرغسون) ورئيس الولايات المتحدة (إدريس إلبا).
المنظور الأول يمثل بلا شكّ أقوى جوانب "بيت الديناميت". تُظهر بيغلو مهارتها التقنية عبر تنظيم ما يقرب من 40 دقيقة من التوتّر المتصاعد، وخلالها تسرق ريبيكا فيرغسون (ديون) العرض بأداءٍ هائل لضبط النفس العاطفي. ومضات صغيرة من الإنسانية تنبض بالحياة في هذا القسم، حيث يسألك الفيلم: ماذا ستفعل في هذا الموقف؟ كيف ستتفاعل؟ هل ستحذّر أحبّاءك؟ هل ستخبرهم بالحقيقة، أم تفضّل أن ينعموا بالسلام في لحظاتهم الأخيرة؟ ولكن مع اقتراب الذروة، يُعاد تشغيل الفيلم لإظهار الأحداث نفسها من منظورٍ مختلف. ولا يوجد أيّ منها يثير للاهتمام.
أحجية ثلاثية القطع لا طائل منها، حيث توفّر كل شخصية جديدة سياقاً لشيء نعرفه بالفعل. إنه الشيء القديم نفسه إلى حدّ كبير، يفتقر إلى الجوهر والمفاجآت أو تطوّر سردي آسر. هذه مشاهد مكتوبة بشكلٍ سيئ من قبل نواه أوبنهايم لم يتمكّن إخراج بيغلو من الارتقاء بها. ونتيجة لذلك، يتبدّد التوتّر بمعدّلٍ كارثي. أقلّه، هناك بعض الضحكات، بفضل المصير المفاجئ لشخصية جاريد هاريس.
وكمسمارٍ أخير في نعش الفيلم، لدينا الموسيقى التصويرية الصارخة لفولكر بيرتلمان، ناسخاً ولاصقاً الأوتار الرئيسة التي استخدمها في فيلم "كونكلاف" (2024، إدوارد بيرغر). هذا، بالإضافة إلى تشتّته المستمرّ الذي لا يؤكد إلا كسل بيغلو الإخراجي. لا يزال هناك نقص في أفلام الحرب الرئيسة من العصر الرقمي العسكري الحالي. قدمت بيغلو نفسها مساهمة مهمة في فيلمها الحائز جائزة أوسكار "خزانة الألم" (2008)، ومثل جميع أفلام الفنانة التشكيلية السابقة، يُعدّ "بيت الديناميت" اشتغال سمعي بصري أكثر منه وسيلة للتعبير عن موقف سياسي ملموس. اللافت كيف أنها ترتقي باللغة السينمائية الكلاسيكية والحديثة للمونتاج إلى مستوى أعلى من التكثيف. لكن تذكيرها بمخاطر الترسانات النووية في وقتٍ نادراً ما يُشكَّك فيه بالأسلحة التقليدية أمرٌ ذو بعد سياسي بحت.
تكمن الخطيئة الكبرى في لامسؤولية السرد. ففيلم "بيت الديناميت" لا يقتصر على جعل الولايات المتحدة ضحية دائماً، بل يتجرّأ أيضاً على الإيحاء بضرورة استثمار المزيد من الأموال في حماية تلك الدولة. يتمحور خطاب بيغلو وأوبنهايم حول أهمية استعداد الولايات المتحدة الدائم لأي هجوم محتمل. نحن نتحدّث عن أقوى دولة في العالم، وهي الشريك الرئيسي لإسرائيل في الإبادة الجماعية في غزة؛ وتنفّذ اعتقالات جماعية تعسّفية على أراضيها؛ وتقود تدمير البيئة؛ وتقصف الصيّادين في منطقة البحر الكاريبي؛ وتتدخّل باستمرار في سيادة دول الأخرى؛ وتراكمت لديها مئات المخازي الأخرى. أن يلاحظ شخص ما هذا في العام 2025، ويقرّر سرد قصّة هدفها الرئيس تحريض الجمهور الأميركي على الاعتقاد بأن بلادهم بحاجة إلى الاستثمار في المزيد من الحماية، أمرٌ مدهش.
تتجلّى المفارقة لدى مقارنة هذا الموقف بردّ فعل وزارة الدفاع الأميركية على "عدم دقّة الفيلم في تصوير قدرات الولايات المتحدة على صدّ الصواريخ الباليستية النووية"، رغم أن كليهما يستثمران في التكتيك ذاته: الحفاظ على حالة "التأهبّ" والاستعداد للحرب، التي يدمنها الأميركيون.
في "بيت الديناميت"، توضّح كاثرين بيغلو، مرّة أخرى، حدودها التقنية والسردية والإنسانية. هذا فيلم إثارة مختلّ وغير ضروري، تنزوي إنسانيته بسرعة وراء خدمة خطاب عسكري مقلق في جوهره.
