أيّتها السيّدة الساكنة في حديقة صوتها،
لقد نضبت الكلمات التي تليق بالوجع، وأضحى عتوّ الحزن أشبه بمارد يخرج من حكاية تحيلنا على ما نعرفه عن الجحيم وما لا نعرفه. فأين نجد الكلمات كي نعزّيك؟ وكيف نصوغ عبارات التعزية وقد تعملق الأسى، وأقفل الموت مسالك الرجاء، وتحوّل الألم إلى ما يشبه حجر رحى يضغط على كلّ شيء، ويطحن كلّ شيء؟
في الميثولوجيا اليونانيّة، يا سيّدتي، ينبجس الوجع من سطور الحكاية. هناك، يدفع سيزيف صخرته صاعداً بها الجبل، فإذا بها تتدحرج قبيل بلوغه القمّة، فيعيد الكرّة مرّةً تلو مرّة، وهكذا دواليك.. إلى ما لا نهاية. وهناك يلتهم النسر بلا هوادة كبد بروميثيوس المربوط إلى صخرة، إذ قرّر ربّ الأرباب أن يعاقبه لكونه أحبّ البشر أكثر من الآلهة، وسلّمهم سرّ الدفء، وسرّ البقاء على قيد الحياة، وسرّ الحضارة المتّكئة على الإلمام بطلاسم النار. وفي التراجيديا الإغريقيّة، تهتف أنتيغوني: «إنّي جئت كي أقول لا، ثمّ أموت». حكاية هذه المرأة، التي قضى القدر أن يقتل أبوها أباه ويضاجع أمّه، كانت حكاية الصراع بين السلطة السياسيّة والأخلاق، بين أمر الملك الذي قرّر أن يرمي جثّة أخيها للكواسر، وأمر الضمير الذي يقضي بأن يُدفن الموتى كي تُحفظ كراماتهم. إنّها حكايات تختصر الوجع إذا كان الوجع يُختصر؛ حكايات تقول كم نحن البشر مرميَون في خضمّ الوجع، كم نحن مسحوقون، كم نحن نسعى إلى القبض على أقدارنا على قدر ما ندرك أنّ أحداً لا يستطيع القبض على قدره.
لم تنتهِ التراجيديا الإغريقيّة يا سيّدتي، بل عادت كي تتسيّد وتصرخ في وجهك ووجوهنا أنّها الحقيقة الكبرى. ليس صدفةً أنّ كتّاب التراجيديا العظام غرفوا من حكايات الميثولوجيا وحلقاتها المفرغة ورقصها على إيقاع اللامعنى. ليس صدفةً أنّ الحكايات هناك تصطدم بالجدران والأبواب المقفلة والبساتين المسيّجة بالشوك. فالرجاء صعب غال. والقدر المتجهّم صنديد. والألم جبّار عتيّ.
ذات يوم، كتب لك عاصي حين قرّر أن يسمّيك قرنفل: «رميت السعادة للناس، زهّرت بإيدي». هل زهّرت فعلاً؟ أراد أن يكون الضوء أقوى من هولو. أراد أن يكون الفرح أمضى من الحزن. أراد أن تكون الحياة، كما في الإنجيل، أبقى من الموت. وحين صرعه الموت، ترك لنا قصيدته الجميلة. لعلّه رحل كي لا يُثكل بأولاده، فتخامره فكرة تغيير النصّ. واليوم، لا حقّ لأحد أن يغيّره. فالشاعر قد رحل. ونصّ القصيدة مكتوب بماء الذهب على كعبة ذاكرتنا، وعلى الدفاتر الغافية في أدراجنا. والحقّ أنّك رميت لنا السعادة، والسعادة غالية كالذهب في أغنيتك الجميلة. لكن كيف لنا أن نطالبك بأن تتلبّسي قرنفل من جديد؟ ومن أين نأتي لك بقيراط السعادة يُزهر بين يديك وحكايتك مقدودة من مأساة وميثولوجيا يونانيّة وقصص الناس المكلومين والمسبيّين والمسحوقين؟
مهمّتنا العسيرة، يا سيّدتي، صارت مهمّات: كيف نشرح للناس أنّ الذين أتوا قبلك وسيأتون بعدك أصواتهم تسكنهم في حين أنّك وحدك تسكنين في حديقة صوتك؟ وكيف نشرح للناس المنذورين لقوادم الأيّام أنّ حكايتك مأساة يونانيّة تحيل على أصوات من رحلوا، و«هم كُثرُ»، كما نظم أبو فراس الحمدانيّ ذات قصيدة؟ وكيف نشرح للناس أنّك رميت السعادة للناس من دون مقابل، وأنّ هذا شأن الأنبياء والشهداء والعظام الذين قال المتنبّي عنهم إنّ العظائم تصغر في عيونهم.
أيّتها الساكنة في حديقة صوتها،
كثير هذا الموت، وكثير جدّاً. ألا رحم الله عاصي وليال وزياد وهلي، ومنّ عليك بالعزاء إذا كان ثمّة عزاء في قواميس هذا العالم. سيكون لنا موعد مع صوتك هذا المساء أيضاً، كي يرجع المساء إلى مسائه، ويرجع الحبيب كالقمر المهاجر. إنّنا نعلن حبّنا لكِ واتّحادنا بحزن عينيك ما دام الحزن جزءاً من حيواتنا وأقدارنا، إلى أن تبتلعنا قيامة ما تُعتقنا من كلّ هذا الألم.. من كلّ هذا الموت.
