تُفاجئ ماريا الدويهي في "القرنة البيضا". يحيى جابر مُبدع، وكل مسرحية يتجاوز فيها نفسه. أما ماريا، لمَن لم يشاهدها سابقاً على المسرح، فهي ممثلة تقطع الأنفاس، أستاذة تمثيل عن حق. صعدت إلى البطولة من القمة، بصوتها العذب عندما تغنّي، وحضورها الطاغي القوي. اختار لها يحيى أن تطلّ من وراء جبال الشمال العالية مع بدء الخليقة، من إهدن، "عدن-الجنة" كما جاء في أساطير الكتب القديمة ومعتقدات أهلها.
من هناك تنطلق "القرنة البيضا" في سرد معاناة حوّاء وبناتها وحفيداتها، متوقفة عند الخمسينيات. وما أدراك ما خمسينيات زغرتا! خيال هائل نفذ به يحيى إلى عمق النساء الداخلي في تلك البقعة الساحرة والمجنونة في عصر مضى. رواية جيل تلو جيل، حاكها ببراعة أمسكت المسرحية من أولها إلى آخرها. لقاؤه وماريا، ملكة أدوار النساء المتعاقبات على الخشبة، يُحدث دوياً في المدينة، فلا يخرج بعده المشاهد كما دخل.
وهذا مديح لكنه مستحق: مُذهلة ماريا الدويهي. وحدها على المسرح وقد ملأته لساعة ونصف الساعة. فراشة تتقلب بحرفة وقدرة تمثيلية كبيرة، تنقل المَشاهد والجو بلمح البصر بلكنتها الزغرتاوية الأصيلة. هي الأم المكلومة، والابنة المظلومة، والأخت المفجوعة طالبة الثأر. وهي الشابة التائقة إلى عريس ثم إلى ولد، تتضرع على الدوام للعذراء وتنذر للقديسين كعموم أهالي زغرتا. وهي ابنة جبران خليل جبران المتخيّلة، تلاقي في "القرنة البيضا" (فوق القرنة السوداء) رجلاً لا كرجال بلدتها، هرب من نداء الثأر وعشقها حتى شغلت قصة حبهما الجيران وأثارت غيرة نساء "الفرن"، لتنتهي بدم وعويل. وهي المصلوبة بين سلطة الأب وسلطة الزوج في المجتمع الذكوري المتعصّب للزعماء والسريع إلى إطلاق النار في الزمن القديم، حتى صارت في الأذهان لزمن طويل جزيرة "صقلية" في لبنان، وحيث لا تنجو حتى شاشة السينما من الرصاص، عندما تعرض فيلماً بالغ فيه الجنود الرومان في تعذيب السيد المسيح.
أدوات ماريا، "شال" يشغلها؛ يصير بين يديها غطاء رأس، ومنديل وداع، ورأس دبكة، ولبادة بيك، وحبل "جون واين"، وراية حزن ووجع. وأنفٌ لمهرج يتحوّل رصاصة في الهواء تبحث عن قتيل معروف مُسبقاً، يُذكّر بـ"سنتياغو نصّار" في رواية "قصة موت مُعلن" لغابرييل غارثيا ماركيز.
ويعرف يحيى جابر كيف يقطف بثلاث كلمات، زهرة هاجس خفيّ عند الجماعة، حين تردّد ماريا بصوت خفيض، كأنها تحاكي نفسها، لازمة شديدة الإيحاء: "بس ما بيحبونا". جُملة تعبّر عن تناقض شعوريّ لدى الإهدني الزغرتاوي. فهو المضياف والمنفتح على البيئة المحيطة به، لكنه لأسباب تاريخية وسياسية ينظر بعين القلق كيفما التفت حوله، من بشرّي إلى الكورة وطرابلس والضنية.
"ما بيحبّونا" تقول ماريا. يعني "الحق عليهم"، ونحن أكبر مدينة مارونية في العالم، نغيث الفقير والجائع وأرضنا أرض قداسة، ونعترف عشر مرّات في اليوم حتى انهار الكاهن وترجّى البطريرك أن ينقله ويخلصه من رعية تأبى الاكتفاء بتطويب البطريرك "القديس" إسطفان الدويهي، بل تطالب بتقديس أحد قادتها السياسيين التاريخيين، يوسف بيك كرم، مراعاة لتوازن داخلي ومزيد من الاعتراف الفاتيكاني، خصوصاً بعدما شاءت المصادفات أن ينتقل أجداد شربل مخلوف (الذي أصبح قديساً) من قضاء زغرتا إلى قضاء بشرّي.
هكذا، بكلمة واحدة، يُغني عن بيان. يحيى كاتب مسرح ومخرج "خالق"، يُتابع شغله وما صنعت يداه. يعرف كيف يستخرج الجوهرة من عمق حكايات المجتمع الذي يريد عرضه في مرايا مسرحياته القائمة على ممثل واحد (المونودراما). هكذا فعل سابقاً مع أنجو ريحان وأحوال نساء الجنوب في "مجدرا" و"حمرا" و"شو منلبس"، ومع عباس جعفر في "هيكالو"، و"مورفين" مع الراحلة سوسن شوربا، ونتالي نعوم في "من كفرشيما للمدفون"، وقبلها "بيروت الطريق الجديدة" و"بيروت فوق الشجرة" مع زياد عيتاني. كل هذا بعد تدشين مسيرته المسرحية في "ابتسم أنتَ لبناني" مع أحمد الزين وفداء نون العام 1995.
شجاع يحيى. كنت تخاف عليه من حكم أهالي بعلبك على "هيكالو" وجماعة حزب الله على "شو منلبس"، لكنها مرت بسلام. ومن حكم أهالي إهدن-زغرتا على المسرحي الآتي من الجنوب ليسكن بينهم ويعرض أحوالهم على الخشبة... وأيضاً مرّت بسلام. سرّ مسرحه يكمن في أنه لا ينتقد ولا يعظ من فوق على طريقة المسرح السياسي الملتزم الذي قد يجرح، بل يعرض الواقع والأحداث كما هي، تاركاً للناس أن يتفكروا في أحوالهم. مسرحه إنساني شفاف، متعاطف مع آلام الجماعات اللبنانية، يدخلها من الأبواب الخلفية للنساء، كائنات البوح والرقة.
وماريا الدويهي، ابنة جبّور الدويهي، تحمل عينيه ووجهه... كان سيفخر بها حتماً.
