الناصرية التي فضّت الحبّ بين حنان الشيخ وإحسان عبد القدوس

محمد حجيريالخميس 2026/01/15
Image-1768470327
قال السادات لإحسان عبد القدوس: يجب أن تتوقف عن أكل التبولة
حجم الخط
مشاركة عبر

يوم ورد في رواية "تصطفل ميريل ستريب" لرشيد الضعيف، 2001، فقرة تقول: "عندما سمعت(البطلة) الكاتبة والروائية حنان الشيخ تروي علناً، على شاشة التلفزيون، قصة علاقتها الغرامية بإحسان عبد القدوس، كان عمرها أقل من عشرين عاماً وكان هو في الخامسة والأربعين أو نحو ذلك، متزوجاً فوق ذلك وعنده أولاد بينما هي عزباء، جنّ جنونها من الحماسة، ولم تعدْ تقوى على البقاء مستوية في كنبتها، فأوقعت كوباً من الشاي كان أمامها ولم تعره انتباهاً، فقامت ابنتها تمسح الأرض، وتلملم الزجاج المكسور، وهي ما زالت تستمتع بهذه القصة، مأخوذة متنقلة". يضيف: "يا ما أحلى أخبار صباح؟ فصباح على الأقل كانت تتزوج في آخر القصة، أما حنان الشيخ فإنها أحبّت لتحبّ!".


لم يعر أبناء جيلي هذا المقطع أي اهتمام، يوم قرأناه في الرواية، باعتبار أنها رواية ويمكن أن تحمل الكثير من السرد والتأويل. ورغم أن قصة الحبّ بين حنان وإحسان عُرفت بقوة في الستينات وصارت من الماضي، ولم تكتب تفاصيلها. لكن في العام 2023، قالت حنان الشيخ لجريدة "الشرق الأوسط" أنها، حين كانت في الـ18 من عمرها يوم قررت مغادرة بيت أهلها،" استأجرت يومها سكناً في بيروت، عند (الشابات المسيحيات)، كان هذا في منطقة عين المريسة، لأنني لا أريد أن أسمع كلمة (لا) من أحد. هذا السكن كان يأوي من يأتون قادمين من القرى، مقابل مبلغ بسيط. وسعيت لأن أعمل في الصحافة". 

 

يومها لم تشعر أنها ابتعدت بشكل كافٍ، فقررت الذهاب إلى القاهرة، وبقيت من العام 1963 وحتى صيف 1966، وبدلاً من إنهاء  دراستها الجامعية، كتبت روايتها "انتحار رجل ميت"، وأتت بها إلى لبنان لتصدرها. وفي حديث لمجلة "العربي" الكويتية تقول: "في سن الثامنة عشرة انتقلت إلى مصر لإكمال دراستي. كان ذلك في منتصف الستينيات، وهناك اتصلت بمجلة روزاليوسف وبدأت أنشر فيها الخواطر المختلفة. وقتها كتب إحسان عبدالقدوس عني وعن غيري من الشباب بقوله إن تيارًا بذائقة جديدة يتشكل في عالم الكتابة يكتب عن التدخين وعن المقاهي وغيرهما من موضوعات غير تقليدية، ومنحنا اسم "العصفور الأزرق". التسمية كناية عن ابتعادنا عن الأسلوب الواقعي في الكتابة، الأسلوب الذي كان يكتب به هو".

 

Image-1768470248
كتب إحسان عن حنان وغيرها من الشباب بقوله إن تيارًا بذائقة جديدة يتشكل في عالم الكتابة، يكتب عن التدخين وعن المقاهي وموضوعات غير تقليدية، ومنحهم اسم "العصفور الأزرق"

مرحلة مصر لم تمر عابرة. فقد ارتبطت حنان الشيخ بقصة حبّ مع إحسان عبد القدوس كما قلنا. تصف ذلك الحب فتقول: "كان حقيقياً، فيه الكثير من اللهفة، ودام ما يقارب السنتين ونصف السنة". وعُلم أنّ حنان الشيخ تكتب يوميات تلك العلاقة القديمة وقد تصدر في رواية. وفي كتابه الأخير "سياسات الميلودراما: الحياة السياسية والثقافية لإحسان عبد القدوس وجمال عبد الناصر"، يسرد الأكاديمي الأميركي جوناثان سمولين(تُرجم ملخصه إلى العربية) أن العلاقة بين حنان وإحسان لم تكن سرية؛ فقد اصطحبها معه إلى كل اللقاءات والمناسبات الاجتماعية، وكانت حنان قد ذهبت إلى مصر للدراسة وبتوصية من جورج الخوري رئيس تحرير مجلة "الشبكة". والصدف جعلتنا نطلع على مضمون نص نشرته حنان الشيخ العام 2024 بالإنكليزية، تروى فيه تفاصيل العلاقة بينها وبين الروائي المصري مطلع العام 1963: "في القاهرة، أخذت كل ما كتبته ونشرته، وتوجهت إلى روز اليوسف، حيث رافقني البواب إلى سكرتيرة إحسان التي أدخلتني إلى مكتبه الأنيق. بعد تبادل التحيات الأولية، اتفقنا على أن أكتب ما أشاء، شرط ألا أتقاضى أي مقابل مادي مقابل أي شيء يُنشر. وبمجرد أن غادرت مكتبه، شعرت أنني وقعت في حبه".


وكان الموعد واللقاء. تقول حنان "وقعنا في الحب من دون أن نكترث لفارق السن". و"اصطحبني في جولاتٍ في أرجاء القاهرة". وفي طريقه إلى لندن لشراء آلات طباعة حديثة لمجلة "روزاليوسف" صيف 1963، توقف في بيروت ليصحب حنان التي تقول: "التقيت بإحسان في لبنان، وسافرنا معًا من بيروت إلى روما ولندن وباريس... عدتُ إلى بيروت بعد ثلاثة أسابيع لأجد عاصفة من الأخبار في الصحف والمجلات المحلية، تتحدث عن زواج إحسان عبد القدوس من فتاة لبنانية تُدعى حنان الشيخ"، و"عندما وصلتُ إلى مطار بيروت، نزلتُ من سيارة الأجرة، وأخذتُ حقيبتي، وصعدتُ بها درج منزلنا. سمعتُ ضجيج الجيران وهم ينادون: حنان عادت! حنان عادت! ما إن دخلتُ المنزل حتى انقلب كل شيء رأسًا على عقب. صرخ أخي بصوتٍ مُنهك، وكأنه يضربني بسوط: نعرف كل شيء. نعرف أنكِ سافرتِ مع إحسان عبد القدوس. أخبرينا ما حدث! وقال أبي، متظاهرًا بأنه سمع الخبر للتو: "ماذا؟ ابنتي حنان الذكية كانت تخدعنا هكذا؟" ثم قال أخي: "لنذهب ونرى مدى ذكائها عندما نأخذها إلى طبيبة النساء لإجراء فحص العذرية". تضيف "لقد أصبح حرصي على حماية إحسان لا يُطاق. وسرعان ما وجدت نفسي أطلب منهما كشف سرٍّ، سرٍّ يجب أن يبقى بيننا وإلا سأُزجّ في السجن. أخبرتهما أنني سافرت بالفعل إلى أوروبا للقاء إحسان وإحضار آلاف الجنيهات التي كنت أهرّبها له من القاهرة". وكان القرار بمنعها من العودة إلى القاهرة، و"وجدتُ نفسي مصممةً على الهرب والعودة إلى القاهرة"، و"نجحت حيلتي في النهاية، خصوصاً عندما لم أغادر الحمام ليومين متتاليين متظاهرةً بالتقيؤ والهلوسة".

 

في القاهرة عندما بدأ عبد القدوس يكتب رواية "أنف وثلاث عيون"، بدأت الأمور تتغير. كان يشعر بالعزلة وخيبة الأمل آنذاك، وكان القلق يسيطر عليه بشأن أمور في حياته وعمله. عانى في صمت. تقول حنان "لم يعد يتصل بي يومياً كما كان يفعل. بدأ يطلب مني مقابلته في شقته أثناء كتابته للرواية، بينما كان في السابق يصر على أن نخرج معاً كل يوم تقريباً إلى المطاعم والفنادق حيث كنا نرقص التانغو ونشاهد أشهر راقصات شرقيات مصريات".


لم يكن إحسان يعلم أنه مراقب وخطابات حنان له تُفتح، حتى عرف ذلك، وفي هذا الوقت طلب أنور السادات أن يقابله ويمشيا سويًا على النيل، وقال له السادات في الطريق يجب أن تتوقف عن أكل التبولة، وفهم إحسان المطلوب وغضب بشدّة وقال لنفسه: لقد تدخل ناصر في حياتي المهنية ومنع مقالاتي وغيّر كتاباتي وحتى تدخل في رواياتي ووضعني في السجن والآن يريد أن يتدخل في حياتي الخاصة.

 

تسرد حنان: "عندما سمعت من جوناثان سمولين يقول أن رواية أنف وثلاث عيون، أثارت أزمة في الأوساط الرسمية، بل وحتى مع الرئيس جمال عبد الناصر شخصيًا، شعرتُ بالدهشة. انتابني شعور بالحزن والحيرة لأن إحسان لم يخبرني قط عن كل هذه التطورات. هل كان ذلك لأني لم أقرأ الصحف والمجلات، واكتفيت بالعيش في عزلة القاهرة؟ لُمتُ نفسي لأني لم أنتبه لما كان يُمارس ضد إحسان! والآن أتساءل بعد أكثر من نصف قرن، هل أراد إحسان حمايتي وفضل ألا أشارك في عبء همومه ويضع مشاكله على عاتقي وأنا صغيرة في ذلك الوقت؟ أتساءل، هل هذا هو السبب الذي جعله يخفي عني الاضطرابات التي كانت تدور حول أنف وثلاث عيون؟".

 

وخلال العام 1965 أصيب عبد القدوس بانهيار نفسي وكتب رسالة إلى طه حسين العام 1966 قال فيها: "وجدت نفسي أحارب معركة نفسية عنيفة أبعدتني عن الجميع وكل من أعرف وكل من أحب، واكتشفت أنني ضعيف جدًا، وخلال العامين الماضيين كان عذابي أليمًا ولم أستطع كتابة شيء"، وتوقفت العلاقة بينه وبين حنان. وقال إنه كان يحلم بالثورة وعمل معها بكل إخلاص، لكن السطوة والدكتاتورية لا تتحمل الأحرار.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث