بعد حلقة أولى عن فكرة تأريخ الثورة السورية، وكانت بعنوان "من يكتب الحكاية السورية؟"، هنا الحلقة الثانية والأخيرة.
عادةً ما تُروى حكايات الثورات من زاوية سياسية: بيانات، قيادات، معارك، مسارات تفاوض. لكن الثورة السورية، منذ آذار 2011، أفرزت مساراً موازياً لا يقل أهمية: مساراً ثقافياً تشكّل في الشارع قبل المؤتمرات، وفي الساحات قبل القاعات، ومع الهاتف المحمول قبل الكاميرات الاحترافية. هناك، وُلدت لغة جديدة، وتحوّلت الفنون إلى أدوات تعبير وبقاء، وتشكلت مخيّلة جمعية خارج القوالب الموروثة.
التحوّل الثقافي لم يكن أثراً جانبياً للصراع، بل أحد محركاته الداخلية. فخروج السوريين من صمت طويل لم يتجسد سياسياً فقط، بل لغوياً وجسدياً وبصرياً. تغيّر الكلام حين صار الهتاف فعلاً يومياً، واستعاد الجسد حضوره في الفضاء العام، وعادت كلمة "حرية" إلى التداول لا بوصفها مفهوماً نظرياً، بل حاجة معيشة.
ولادة لغة جديدة(*)
لغة الثورة لم تكن تكراراً لشعارات سياسية جاهزة، بل انفجاراً لغوياً. الجملة القصيرة المكتوبة على كرتونة في كفرنبل، أو المرفوعة في مظاهرة في الزبداني، كانت تختصر تجربة كاملة. تغيّرت الكلمات: صار للحي اسم جديد، وللشهيد لقب، وللحاجز خوفه الخاص. تحوّل فيسبوك إلى دفتر يوميات مفتوح، والهاتف الخليوي إلى أداة كتابة وتسجيل في آن.
الكتابة على الجدران، من درعا إلى حمص ودوما وسراقب، لم تكن تزييناً للفضاء، بل إعلان ولادة حس نقدي. كل جدار صحيفة، وكل شارع لوحة. حتى الشتائم خرجت من وظيفتها اليومية لتأخذ معنى سياسياً. هكذا تشكّل معجم جديد للسوريين، ما زال كثير منه بلا توثيق.
الغرافيتي والرسوم والملصقات صنعت ذاكرة بصرية موازية للأحداث. جدار واحد في مدينة محاصَرة كان قادراً على قول ما لا تقوله عشرات التقارير. كثير من هذه الأعمال اختفى بفعل القصف أو إعادة الطلاء، لكن أثره بقي في الصور والذاكرة. توثيق هذا الجانب ليس ترفاً، بل ضرورة لفهم كيف رأت الثورة نفسها. في الحصار، حين كانت الكهرباء نادرة، والرسم يتم بالفحم أو الطلاء الرخيص، كان الفعل الفني بحد ذاته إعلان وجود. لم يكن الفن ترفاً، بل وسيلة مقاومة رمزية: أن تترك أثراً قبل أن تختفي.
كما غيّرت الثورة علاقة السوريين بالكاميرا. فبعدما كان تصوير رجل أمن مستحيلاً، صار الهاتف موجهاً نحو السلطة. آلاف الفيديوهات القصيرة قدمها المواطنون الصحفيون صنعت شكلاً جديداً من الوثائقي: كاميرا مهتزّة، صوت مقطوع، لكن شهادة مباشرة. هذه المواد تشكّل اليوم أرشيفاً ثقافياً بالغ الأهمية، يحتاج تصنيفاً وقراءة، لا مجرد حفظ.
إلى جانب ذلك، ظهرت محاولات مسرحية وسينمائية صغيرة: عروض في الأقبية، نصوص مرتجلة، قراءات شعرية على ضوء شمعة. هشاشتها التقنية كانت جزءاً من معناها: ثقافة تُنتج تحت التهديد. وكذلك فإن الأغنية الثورية لم تُنتج فقط في الاستوديوهات، بل في الشوارع والمدارس والبلدات الصغيرة. ألحان بسيطة جمعت الناس أكثر من أي خطاب سياسي. ومع تطور الحدث، تغيّر المزاج الموسيقي: من نشيد جماعي إلى مراثٍ طويلة. تتبع هذا التحول جزء أساسي من كتابة التاريخ الثقافي: كيف تغيّر الصوت مع تغيّر الزمن؟
جيل كتب التجربة
بعد سنوات من اندلاع الثورة السورية، لم تتكوّن كتابة واحدة متجانسة يمكن تسميتها "أدب الثورة"، بل ظهرت فسيفساء واسعة من النصوص التي كتبها أشخاص عاشوا الحدث مباشرة. يوميات، منشورات طويلة على فيسبوك، رسائل من الحصار، مذكرات معتقلين، محاولات سردية عن النزوح والمنفى. هذه النصوص لم تولد في فراغ ثقافي، ولا في ظروف تسمح بالتأمل البارد، بل كُتبت غالباً تحت ضغط الخوف، الاستعجال، الفقدان، والرغبة في عدم ضياع التجربة. كثير من هذه الكتابات التي تابعناها هنا في صحيفة "المدن"، لا يحقق شروط الرواية أو القصة القصيرة كما استقرت في التقاليد الأدبية، لا من حيث البناء ولا من حيث اللغة أو التحكم بالزمن. لكن السؤال الذي تطرحه الثورة على القراءة النقدية ليس سؤال الجودة الفنية فقط، بل سؤال الوظيفة: ما الذي تقوم به هذه النصوص؟ ولماذا كُتبت بهذا الشكل؟
هذه الكتابات تؤدي أولاً وظيفة الشهادة التوثيقية. هي محاولة لتثبيت ما حدث قبل أن يُمحى أو يُعاد تأويله. الكاتب هنا لا يقف خارج التجربة، بل في قلبها، وغالباً يكتب وهو لا يعرف إن كان سيبقى حياً، أو إن كان المكان الذي يصفه سيبقى قائماً. لذلك تأتي اللغة أحياناً مباشرة، مشحونة، متكسّرة، وغير معنية دائماً بالاقتصاد الجمالي، بقدر ما هي معنية بالنجاة وبالقول.
لكن هذه النصوص لا تقف عند حدود التوثيق الخام. فهي، من حيث لا تقصد، تكشف تحولات عميقة في الوعي واللغة والعلاقة مع الزمن. يظهر فيها تفتت التسلسل الزمني، تداخل الماضي بالحاضر، هيمنة التفاصيل الصغيرة على الحدث الكبير، وتحوّل الجسد المتعب، الجائع، المعذّب، إلى مركز السرد. هذه السمات ليست عيوباً تقنية فقط، بل آثار مباشرة لتجربة عنيفة تُفرض على الكتابة نفسها. من هنا، يمكن وضع هذه النصوص في تقاطع واضح بين التاريخ الشعبي والتاريخ الثقافي. فهي من جهة تنتمي إلى سرد الناس العاديين لتجربتهم، بلا وساطة مؤسساتية أو خطاب رسمي. ومن جهة أخرى، تكشف كيف عبّر السوريون ثقافياً عن الثورة: كيف تغيّرت مفرداتهم، كيف أعادوا تعريف مفاهيم مثل الخوف، البطولة، الشهادة، الخسارة، والمنفى.
القراءة النقدية لهذه الكتابات تطرح أيضاً تحديات حقيقية. فالتعامل معها كنصوص أدبية خالصة قد يؤدي إلى التقليل من قيمتها، بينما التعامل معها كشهادات مقدسة يمنع مساءلتها وتحليلها. المطلوب مقاربة مزدوجة: الاعتراف بحدودها الفنية، من دون نفي أهميتها المعرفية، وقراءتها بوصفها مادة خام غنية لفهم التجربة الجمعية. كما أن هذه النصوص تفتح سؤالاً أخلاقياً حول من يملك حق الكتابة عن الثورة. فهي تكسر احتكار النخب الثقافية للسرد، وتُدخل أصواتاً لم تكن حاضرة في الأدب السوري سابقاً، سواء من حيث الخلفيات الاجتماعية أو اللغوية. هذه الكتابة غير المتجانسة تعكس بدورها لا تجانس الثورة نفسها.
بهذا المعنى، لا تمثل هذه الكتابات مرحلة مكتملة، بل لحظة تأسيس. هي النص الأولي الذي سيعود إليه لاحقاً الروائي، والمؤرخ، والباحث في الثقافة، وصانع الفيلم. ومن دون جمع هذه الشهادات وقراءتها ضمن إطار نقدي مفتوح، يبقى التاريخ الثقافي للثورة ناقصاً، ومبتوراً من تجربته اليومية.
ليست المسألة إذن في الدفاع عن هذه النصوص أو تبرير ضعفها، بل في فهم موقعها. فهي ليست بديلاً عن الأدب، ولا نقيضاً له، بل شرط من شروط إمكانه. كتابة خرجت من تحت الركام، وتحاول أن تقول: كنا هنا، وعشنا هذا كله، قبل أن تتحول الثورة إلى ملف أو رواية مكتوبة بيد الآخرين.
نحو مشروع جامع
كتابة التاريخ الثقافي للثورة السورية لا تعني استبدال التاريخ السياسي، بل توسيع زاويته. السوريون الآن، بحاجة إلى مشروع متعدد الطبقات: أرشيف شعبي للشهادات، أرشيف ثقافي للفنون، وأرشيف كتابي لنصوص الجيل الأول. حين تُقرأ هذه المواد معاً، يظهر ما غاب طويلاً: الثورة بوصفها تجربة إنسانية كاملة. ومن دون هذا الجهد، ستبقى "الحكاية السورية" ناقصة، أو مكتوبة بالنيابة. أما كتابتها من الداخل، بثقافتها ولغتها وأصواتها، فليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً لفهم ما جرى، ولماذا جرى، وكيف عاشه الناس.
(*) من المهم جداً التذكير بتجربة توثيق مهمة قدمها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، عبر مجلد ضخم حمل عنوان "ألوان زمن الثورة" في العام 2015، إعداد: فادي فواز حداد؛ إخراج فني: فراس محمد علي صالح.
