المُرشد يشتعل، وبِناره تشتعل سيجارة امرأة بكامل سفورها وشَعرِها الحر. إيرانية ترتدي ما تريد، قميصها ينحسر عن كتفيها، تنورة قصيرة، أو معطف طويل تُمليه برودة الشتاء لا عصا "شرطة الأخلاق".
سلسلة الصور صانعة الترند الإيراني راهناً، فرضت نفسها أيقونة التظاهرات العارمة في نحو خمسين مدينة إيرانية، بعد أكثر من أسبوعين على خروجها مُطالبةً بإسقاط نظام الملالي، وسقوط ألفي قتيل على الأقل. ورغم أن الانتفاضة هذه المرة انطلقت من "البازار"، من صفوف التجار الذين غالباً ما التزموا الصمت أو الحياد أو حتى المهادنة إزاء "الثورة الخضراء" (2009) أو حراك "امرأة، حياة، حرية" (2022) وما بينهما وبعدهما من هبّات فردية وجماعية مصغّرة على الحجاب الإلزامي وولاية الفقيه على أجساد الإيرانيات وعقولهن ومصائرهن... فإن الغضب هذه المرة خرج من أزقة الأسواق والمتاجر بأثر من الأزمة الاقتصادية الخانقة والعطش والجوع. لكن النساء استطعن التمركز في قلبه.
في فيديو "أسوَد" مذهل، يُظهر ظلاماً دامساً في الشوارع والبيوت المنقطعة أيضاً عن العالم بفعل قرار السلطات حجب الانترنت، رفع المحتجون الشباب والمراهقون في غالبيتهم، هواتفهم النقالة المُضاءة في وجه العتمة. مشهد عميق الدلالة، فائق القوة. آلاف النقاط البيضاء المنيرة تكسر ثقل سواد مُطبق...مثل التشادور الإجباري. هي ليست رسالة النور في وجه التعتيم فحسب، بل لقد أشهَرَ هؤلاء أسلحتهم في وجه عدوّهم، أدوات التصوير والبث والرفض والتبادل والتنظيم. والإيرانيات، وسط الجموع اليافعة، اجترحن صورتهن الجديدة ليكرّسنها في الواجهة.
بعض هذه الصور ليس جديداً. بينها ما يعود إلى حراكات نسوية ماضية. لكن استعادتها اليوم تجعلها مُضارعة. بل إنها صور يُعاد تصويرها وإنتاجها، الآن، هناك، وهنا، في كل مدينة حول العالم تشهد اعتصامات تضامنية مع الإيرانيين والإيرانيات. نساء يحرقن صورة علي خامنئي، ومنها يشعلن سجائرهن، ينفثن الدخان المتمرد في الهواء الطلق، فيما يتساقط الرجل رماداً. حتى إن نساء يكرهن السجائر والتدخين، استعنّ بالذكاء الاصطناعي للتضامن، بتوليف فيديوهات ولقطات حيث تُبعث سجائرهن المُختلَقة حيّة من أتون صورة الوصيّ الإلهي. فقضية النساء هي القضية الإيرانية الأساس. لا يُمكن لديموقراطية أو شفافية أو عدالة أو أي جمهورية حقيقية أن تستقيم على بقايا مقموعات، مُرهَبات، سجينات.
لا مناص من تذكّر تلك الصورة الشهيرة بعد تحرير مدينة منبج شمالي حلب، من قبضة "داعش" العام 2016، وقد نزعت النساء نقاباً كان مفروضاً على وجوههن، وأشعلت إحداهن سيجارة الحرية، كعلامة أولى على الاختيار، على قرار مرئي، رمزيّ، اتخذته فورياً وعفوياً بشفتيها وأناملها ورئتيها... لحظَةَ لم تعُد مِلكَ يَمين أحد، ولو استمرت تلك اللحظة لحظةً واحدة.
وكأن الإيرانيات بدورهنّ الآن يستلهمن معنى السيجارة من ستينات وسبعينات القرن العشرين. سيجارة تلك السينما وتلك الموسيقى وأولئك "الهيبيز" والبوهيميين، ويَمين تلك الحقبة ويَسارها. زمن ما قبل ولادة معظمهن، لكنهن يعرفنه جيداً، ويحلُمن به. عندما كانت أمهاتهنّ وجدّاتهن يتعلّمن بحق، لهنّ أصواتهن الملوّنة وصورهنّ الطبيعية، ويقرأن "لوليتا" في طهران، قبل الإيديولوجيا الحاجبة للجسم والفِكر والرأي والمُشاركة. جدّات وأمّهات اشتغلنَ بما استهواهنّ أو اكتفَين بتربية أطفالهن، لكنهن كتبنَ وغنَّينَ وأحبَبنَ، ومَشينَ في الشوارع بإراداتهنّ. رقصنَ في المسرح أو الملهى أو على سلالم الجامعة، إن حلا لهنّ. قُدنَ نقابات اصطدمت أحياناً بالبوليس السياسي، كنّ يتزَينّ أو لا يبالينَ بالزينة، يُمارسنَ الدين أو يعتنقن الشيوعية أو لا يؤمنَّ بشيء... يرتدينَ ما يَخترنَ، وسط آباء وأخوة وعشّاق وغرباء لا يهجسون بالعورات ولا يحرسون "نفسية الأمة" و"أخلاقها". وسط إيرانيين في السلطة وخارجها، لم يتوجسوا من العالَم – بشَرقه وغَربه – ولم يكونوا خطراً عليه ولا بيادق في صِراعاته.
إيرانيات اليوم، في صورهنّ، بسجائرهنّ أو من دونها، بأكمامهنّ الطويلة أو الغائبة، يقُلن لجلادهنّ: باقيات وسنتحرر، مثل القماش والدخان اللذين نطيّرهما في فضائنا.
