في محاولة لفهم الطبيعة المتنوعة للمجتمع السوري التي تشكل العروبة بمعناها وحدة اللغة- الثقافة- الحضارة، ركائز هويات مجتمعاتها المحلية الوطنية والمنوعة الغنية إلى طرح رؤية تاريخ وطني فاعل ومتواصل للشعب السوري خارج المحاولات والأهواء الانفصالية، الجهوية والإثنية، في إطار كل ذلك يقيم المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة على مدى يومين في دمشق ورشة بعنوان "كيف يكتب تاريخ سورية؟ إشكاليات التأريخ ومنهجيات إعادة القراءة".
أهمية التوثيق
مدير المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، ابراهيم درّاجي، تناول في ورقته بعنوان " التاريخ الدستوري السوري توثيق المسار وتغييبه قراءة في المصادر والمنهج"، كتابة التاريخ السوري من خلال نقدر المنهج السائد الذي اختزل هذا التاريخ في النصوص الدستورية النهائية، متجاهلا المسار الدستوري الذي أفضى إلى انتاجها، وفي لقاء خاص مع "المدن" اعتبر دراجي أن الورقة انطلقت من موقع بحثي وعملي مزدوج يجمع بين الاشتغال الأكاديمي على التاريخ الدستوري السوري والمشاركة المباشرة في مسارات دستورية معاصرة، ما أتاح معاينة الفجوة بين النصوص الدستورية من جهة والمسارات التي تنتج عبرها من جهة أخرى.
وأكد درّاجي أن أهمية التوثيق ومخاطر غيابه تبرز أهمية ما علينا فعله لأن اعادة كتابة التاريخ السوري "من زاوية المسار لا النص" تمثل مدخلا أساسيا لفهم ازمة الشرعية الدستورية ولأي تفكير جاد في "مستقبل دستوري مختلف" لسوريا.
المذكرات والسياق التاريخي
من جهته قدم الكاتب والمؤرخ السوري محمد جمال باروت ورقة بحث بعنوان "المذكرات كمصدر في كتابة التاريخ السوري الحديث". معتبراً أن المذكرات هي من المصادر الأساسية في البحث التاريخي، بصرف النظر عن "اختلاف الاتجاهات والمنهجيات" من تاريخ الزمن الطويل إلى التاريخ الجزئي والمجهري واتجاهات التاريخ الجديد.
وقال باروت لـ"المدن": إن تعزيز بنية النظام التسلطي السابق لسوريا سبب "شحاً كبيرا" في هذه المذكرات. وأن ورقته التي قدمها أمس تدور حول الفاعلين الاجتماعيين الذين تركوا تلك المذكرات والذين "ليسوا هم بالضرورة من الصف الأول" بل يمكن ان يكونوا ايضا من الصف الثاني أو حتى " من الناس المغمورين".
تدور ورقة باروت أيضا حول مشكلة "الكتابة المذكراتية" بعين المؤرخ المحترف وكيف يمكن أن ينقحها ويكتشف "تحيزاتها" والتي هي بطبيعة الحال تعتبر جزءاً أساسيا من طبيعة المذكرات، إلى "جانب المفارقات الزمنية والتاريخية" في تلك المذكرات احيانا.
ويختم باروت لـ"المدن" أن هذه المذكرات تحمل في طياتها معلومات أساسية وطبوغرافية وسياسية واجتماعية وفكرية مما لا تقوله تلك الوثائق الرسمية، لكنها ايضا "تسمح بفهم السياق التاريخي بشكل أفضل" .
وفي ذات الموضوع قدم الدكتور سامي مروان مبيّض، الكاتب والمؤرخ السوري، ورقة بعنوان "كيف كتبنا تاريخنا الحديث والمعاصر؟" في محاولة منه الإضاءة على الفجوة الكبيرة في تلك المرحلة والأخطاء التي وقعت أثناء عملية التأريخ.
لحظة مفصلية
اما د.محمد حسام حافظ، رئيس مجلس أمناء المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة والذي سيقدم ورقة بحثية اليوم فقد أكد لـ"المدن" على الإشكالية في عملية كتابة التاريخ السياسي من زاوية مهمشة، هي زاوية المفاوضات بوصفها "ممارسة سياسية مركزية" شكلت في لحظات مفصلية مسارات بديلة محتملة لإعادة تعريف الصراع ومآلاته. واعترف حافظ أن كتابة تاريخ هذه المرحلة "تعاني من اختلال بنيوي ناتج عن هيمنة سردية ما سماه "الحسم العسكري" التي أعادت ترتيب الماضي على نحو "يقصي البدائل ويختزل الصراع" في نتيجته النهائية.
وكان الدكتور محمد حرب فرزات، الكاتب والمؤرخ السوري، قد افتتح جلسات الورشة بورقة مهمة بعنوان "التاريخ والذاكرة الوطنية السورية"، وحاول فيها أن يقدّم مسحاً تحليلياً شاملاً للكتابات التاريخية السورية الحديثة والتي برزت مع نشوء تجربة الحكومة العربية بدمشق بين العامين (1918-1920) وتطورت خلال مرحلة الانتداب الفرنسي في صراع مع السردية الانتدابية الفرنسية لتحريف تاريخ سوريا، وتطورت بصورة نوعية بعد الاستقلال، وتأسيس قسم التاريخ بجامعة دمشق، حيث أرسى الأساتذة المؤسسون والمؤرخون السوريون، وفي مقدمتهم (جورج حداد. كامل عياد، توفيق برو، نور الدين حاطوم، قسطنطين زريق، نزار كيالي، علي سلطان، أمل بشور، وغيرهم)، كتابة تاريخ سورية الحديث خصوصاً وتاريخ العرب، مع التركيز على تاريخ بلاد الشام، ووحدتها الحضارية والإقليمية قبل التجزئة الاستعمارية، وزرع المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين.
أما الدكتور محمد موفق ارناؤوط، استاذ التاريخ الحديث والمعاصر في عدة جامعات أردنية، فحاول الغوص بعيداً في التاريخ مقدماً "مقاربة الحكومة العربية في دمشق بين 1918-1920".
يستمر المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة اليوم في الجزء الثاني من الورشة حيث سيقدم عدد من الباحثين والمؤرخين رؤى مختلفة عن كيفية كتابة التاريخ السوري، وعن الأرشيف السوري كمصدر أساسي لهذا "التأريخ"، وعن حضور فلسطين والجولان في هذا التاريخ، ليختم اليوم بورقة مهمة عن توثيق الثورة والتفاوض هذه اللحظة المفصلية السورية، والتاريخية جداً.
