لا أعلم ما الذي جعلني أفكر أن شخصية "الغريب" في رواية ألبير كامو (1913- 1960) الشهيرة والمنشورة في العام 1942، وفي فيلم المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون الذي يُعرض منذ أسبوعين في صالات باريس وبيروت، إنما تعود إلى عالم قديم لم يبقَ منه أثر اليوم، ومنذ راحت تتدفق الصور على العالم وتتلاطم فيه على نحو هذياني، جعلنا صورًا خالصة، نتبادل الصور، ونتواصل بالصور، ولا نعيش إلا في الصور، لنحيا في حاضر أبدي.
وعلى الرغم من أن "الغريب" بسمْتِه الخارجي في الرواية وفي الفيلم السينمائي، يعيش حياته وحيدًا وعلى نحو روتيني شبه آلي، منقطعًا وشبه صامت، في حاضر بلا تاريخ ولا ماض ولا جذور ولا خصائص محددة، فإن هذا كله ليس سوى مرآة صامتة لما يصطخب في داخله من قلق وتوترات وانفعالات وأفكار ومشاعر متلاطمة، لا موضوع محددًا لها، وتعصى على القول الصريح والتعبير الواضح بالكلمات. لكن هذا الغريب المستوحد شبه الصامت، غالبًا ما يفصح بصمته، بحضوره الجسماني، بسلوكه وأفعاله وحركاته وسكناته الجسمانية، بتعابير أو انفعالات وجهه، عن عالم فريد يتلاطم صاخبًا في داخله، وعن فلسفته المضمرة للحياة ونظرته إلى الوجود والعالم. وهما فلسفة ونظرة تبدوان في مرآة عالمنا الحالي، سحيقتي القدم. لماذا؟
الحياة والعالم بلا ألوان
قد يكون تصوير أوزون فيلمه الجديد هذا بالأسود والأبيض وتدرجاته الرمادية، بالنور الطبيعي الباهر وظلاله المتدرجة على الأجسام والأشياء، هو ما أخرج الفيلم و"غريبه" من زمننا الحالي، ورماه في زمن قديم. زمن "الهوينى والبطء القديم" الذي تحسّر ميلان كونديرا (1929- 2023) على زواله في روايته "البطء" الصادرة في العام 1995. وهو الزمن أو العالم الذي أثار زواله حسرة الروائي ولوعته، إذ لم يبقَ منه اليوم ما يُذكّر بأنه كان موجودًا أصلًا.
هل التصوير الفوتوغرافي والسينمائي بالألوان، وثورة الاتصالات المعاصرة بعده، أدّيا إلى جعل العالم والحياة السابقين عليهما قديمين وعنيفين، كأننا كنا قبلهما نعيش حياتنا ونتذكر مشاهدها بلا ألوان؟ طبعًا كنا نشاهد الأشياء ملونة، لكنها كانت ولا تزال تنطبع في الذاكرة بلا ألوان. فصور الذكريات تصغر أحجامها، وتفقد ألوانها حضورها أو تتضاءل أهميتها، حتى يتراءى لنا أننا عشنا ونعيش حياتنا بلا ألوان. وهذه حال "غريب" كامو وأوزون وفيلمه غير الملون الذي ينتمي إلى عالم قديم. وحتى مذهب الوجودية الحسّيّة، العبثي والعدمي، الذي يعيشه الشاب "مورسو" بطل الفيلم والرواية، ويمارسه في حياته وسلوكه وكلماته القليلة، يبدو بدوره مذهبًا سحيق القدم، ولم يبقَ منه شيء في عالمنا اليوم.
لكن المفارق أن "غريب" كامو الروائي، وكما صوّره أوزون في فيلمه سنة 2025، أي بعد 82 سنة على نشر الرواية، يبدو أنه عاش حياته في حاضر أبدي بلا معنى، وفي عبثية أخلاقية وجودية. أما جعل هذه الشخصية حقيقية على نحو مطلق وفي الأزمنة كلها، إنما هو صدقُها الذاتي والشخصي، إخلاصُها البديهي والعادي لقيمها الذاتية والشخصية في سلوكها وأحكامها الداخلية المضمرة على العالم. والأرجح أن هذا ما كان ليبدو كذلك، لو أن أوزون صوّر فيلمه بالألوان، كما فعل قبله المخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي (1906- 1976) حين صوّر "غريب" كامو فيلمًا سينمائيًا ملونًا في العام 1967.
وربما تصوير فيسكونتي فيلمه في وقت انتشار السينما الملونة، شيوعها وتصدّرها، ما جعل "غريبه" حديثًا وتاريخيًا. وهذا إلى جانب المذهب التاريخي والطبقي الذي اعتمده المخرج الإيطالي في نظرته إلى العالم والوجود. وهو بدوره مذهب تصدّر المشهد الثقافي في الستينات والسبعينات. وهذا أيضًا ما جعل العبث الفيسكونتي ينبع من وضع تاريخي محدد في عالم يحتضر. وما دام العالم يحتضر ويتداعى، فعلينا مقاومته جماليًا، وتصويره على نحو جمالي أخّاذ.
الوجودية بين المعنى والعبث
أما أوزون الذي صوّر "غريبه" بلا ألوان، أو بالأسود والأبيض والرمادي في النور الطبيعي الباهر، فقد يكون فكّر على النحو التالي: ما دمنا عشنا حياتنا منذ فجر الخليقة وحتى وقت قريب، بلا صور، أو خارج الصور والتصوير، وبلا ألوان، فلماذا إذًا أصوّر "غريب" كامو بالألوان، طالما أنه ولد وعاش حياته في الجزائر المستعمرة الفرنسية، ونظر إليها وصوّرها بلا ألوان، أي بالأسود والأبيض، وقبل التصوير بالألوان؟
ويصعب على مُشاهد فيلم أوزون الجديد، ألاّ يلاحظ تأثره الشديد والحميم بطريقة تصوير المصوّر الفوتوغرافي الكبير، أشهر مصوّر فرنسي بالأسود والأبيض، هنري كارتييه - بريسون (1908- 2004)، الذي تجسِّد صوره "لحظات حاسمة"، تختصر بعفويتها، بالضوء والظلال فيها، معنى حياة البشر ووجودهم، إلى جانب الأشياء.
تأثُّر أوزون ببريسون، إلى جانب أمانته لزمن الجزائر ومَشاهِدِها في الثلاثينات والأربعينات، حينما كانت مستعمرة فرنسية منذ العام 1830، هما ما حملاه على تصوير "غريب" كامو الفرنسي الجزائري وتخيّلِه بلا ألوان، فإذا به شخص قديم، وأقرب إلى مسيح معكوس ومعاصر، أو مسيح ضد المسيح، من دون أن يقرّر ذلك أو يفكر فيه ويختاره.
والأرجح أن لا المسيح نفسه، ولا سواه من أمثاله، ولا سائر البشر على هذه الأرض، اختاروا شخصياتهم وحياتهم وقيمهم ومصائرهم، بل إن الأقدار والظروف المتلاطمة هي التي تتحكم بهم وبها، وتحملهم على تبليغ هذه الرسالة أو تلك. وهذا على خلاف "الغريب" الذي من أين لحياته العبثية والعدميه أن تحمّله رسالة كي يبلِّغها؟
أما ما يحمل على اعتبار "غريب" كامو وأوزون مسيحًا معكوسًا أو ضد المسيح، فهو أنه عاش حياته مثل المسيح في صدق كامل مع نفسه وقيمه المضمرة في سلوكه. لكنه من وجه آخر هو على خلاف المسيح: ليس لديه رسالة يبلغها إلى العالم، بل اكتفى بأن يعيش حياته بلا معنى، وبعبثية وجودية خالصة لا تترك أثرًا. وهو في رواية كامو اكتفى بأن يصف ما يراه ويعيشه وصفًا بصريًا، محايدًا وباردًا، بلا مشاعر ولا انفعالات، وكما لو أنه بلا ذاكرة وبلا ذكريات. وإذا ما عبّر عن مشاعره أحيانًًا، فعلى نحو لا يتجاوز الحسّيّة العايرة الباردة. كأنما العالم بلا معنى ولا يعنيه في شيء.
نعم، إن هذا "الغريب" مسيح عبثي. وقد قال عنه الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر (1905- 1980) إنه يعيش وجوديته العبثية بصمت وبالقليل القليل من الأفعال والكلمات. لذا شبّهه بشخص يتكلم ويؤدي حركات داخل غرفة زجاجية مقفلة، من دون أن يسمع كلماته أحد في خارجها. وهذا من دون أن يكون مسؤولًا عن أفعاله التي لا يبررها ما دامت أصلًا بلا معنى، ولا يرفقها إلا بالقليل القليل من الكلمات التي تنزع عنه المسؤولية والمعنى. لذا هو على خلاف المثال الفلسفي الوجودي لسارتر، الذي برى أن الكائن يولد ويعيش بلا معنى، لكنه بخياراته، وبالاختبار والتجربة، يُكسِبُ حياته ووجوده معنى، ويصير مسؤولًا عن أفعاله.
بين العنف الاستعماري ومقاومته
لكن ما هو تأثير ولادة "غريب" الرواية والفيلم، وولادة ألبير كامو نفسه وحياته، في جزائر الاستعمار الفرنسي، على عبثيتهما ونظرتهما العبثية إلى الوجود والعالم؟ لا بد من الإشارة أولًا إلى أن ألبير كامو كان مدرّس فلسفة في جامعة الجزائر العاصمة، التي وُلد فيها من والدين فرنسيين، وفيها نشأ وشبَّ قبل أن يغادرها في بداية الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، ويشارك في فرنسا بمقاومة ألمانيا النازية. أما روايته "الغريب" فتُعتبر من التجسيدات النموذجية للأدب الوجودي العبثي، الذي سبقه فيه فرانز كافكا (1883- 1942) اللصيق اسمه بمدينة براغ، وصاحب رواية "المسخ" (1915) الشهيرة.
وفي فيلم أوزون يجسد الممثل الفرنسي الشاب بنجامين فوزان (1996) الشخصية الرئيسية "مورسو" في أداءٍ قوي لافت. وقد صُوّر الفيلم في مدينة طنجة المغربية، بعد تعذّر تصويره في الجزائر، ربما بسبب العلاقة الملتبسة والمتوتّرة بين فرنسا والجزائر، والتي تكمن دائمًا في خلفيتها العلاقة الاستعمارية وتبعاتها بين البلدين.
الأرجح أن شخصية "غريب" كامو وقيمها هما صنيعة عالم الاستعمار الفرنسي للجزائر استعمارًا استيطانيًا شرسًا وقاسيًا، من دون أن يظهر ذاك الصنيع إلا على نحو غير مباشر، بل بطريقة خفية وبإشارات ضئيلة في الرواية والفيلم. لكن الأرجح أن كامو و"غريبه" - المولودين من من امرأتين ورجلين فرنسيين في بلاد ومجتمع مستعمرين، تريد فرنسا محو ثقافتهما محوًا كاملًا وشاملًا، فرنستهما بالقسر والقوة والعنف، لسانًا ولغة وثقافة ونمط عيش - هما وأمثالهما ولدوا وعاشوا بلا جذور. أو بهوية شخصية وجمعية مضطربة ومرتجة ارتجاجًا وجوديًا عنيفًا، يماثل العنف الاستعماري ومقامته.
وربما بين هذين العنفين الأقصيين ولدت الوجودية العبثية لدى كامو و"غريبه"، لتصير أسلوب حياة وتعبير وقيم أخلاقية، بلا جذور ولا خيار ولا إرادة ولا معنى، سوى العيش الآني في حاضر دائم ومنقطع عن الزمن، وفي حال من الانغلاق على الذات والنفس، ضد العالم الخارجي الذي يبدو لـ"غريبه" أشبه بديكور عالم غير مفهوم ولا ضرورة لفهمه. أما الجزائر الفرنسية فحوّلها الاستعمار المديد بعنفه العسكري والثقافي واللغوي وبمقامته الشرسة، إلى حطام بلد ومجتمع محطم، وحوّل أهلها الجزائريين حطام بشر، وجعل لغتهم وقيمهم وحياتهم حطامًا يحتاج إلى زمن مديد لترميمه وتعافيه.
