"الحبل": الأمومة سُلطة لا بد من تفكيكها

ربيع شاميالاثنين 2026/01/12
Image-1768199935
الكاتبة والممثلة آن ماري سلامة
حجم الخط
مشاركة عبر

تندرج مسرحية "الحبل" (كتابة وتمثيل: آن ماري سلامة، إخراج: هشام زين الدين) ضمن المونودراما النفسية المعاصرة التي تسعى إلى مساءلة البُنى العاطفية العميقة المكوِّنة للذات، لا من خلال الحكاية الخطية، بل عبر تفكيك الذاكرة والانفعالات المكبوتة. لا تقدّم المسرحية سردًا اعترافيًا مباشرًا بقدر ما تشتغل على تشريح علاقة الأم النرجسية بالابنة بوصفها نموذجًا مركزيًا لإعادة إنتاج القمع داخل النواة العائلية، حيث يتحوّل الحب إلى أداة ضبط، والرعاية إلى شكل من أشكال التملك العاطفي.


تتجاوز "الحبل" التي قُدمت في "مسرح مونو" بيروت، هذا الأسبوع، كونها تجربة ذاتية أو سيرة نفسية فردية، لتتحوّل إلى خطاب مسرحي يعالج ظاهرة اجتماعية-نفسية مسكوتًا عنها في المجتمعات العربية، مستفيدًة من تلاقح واعٍ بين المسرح وعلم النفس، ومن تحويل الجسد إلى مساحة كتابة بديلة للنص..


يحمل عنوان "الحبل" كثافة دلالية عالية، ناتجة عن التلاعب اللغوي بين الحَبْل والحَبَل، في إحالة مزدوجة إلى رابط الحياة البيولوجي (حبل السرّة) وإلى القيد والاختناق. هذا التعدّد الدلالي لا يعمل بوصفه عنصرًا شكليًا، بل يؤسس لمنظومة رمزية تحكم العرض بأكمله. "الحبل" رابط الانتماء الأول (الأم/الطفولة)، وأداة السيطرة غير المرئية، والأثر النفسي الممتد الذي لا ينقطع مع النضج البيولوجي. هكذا، يصبح قطع الحبل في العرض فعلًا رمزيًا للتحرّر النفسي، لا تمرّدًا أخلاقيًا على الأم، بل انفصالًا عن نمط علاقة مَرَضية متوارثة.

 

Image-1768219515

 

الأم النرجسية 
تعتمد المسرحية على بناء شخصية الأم النرجسية لا بوصفها "شريرًا مسرحيًاً"، بل كنتاج منظومة نفسية واجتماعية مركّبة. الأم هنا ليست شخصية حاضرة جسديًا على الخشبة، لكنها مهيمنة بوصفها أثرًا، تتجلّى في الصوت الداخلي، وفي الشعور بالذنب، وفي الخوف من الرفض. تنجح آن ماري سلامة في نصها في تفكيك الحب المشروط، وإظهار كيف تتحول الرعاية إلى أداة ابتزاز عاطفي وزرع الذنب والسيطرة بإسم تضحية الأمومة. 


يبتعد النص عن خطاب الإدانة المباشرة، ليقدّم قراءة أقرب إلى التحليل النفسي العلائقي، حيث تُفهم النرجسية بوصفها آلية دفاع، لا مجرد خلل أخلاقي. وهو يستند الى مفهوم الجسد كذاكرة توثيقية حية. فالذاكرة هنا ليست خطابًا لغويًا فحسب، بل تُستعاد عبر الارتعاش، الانقطاع، الاختناق، وتكسّر الإيقاع الجسدي. يتجاور الصوت والسكوت، الحركة والتجمّد، في بناء مشهدي يعكس انقسام الذات بين الطفلة المجروحة والمرأة الواعية. 


الإخراج الموازي
يذهب المسرحي الدكتور هشام زين الدين في تجربته الإخراجية المونودرامية الى مساحات جديدة من التجريب، بعدما قدم أعمالا مونودرامية في ريبرتواره المسرحي. اعتمد زين الدين على الأداء الجسدي في "الحبل" نصًا موازيًا للكلمة، بل يتفوّق عليها أحيانًا في نقل الألم المكبوت عبر تنويع الحالات النفسية وبناء تصاعد درامي داخلي وضبط الإيقاع القائم على البوح والصمت وما بينهما.

 
أداء ماري سلامة اتسم بكثافة نفسية عالية، قائمة على الاقتصاد في الانفعال، لا على المبالغة. فهي لا تمثّل الألم، بل تتركه يتسرّب تدريجيًا إلى المتفرّج، مما خلق علاقة تشاركية مع الصالة والخشبة المتقشفة سينوغرافياً، المتخففة من الرموز الثقيلة أو الزخرفة لتعتمد على الحبل المجدول زمنياً بين فعل الولادة وفعل الموت وما بينهما من تشريح للعلاقات الأسرية التي تقدّم بوصفها صورة مصغّرة عن علاقات السلطة في المجتمع، حيث تُطلب الطاعة باسم الحب، والصمت باسم الأخلاق.


وعن دوره كمخرج في تأمين فضاء آمن لأداء البوح المسرحي، يقول زين الدين لـ"المدن": "من خلال التعمق والبحث في الحالات النفسية التي تجسدها الشخصية المسرحية والقراءات عن حياة ومآسي نجوم عالميين عانوا من اضطرابات نفسية ومن انفصام بين واقعهم النفسي وصورتهم الخارجية، وبالحوار مع الممثلة كاتبة النص، تشاركنا في خلق البيئة المشهدية المريحة لها والتي تشعرها بالثقة في الأداء، ومع المستشار النفسي د.روجيه بخعازي الذي زودنا بعشرات الأمثلة عن حالات مشابهة تم التطرق إليها في المسرحية وهي حقيقية بالطبع".

 

Image-1768219566


التماهي 
في "الحبل"، تستدعي الممثلة آن ماري سلامة، صور الشخصيات التاريخية والمشاهير، لا لتتقمص هذه الشخصيات المنفصلة والمختلفة، بل لتتماهي معها وتبني ذاكرة وخريطة جسد تحمل خصائص كل شخصية. التماهي بوصفه أكثر المفاهيم حضورًا في التحليل النفسي، إذ يشكّل آلية أساسية في بناء الأنا والعلاقة بالآخر. غير أن هذا المفهوم لا يظل حبيس المجال العلاجي، بل ينتقل الى فعل التعيير الفني، لا سيما المسرح، حيث يتحول إلى أداة جمالية وبنيوية.


ولا يُستخدم التماهي هنا بوصفه وسيلة اندماج تقليدية مع الشخصية، بل كاستراتيجية تفكيك للذات عبر استدعاء نماذج ثقافية وتاريخية تشكّل مرايا نفسية للممثلة. التماهي مع شخصيات تاريخية أادبية مثل والدة نيرون، وبطل رواية "الأمير الصغير"، والمشاهير الفرنسيين مثل آلان ديلون وبريجيت باردو وكوكو شانيل، هو تماهٍ تفكيكي للنماذج المثالية بصورتها الجمالية والتي تقدم في مسرحية "الحبل" بصورتها الداخلية الدفينة. آلان ديلون لا يُقدم كصورة نرجسية، بل كاستدعاء لقناع الصلابة الذي يخفي هشاشة داخلية. بريجيت باردو الأنوثة الرافضة للترويض الاجتماعي، تتماهى الممثلة مع هذه الصورة لتحرير الجسد من كونه موضوعًا للنظر، وتحويله إلى أداة مقاومة. هنا يصبح الجسد بيانًا سياسيًا لا عنصر إغواء. فيما تستدعى شخصية "الأمير الصغير " كونها الرابط مع براءة مفقودة، ووالدة نيرون المهيمنة التي تفرض قدرًا على الابن، فيما كوكو شانيل هي التي أعادت بناء ذاتها عبر الصرامة والأناقة، والتماهي معها في "الحبل" هو تماهٍ بنائي، حيث تتحول السيطرة على الجسد إلى استراتيجية بقاء، ويصبح الأسلوب درعًا نفسيًا.


لقد اعترض مؤسس المسرح النفسي جاكوب مورينو، على شكل العلاج النفسي التقليدي وجلوس المريض الثابت ومركزية المحلل وهيمنة سردية الماضي، واعتبر أن هذه الممارسات تعيد انتاج العجز وتبقي المريض في موقع المتلقي. ووجد أن الحركة والتفاعل والحضور الجسدي عناصر تساهم في بناء العلاج، من بناء الكلام إلى بناء الفعل. فكان المسرح النفسي الذي تعتبر مسرحية "الحبل" نموذجاً حياً منه، وعملاً تشريحياً علمياً موقعاً بشراكة متماسكة بين نص آن ماري سلامة، والإشراف النفسي لروجيه بخغازي، والإخراج المسرحي لهشام زين الدين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث