مواجهات حلب التي جرت في الأسبوع الماضي، هي عبارة عن اختبار بالنار لخص مدى استعصاء الموقف بين الدولة السورية، وقوات سوريا الديموقراطية "قسد". وبرهنت بوضوح على فشل عدة جولات من المحادثات بين الطرفين، تجاوزت العام، وتم تضمينها في اتفاقين، لم يجدا طريقهما للتنفيذ. الأول في العاشر من آذار، وهو شامل، يتعلق بالوضع في منطقة الجزيرة، والثاني في الأول من نيسان، محدود، ويخص حيي الاشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب. اتفاقان ربط بينهما، موقف السلطة التي تصرفت بمنطق الدولة، التي تريد بسط سيادتها على كامل أراضيها، وفرقهما مطالبة "قسد" بحكم ذاتي، ولا مركزية سياسية، في الجزء الذي تسيطر عليه بالقوة العسكرية، والمعروف بمنطقة الجزيرة السورية، ذات الغالبية العربية المطلقة، والتي تتكون من ثلاث محافظات، الرقة، دير الزور، الحسكة، وتشكل ثلث مساحة سوريا، و40 في المئة من ثرواتها..
سيطرت "قسد" على الجزيرة السورية خلال مراحل متعددة، ونتيجة لثلاثة أسباب أساسية. الأول هو قرار نظام بشار الأسد بتسليم جزء من المنطقة لحزب العمال الكردستاني التركي في بداية المظاهرات الاحتجاجية ضده عام 2011، وكان ذلك بترتيب من الحرس الثوري الإيراني من اجل تفرغ اجهزة النظام السوري لمواجهة الاحتجاجات في مناطق أخرى من البلاد، وعلى أساس اتفاق يقوم بموجبه حزب العمال بقمع الحراك الثوري ضد النظام في الجزيرة. السبب الثاني هو الحرب الأميركية على داعش، وقد بدأ التنسيق بين الطرف الأميركي وحزب العمال في مناطق جبال سنجار بالعراق بعد سيطرة داعش على الموصل عام 2014، ولاحقاً نُقلت التجربة إلى سوريا في معركة "عين العرب" عام 2015، وتم تأسيس "قسد" في هذا العام، وعلى أساس أن تكون شريكا على الأرض للتحالف الدولي لمحاربة داعش، وهو ما رفضه الجيش الحر، الذي تبنى أولوية محاربة نظام الأسد. والعامل الثالث هو نشاط حزب العمال الكردستاني في سوريا عن طريق فرعه المعروف بحزب الاتحاد الديموقراطي، الذي تأسس عام 2003.
حاربت "قسد" داعش، ولكنها لم تقف إلى جانب فصائل الثورة لمحاربة النظام، وحينما سقط الأسد في 8 كانون الأول 2024، ركبت الموجة الجديدة، وزار مسؤولون منها دمشق للقاء الرئيس أحمد الشرع، بطلب من الولايات المتحدة، التي شجعت فتح حوار بين الطرفين، من دون أن تتدخل في مضمونه، وهذا ما جعل "قسد" تتصرف على أساس أنها طرف في المعادلة السورية، وتطالب بحصة، ليس أقل من أن تحتفظ بوضعها كما هو في الجزيرة، حيث تديرها وتستثمر ثرواتها، وتقيم فيها شبه دولة، وأمامها نموذج تجربة اقليم كردستان العراق. وفي الآونة الأخيرة طرح اعلاميون محسوبون عليها موافقة الدولة على انشاء اقليم كردي في الجزيرة السورية، وذلك تحت ذريعة أن هناك قضية كردية في سوريا، بقيت معلقة لزمن طويل، وحان الوقت من أجل حلها.
لا بد أن نعترف بأن هناك مسألة كردية في سوريا، وألا نخاف أو نماطل في حلّها ضمن الإطار السوري، على أساس أنها حق كامل بالمواطنة، واعتراف بالخصوصية تحت سقف الدولة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن إنشاء حكم ذاتي كردي داخل سوريا أمر مرفوض من الغالبية العربية، ومن مصلحة الكرد قبل العرب، عدم الإصرار على هذا الخيار، لأنه يعني تقسيم سوريا، وتأسيس أرضية حروب أهلية لن تنتهي. وليس في صالح مستقبل الكرد أن يضعوا أنفسهم في موقف ضد وحدة سوريا ومصالح اغلبية السوريين. وهناك حقائق لا تقبل الجدل في طليعتها أن "قسد" تسيطر على ثلاث محافظات سورية غالبية سكانها المطلقة من العرب، وتستأثر بالثروات، بالإضافة لفشل مشروعها للإدارة الذاتية. إن الاستمرار في هذا السلوك سوف يقود لحرب أهلية عربية كردية في الجزيرة لن يربح فيها أحد.
السبب المباشر لانفجار الموقف العسكري في حلب هو وجود قوات لقسد داخل المدن ضمن احياء مدنية، وهو أمر يخالف منطق سيادة الدولة، واحتكارها السلاح، ثم ان الاحياء التي تنتشر فيها قواتها ليست كردية بل مختلطة، وحتى لو كانت الأحياء كردية صرفة، فلا يمكن للدولة أن تقبل بأمن ذاتي لها، ولا يخفى على أحد أن احتفاظ "قسد" بقوات داخل مدينة حلب هو عبارة عن تعزيز لأوراقها التفاوضية في منطقة الجزيرة، وهذا ينطبق على تواجدها في منطقة سد تشرين الذي يغذي محافظة حلب بالمياه والكهرباء.
رافقت المواجهات العسكرية بحلب حملة تصور انتقاد "قسد" وحزب العمال الكردستاني على أنه كراهية للكرد، وانكار لحقوقهم في المواطنة والخصوصية الثقافية. في حين أن الموقف من هذين التنظيمين، لا ينسحب على الشعب الكردي. وهذا يعني أن ربح "قسد" للمعركة مع الدولة السورية، لا يعني بالضرورة ان ذلك في مصلحة كرد سوريا، ولكن خسارتها المعركة سوف يكون على حسابهم، أما البروباغندا التي تقول إن تركيا ضغطت على السلطات السورية لفتح معركة ضد الاكراد ليست صحيحة، والدليل أن أنقرة فاوضت زعيم الكردستاني عبدالله اوجلان، وتوصلت لتسوية مع حزبه دمر بموجبها سلاحه.
وحيال كل ذلك، يجدر تسجيل نقطتين مهمتين. الأولى هي أن استقرار سوريا هو حجر استقرار الشرق الأوسط، وهناك طرف واحد في المنطقة يعمل عكس هذا التوجه هو اسرائيل، التي تمارس سياسة تفجير واشاعة الفوضى في سوريا، والعراق وتركيا ولبنان. الثانية هي إن جانباً من المسألة الكردية في سوريا يعود إلى أوضاع الكرد في الإقليم، وخاصة في تركيا وإيران. وكلما برد الوضع الكردي هناك انفرج في سوريا، وبالعكس.
