تواصلت لليوم الثاني على التوالي فعاليات الورشة التخصصية التي ينظمها المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، تحت عنوان "كيف يكتب تاريخ سورية؟"، وركّزت الجلسات على قضايا الأرشيف، والسرديات التاريخية من الجولان إلى فلسطين، ومنهجيات إعادة القراءة النقدية.
تسعى الورشة من خلال هذا البرنامج الفكري المتنوع، إلى طرح أسئلة نقدية جوهرية تتعلق بمنهجيات كتابة تاريخ سورية. وتأتي هذه الورشة كتمهيد لإطلاق مسار أكاديمي أوسع، من المقرر أن يُتَوّج بعقد مؤتمر علمي شامل في المستقبل، يعالج هذه الإشكاليات التاريخية والمعرفية بمنهجية مستقلة وعلمية، شاملة.
الأرشيف، المصدر الأساسي
انطلقت النقاشات بمداخلة للباحث عمار السمر بعنوان "الأرشيف السوري كمصدر أساسي في كتابة التاريخ الحديث"، ناقش فيها الأهمية المركزية للأرشيف ودوره في تشكيل المرويّات التاريخية.
كذلك فقد تناول المحور الثاني قضيتين محوريتين، حيث ناقش كل من د.عبد الرحمن بيطار المختص بتاريخ سوريا المعاصر وتيسير خلف، في مداخلات منفصلة، حضور قضيتي فلسطين والجولان في كتابة التاريخ السوري، مع التركيز على إشكاليات الرواية الرسمية ومنهجيات إعادة القراءة النقدية.
وأكد البيطار لـ"المدن" أن "التاريخ سلسلة مترابطة لا ينقطع"، لكن يمكن أن يكون للطريق التي يكتب بها التاريخ مآخذ كثيرة، وانحرافات، لكن مع الأيام هناك آليات لتصحيح هذا المسار التاريخي، وهذا ما تقوم به هذه الورشة لتصحيح مسار ثبت في انحرافا كبيراً، نتيجة أنظمة الحكم التي مرت عليها بلادنا، والتي "كانت آثارها واضحة من تخلف والاف من القتلى والمهجرين"، كل ذلك لم يقدم بشكل حقيقي بل كان المؤرخ يقدم "امورا ترضي الحاكم" وتبتعد عن ذكر الحقائق.
فيما قدّم محمد حسام حافظ قراءة نقدية حول إعادة كتابة التاريخ السياسي السوري في مرحلة ما بعد الصراع، تناولت إشكالية كتابة التاريخ معتبرًا أن "التاريخ ليس ملكًا لأحد".
التوثيق وتاريخ التنوع، التحديات
شمل هذا المحور مداخلة للباحث أحمد أبا زيد حول "منهجية التوثيق في مشروع الذاكرة السورية". كما قدّم الباحث حسان القالش ورقة حول إشكاليات تأريخ التنوع الاجتماعي والثقافي السوري، معتبرًا أن المؤرخ السوري بالعموم كان "جبانًا" أمام آلة الاستبداد في عهد آل الأسد، الأمر الذي اعتبره "أكثر من طبيعي".
في حديث لـ "المدن"، قال الباحث والمؤرخ، د. محمد توفيق أرناؤوط: "هذه الورشات تؤسس لمنهجية جديدة لكتابة سوريا المعاصرة وإعادة النظر بما كُتب عن تاريخ سوريا، التي نأمل أن تنتج معرفة جديدة بالتاريخ القريب لكي ننظر بتفاؤل نحو المستقبل". وتحدث أرناؤوط عن ورقته التي تناولت الحكومة العربية في دمشق بين العامين (1918-1920)، والتي أثمرت بما يسمى "الاستقلال الأول" الذي أُعلن في 8 آذار 1920، وتبنت أول مشروع للدستور والذي لا يزال أول مشروع في الشرق الأوسط.
بدورها، قالت السياسية ومنطقة قسم الشهادات في منصة الذاكرة السورية، سهير الأتاسي في حديث لـ"المدن": "في ظل كل هذه المتناقضات التي يعيشها السوريون، هل يمكن كتابة التاريخ الحقيقي للسوريين بكل موضوعية؟". وأضافت: "من الملفت أن نملك منصة كمنصة الذاكرة السورية تستطيع توفير أرشيف ووثائق وشهادات، واليوم سنقوم باستعمال هذا الموضوع. وعلينا اليوم أن نسمع السردية من الناس الذين كانوا موجودين تحت سيطرة النظام السابق، كذلك من بقوا في مؤسسات الدولة، علينا اليوم أن نسمع سرديتهم. هي فرصة تاريخية لكتابة تاريخنا بأيدي أبنائه، ومن خلال فاعلين وباحثين ومختصين بالتاريخ السياسي".
صور من الأرشيف المدفون
كان مسك الختام في هذه الورشة ما عرضه الباحث سامي مبيض في نهاية اليوم الثاني، بمداخلة بعنوان "صور من الذاكرة السورية"، فيها تسجيلات قديمة ممتعة من الأرشيف السوري. وكشف مبيض أن بعض هذه التسجيلات التاريخية كانت مدفونة في كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية، وقام بعرض خبرته لتحليل تلك التسجيلات وطلب بالمقابل حرية عرضها.
شكّل اليوم الثاني من الورشة إطارًا عامًا وخطوة مهمة في نقد السرديات التاريخية السائدة في المجتمع السوري، وفتح آفاقًا واعدة للبحث. ركز فيه المحاضرون على ضرورة الاعتماد على الأرشيف كوصفة مضمونة وأداة أساسية، ليستطيع السوريون تبني قراءات نقدية تعيد الاعتبار لتاريخ سورية بكل تنوعه وتناقضاته.
