كيف تشكّلت الثقافة الكردية في سوريا في ظلّ المنع والشكّ والتأجيل، ومن أين استمدّت قدرتها على البقاء؟ كيف يمكن لثقافة أن تبقى حيّة عقوداً طويلة خارج المدارس، وخارج المؤسسات، وخارج الاعتراف الرسمي، ثم تستمرّ في إنتاج الأدب والموسيقى والفنّ؟ كيف أثّر العيش في الظلّ، في شكل الكتابة، وفي علاقة الكاتب بذاته ولغته ومكانه؟ وأيّ ثقافة هذه التي وُلدت شفاهية، فأنجبت موسيقى كثيفة، وفنوناً تشكيلية متقدّمة، وأدباً مشغولاً بالذاكرة، رغم القمع والتهميش؟ ثمّ ماذا يعني اليوم أن نعيد طرح سؤال الثقافة الكردية في سوريا بعد كلّ هذا التاريخ من الإقصاء، وفي لحظة مفتوحة على الاحتمال والمخاطرة معاً؟
لم تتكوّن الثقافة الكردية في سوريا عبر مسار هادئ يسمح بالتراكم الطبيعي، ولا ضمن بيئة مؤسسية توفّر لها شروط النمو والاستمرارية. نشأت في فضاء مضغوط، محكوم بالمنع، وبالشكّ، وبالتأجيل الطويل. تشكّلت على هامش الاعتراف، وتحت ضغط سياسات سعت إلى تقليص حضورها، أو دفعها نحو العتمة، أو التعامل معها كأمر عابر لا يستحقّ التدوين. ومع ذلك، استمرّ هذا الحضور عبر تراكم بطيء، وعنيد كعناد الكرديّ نفسه، اعتمد على الذاكرة كمكتبة حيّة أكثر ممّا اعتمد على الأرشيف، وعلى الحياة اليومية أكثر ممّا وثق بالمؤسسة.
بعد تبلور سوريا كدولة بمفهومها الراهن، وبعد سنوات من حكم الأسد وفكر "البعث"، وُضعت الثقافة الكردية في سوريا خارج المجال العام. ظلّت اللغة مُبعدة من المدرسة، والتمثيل الثقافي محكوماً بسقوف صارمة. هذا الواقع أنتج ثقافة تعلّمت العيش خارج الضوء، وبناء أدواتها في مناطق جانبية. الحكاية، الأغنية، الطقس الاجتماعي، تفاصيل العيش اليومي، تحوّلت إلى حوامل أساسية للمعنى. هكذا نشأت أجيال كاملة وهي تتلقّى ثقافتها عبر السماع والممارسة، لا عبر التعليم المنهجي، وتختبر انتماءها عبر التجربة، بمعزل عن الاعتراف الرسمي.
اللغة الكردية كانت في قلب هذا المسار. بقيت لغة بيت، ولغة ذاكرة، ولغة علاقة أولى بالعالم. هذا الإقصاء ترك أثراً جليّاً في الوعي الفرديّ والجمعيّ. تشكّل وعي لغويّ مزدوج لدى كثيرين؛ لغة داخلية مشحونة بالعاطفة والحميمية، ولغة عامة مفروضة في الفضاء الخارجي. هذا الانقسام تحوّل مع الزمن إلى بنية تفكير، وإلى طريقة خاصة في رؤية الذات والعالم.
في هذا السياق، يبرز توصيف الروائيّ جان دوست للأدب الكرديّ بأنّه أدب الظلّ، و"معجزة كردية" في الإبداع؛ أدب يكتب نفسه بصمت، ويتقدّم من دون ضجيج، ويؤسّس تقاليده بعيداً من المراكز. هذا الأدب يحمل مفارقة لافتة، حيث كتّاب ينجزون روايات وكتباً عالية الحساسية بلغتهم الأم، رغم أنّ هذه اللغة لم تمرّ عبر تعليم أكاديمي ممنهج، ولم تُدرّس في المدارس والجامعات، ولم تُصقل عبر مؤسّسات مستقرّة.
هذا الواقع اللغويّ ترك أثره كذلك في الكتابة بالعربية. كثير من الكتّاب الكرد السوريين (عددهم أكثر من أن يُحصَى) كتبوا بالعربية، أحياناً عن قناعة، وأحياناً عن ضرورة. الكاتب يدخل لغة أخرى وهو يحمل ظلال لغته الأولى، إيقاعها، انكساراتها، صمتها. النص الناتج عن هذا العبور اللغوي يحمل أثر الفقد، وأثر الترجمة المؤجلة، وأثر التردّد بين لغتين لكلّ واحدة منهما تاريخ مختلف في الوعي.
إلى جانب اللغة، هناك غياب المؤسسة الثقافية. الثقافة الكردية في سوريا تطوّرت في ظلّ التقييد والقمع والمنع والإقصاء، من دون بُنية نشر مستقرة، ومن دون دوريات متخصصة قادرة على الاستمرار، ومن دون فضاء نقدي يسمح بالتراكم. واقع دفع كثيراً من المثقفين إلى المنفى، حيث توافرت مساحة أوسع للتعبير، مع أثمان جديدة تتعلّق بالقطيعة مع القارئ المحلي، والتشتت الجغرافي، والعمل ضمن ظروف نشر مختلفة الشروط.
كان الترحيب بالكاتب الكردي مشروطاً في كثير من الأحيان بتخلّيه الضمني عن تمثيله الثقافي الحقيقي. كان مقبولاً أن يندرج ضمن خانة "الكاتب العربي"، وأن يُقرأ داخل هذا الإطار العام، شرط ألّا يقدّم نفسه ككردي سوري، أو كسوري كرديّ يحمل ثقافته الكردية الخاصّة. هذا الشرط غير المعلن شكّل إحدى علل الشوفينية الخطيرة التي سادت، وما زالت آثارها سارية، في البُنية الثقافية العربية السورية. وقد نشأ جيل كامل من المثقفين، نراهم الآن يعتلون المنصّات والمنابر هنا وهناك، في ظل خطاب قام على إلغاء الكردي من المخيال الوطني، أو النظر إلى ثقافته من موقع دونيّ، أو تجاهلها كلياً، وكأنها فائض هامشيّ لا ينتمي إلى تكوين البلد. ضمن هذا المناخ، وجد الكاتب الكردي نفسه أمام خيار قاسٍ يتمثّل في الاندماج المشروط، أو البقاء خارج الضوء، مع ما يحمله ذلك من عزلة وتأجيل وحرمان من الاعتراف.
في المنفى، اكتسبت الكتابة إمكانات إضافية، لكنها فقدت في الوقت ذاته جزءاً من سياقها المباشر. الكتاب يعود إلى الداخل متأخّراً، أو لا يعود. النقاش يتأجّل، والحوار ينقطع، والتأثير يصبح بطيئاً. ومع ذلك، ظلّت هذه الكتابة تحمل أثر المكان الأوّل، وظلال اللغة الأولى، وأسئلة الهوية التي لم تُحسم بعد، ويبدو أنّها لن تُحسم في وقت قريب.
في لحظة معيّنة من التاريخ السوري الحديث، بعد 2011، أتيحت للكُرد سنوات حظوا فيها بإدارة ذاتية كردية في شمال شرقي البلاد. هذه المرحلة فتحت، للمرة الأولى، مساحة محدودة أمام اللغة والثقافة. ورغم التحفّظات السياسيّة والحزبية، ظهرت مبادرات تعليمية، وفعاليات ثقافية، وتجارب نشر، ومحاولات لإعادة الاعتبار للغة والتاريخ المحليين. هذا التحوّل أسهم في كسر ركود طويل، ومنح الثقافة دفعة ملموسة على مستوى الحضور والثقة، وأعاد إلى السطح أسئلة كانت مؤجّلة منذ عقود.
غير أنّ أثر هذه المرحلة ظلّ محصوراً داخل منطقة جغرافية ضيّقة، محاطة بالعداوات، والصراعات، ومحاولات الإقصاء والعزل. الحصار، بمعناه الماديّ والرمزيّ، حال دون تحوّل هذه التجربة إلى مسار ثقافي مفتوح قادر على التفاعل الحرّ مع المحيط السوري والعربي الأوسع. بقيت الثقافة تتحرّك ضمن شروط أمنية وسياسية ضاغطة، تتقدّم بخطوات محسوبة، وتعود في كلّ مرة إلى مواجهة مناخ عدم الاستقرار. هكذا ظلّ تأثير الإدارة الذاتية قائماً ومهمّاً، لكنه ظلّ معلّقاً داخل فضاء محاصر، عاجز عن التحوّل إلى تجربة ثقافية مستدامة ذات أفق واسع.
غياب المؤسسة، سواء قبل هذه المرحلة أو خلالها، خلق ظاهرة تعدّد الأدوار. الكاتب يتحوّل إلى صحافي وناشر، والمثقف إلى صحافي ومنظّم فعاليات ووسيط ثقافي. هذا التداخل يعكس حيوية واضحة، ويكشف حجم الفراغ في الوقت ذاته. الاستمرار هنا فعل مقاومة يوميّ، لكنه مرهق، ويهدّد المشاريع بالانقطاع مع مرور الزمن.
إشكالية أخرى رافقت الثقافة الكردية في سوريا تتمثّل في اختزالها بين الفولكلور والسياسة. في مسار، تُقدَّم الثقافة عبر الرقص، واللباس، والأغنية، في صورة احتفالية جامدة. في مسار آخر، تُحمَّل النصوص أعباء تمثيلية ثقيلة، وتُقرأ وفق معيار الموقف لا وفق معيار القيمة الفنية. بين هذين المسارين، تضيق مساحة الكتابة الحرّة، وتتآكل المغامرة الجمالية.
لكن الطابع الشفاهي الذي طبع الثقافة الكردية زمناً طويلاً لم يكن أثره سلبياً على نحو مطلق. على العكس، أسهم هذا المسار في تعزيز الثقافة الموسيقية على نحو لافت. حين ضاقت مساحة الكتابة والتدوين، تقدّمت الموسيقى والأغنية إلى الواجهة، وصارتا حاملتين أساسيتين للذاكرة والمعنى. الأغنية الكردية أدّت دور الأرشيف، وحملت التاريخ، والحزن، والفرح، والحكاية، والسرد الجمعي، وانتقلت من جيل إلى جيل باعتبارها شكلاً من أشكال المعرفة الحيّة. هذا الاعتماد على الشفاهة منح الموسيقى مكانة مركزية في الوجدان الكرديّ، وجعلها أكثر تطوراً وانتشاراً مقارنة بأجناس ثقافية أخرى عانت من المنع والتضييق.
وعلى مستوى الفنون التشكيلية، تبرز مفارقة مميّزة لا تقلّ دلالة عن التجربة الأدبية والموسيقية. الفنّانون التشكيليون الكُرد، على اختلاف أجيالهم، ومنهم مثلاً: عمر حمدي، بشار العيسى، بهرام حاجو، خضر عبد الكريم... وغيرهم، تصدّروا ويتصدّرون المشهد الفني في سوريا وخارجها، رغم انعدام الدعم المؤسسي، وغياب الرعاية، وشحّ المنصّات المحلية القادرة على الاحتضان. هذا الحضور جاء نتيجة عمل فرديّ شاق، وإصرار طويل على شقّ الطريق في بيئات غير مواتية. اللوحة التشكيلية تحوّلت إلى مساحة حرّة نسبياً، أقل خضوعاً للرقابة المباشرة، وأكثر قدرة على تمرير الأسئلة والهواجس والذاكرة بصيغ بصرية. كثير من الفنانين وجدوا في التشكيل لغة بديلة، قادرة على التعبير عمّا ضاق عنه القول المكتوب، وعلى بناء حضور عالمي انطلق من المعارض الفردية والمشاركات الدولية، وليس من المؤسسات المحلية. هكذا فرض الفن التشكيلي الكردي نفسه عبر الجودة والاشتغال العميق والهمّ التاريخيّ، وأثبت قدرة لافتة على التقدّم في غياب أي شبكة أمان ثقافية حقيقية.
المثقف الكرديّ السوري عاش طويلاً تحت شرط الشكّ؛ شكّ السلطة، وشكّ المحيط، وشكّ الذات أحياناً. هذا الوضع خلق وعياً حادّاً، لكنه استنزف طاقة كبيرة. وعلى امتداد هذه التجربة، ظلّ عشرات، وربما أكثر، من المثقفين والأدباء الكرد في سوريا وخارجها عالقين على الهامش المؤسّساتيّ العربي. حضورهم الإبداعيّ كان قائماً، ونصوصهم متداولة، وأسماؤهم معروفة في دوائر القراءة والنقد، غير أنّ الانتماء الكرديّ ظلّ عائقاً صامتاً أمام اندماجهم المفترض في البنية الثقافية العربية السائدة.
اليوم، تقف الثقافة الكردية في سوريا أمام لحظة مفصلية. تفكُّك الأطر القديمة، وتبدُّل الخرائط، وظهور مساحات تعبير جديدة، يفتح إمكانات لإعادة التفكير في الأسس، في اللغة، في التعليم، في النشر، في العلاقة مع الفضاء الثقافي الأوسع. هذه الإمكانات تحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد. الفرصة تكمن في الخروج من دائرة الظلّ، والمخاطر تتجسّد في إعادة إنتاج الاختزال أو الوقوع في وصاية جديدة.
ما تحتاجه هذه الثقافة اليوم هو مساحة نقدية مستقلة، وحقّ الاختلاف الداخلي، وقدرة على مراجعة الذات بلا خوف. تحتاج إلى مؤسّسات تحمي النصّ من التوظيف، وإلى تعليم يفتح اللغة على المستقبل، وإلى نقد يتعامل مع الأعمال وفق قيمتها الفنية. ومن دون ذلك، سيبقى الأدب محكوماً بالدوران في المنطقة نفسها.
هذا المسار طويل ومعقّد، لكنّه المسار الوحيد القادر على حماية التجربة من التآكل، ومن الاستهلاك، ومن الذوبان. ويقيناً، أنّ الثقافة التي نجت من المنع قادرة على مواجهة الحرّية، إذا امتلكت الأدوات، والمساحة، والشجاعة النقدية... وأنّه هنا، في هذه المنطقة التي كُتبت طويلاً خارج الضوء، تشكّلت نصوص تستحقّ أن تكون في الصدارة، لا في الظلّ.
