في أعقاب إعلان نتائج جائزة ساويرس الثقافية مساء الخميس، اندلع جدل واسع في الأوساط الأدبية المصرية، عقب قرار لجنة تحكيم فرع القصة القصيرة لشباب الأدباء حجب الجائزة الأولى، وما صاحبه من مبررات قيلت على منصة الحفل. وخلال دقائق من إعلان النتائج، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة لتبادل البيانات والاعتراضات، بين عدد من المرشحين في اللائحة القصيرة وناشرين وكتّاب، في مقابل توضيحات صادرة عن ممثلي لجنة التحكيم، ولا تزال تداعيات هذه الأزمة مستمرة حتى الآن، حيث تجاوزت حدود قرار حجب جائزة واحدة، لتفتح نقاشاً أوسع حول لغة النقد، وحدود سلطة لجان التحكيم ومعايير تشكيلها، والفارق بين التقييم الفني المشروع والخطاب الوصائي. وهو نقاش قديم متجدد، ويعيد طرح السؤال الجوهري حول دور الجوائز الأدبية: هل هي مساحة لدعم التنوع والتجريب، أم منصة لإعادة إنتاج معايير مغلقة باسم الذائقة والخبرة؟
حجب الجوائز الأدبية ليس أمراً استثنائياً في تاريخ الجوائز العربية والعالمية، وقد أكد معظم المعترضين اعترافهم بحق لجان التحكيم في اتخاذ مثل هذا القرار، لذا فإن جوهر الخلاف لم يتمحور حول الحجب ذاته، بقدر ما انصب على اللغة التي استخدمت في تبريره، وطبيعة الخطاب الذي ووجه به كتاب القصة القصيرة على منصة رسمية، وهو ما اعتبره المعترضون خطابا وعظياً وتنطوي مفرداته على وصاية ثقافية وانتقاص غير مبرر من كتاب القصة القصيرة.
فقال الشاعر جرجس شكري ممثل لجنة التحكيم على المسرح الذي استضاف حفلة إعلان الجوائز: "رغم المستوى الجيد للأعمال الروائية في هذه الدورة، وجدتْ لجنة التحكيم أن المجموعات القصصية افتقرت إلى المقومات الفنية الأساسية لفن القصة القصيرة، إذ جاءت أقرب إلى الحكايات والخواطر، مع محدودية في العمق الفكري والاشتغال الفني، وقد سعت اللجنة إلى رصد جماليات القصة القصيرة بوصفها نتاجًا لرؤية واعية وأدوات فنية راسخة، لا مجرّد سرد للحكايات. وبناءً عليه قررت اللجنة حجب الجائزة الأولى، حتى تكون رسالة إلى شباب الأدباء بأهمية بذل المزيد من الجهد، والتأكيد على أن المعرفة هي الطريق إلى الإبداع".
الكاتبة هدى عمران كانت من أوائل المعلقين بوصفها مرشحة في اللائحة القصيرة عن مجموعتها "حب عنيف"، ورأت في بيانها أن ما صدر عن ممثل لجنة التحكيم لا يمكن عزله عن السياق الأوسع للمشهد الثقافي، ولا اعتباره مجرد رأي فردي، بل هو تعبير عن نمط في إدارة ما وصفته بالسلطة الرمزية داخل الثقافة. وأكدت عمران أنها لا تدافع عن عملها الشخصي، معتبرة أن الكتابة قادرة على الدفاع عن نفسها، لكنها اعترضت على خطاب يفترض موقعاً تعليمياً وتأديبياً تجاه الكتاب، ويختزل التجارب السردية في تصنيفات ضيقة، ويضيق من مساحات التجريب والجماليات.
وأشارت عمران إلى أن هذا النوع من الخطاب ليس جديداً، بل يعيد إنتاج مواقف قديمة واجهت أشكالاً أدبية مختلفة، من بينها قصيدة النثر وتجارب جيل التسعينات، حين جرى اتهامها بالهشاشة وعدم الجدارة. واعتبرت أن المفارقة تكمن في أن هذا الخطاب يصدر اليوم عن أحد المنتمين إلى جيل عانى بدوره من الوصاية ذاتها. كما توقفت عند دلالة رمزية رأت أنها تستحق التأمل، تتعلق بكون اللائحة القصيرة ضمت ثماني كاتبات مقابل كاتب واحد، قبل أن تؤول الجائزة الأولى إلى كاتب رجل، مع تأكيدها احترامها الكامل للفائز على المستوى الشخصي والإبداعي. وفي ختام بيانها، رفضت أي اعتذار فردي أو شفهي، مطالبة باعتذار رسمي مكتوب باسم مؤسسة الجائزة، يتضمن تنصلاً واضحاً من الخطاب ومساءلة من صدر عنه. قبل أن تعود لتعلن مقاطعتها لجائزة ساويرس واعتبارها جائزة ميتة لا تخدم الإبداع "لكن تخدم أشخاصاً مفلسين نفسياً وفكرياً". ثم تعود مجدداً لتنشر رسالة موجهة إليها من أحد أعضاء لجنة التحكيم تؤكد أن ما قيل على المسرح كلمة ارتجالية وغير متفق عليها وأنها لا تمثل كافة أعضاء اللجنة التي غاب رئيسها بسبب حادث!
من جهتها، ركزت الكاتبة نهى الشاذلي، وهي أيضاً أحد المرشحين في اللئحة، في بيانها، على تحليل اللغة التي استخدمت في إعلان الحجب، مشيرة إلى العبارة التي وردت على لسان المتحدث باسم لجنة التحكيم، والتي تحدثت عن صعوبة فن القصة القصيرة واحتياجه إلى وعي وقدرات خاصة. ورأت الشاذلي أن هذه الجملة لم تطرح بوصفها توصيفا نقدياً محايداً، بل جاءت في سياق توبيخي علني موجه إلى كتاب اختارتهم اللجنة نفسها للوصول إلى القائمة القصيرة. وأكدت أن الإشكال لا يكمن في قرار الحجب، بل في التعميمات التي أطلقها الخطاب دون سند نقدي واضح أو معايير فنية محدّدة.
وتساءلت الشاذلي عن الكيفية التي وصلت بها أعمال وُصفت بأنها تفتقر إلى المقومات الأساسية لفن القصة القصيرة إلى قائمة قصيرة مرّت بمراحل متعدّدة من التصفية والقراءة. كما انتقدت المقارنة التي عقدت على المنصة بين مستوى القصة القصيرة ومستوى الرواية، معتبرة أنها مقارنة غير مشروعة نقدياً، تنطوي على خلط بين جنسين أدبيين مختلفين من حيث البنية والتقاليد الجمالية. واعتبرت أن لغة الوعظ، من قبيل الهمس في آذان شباب الأدباء، تنقل الجائزة من فضاء التقييم الفني إلى فضاء الوصاية الثقافية، وتنطوي على افتراض نقص في وعي ومعرفة الكتاب. وطالبت أيضاً باعتذار رسمي وصريح عن اللغة المستخدمة، باعتبار أن صون كرامة الكتاب واحترام الخطاب النقدي جزء لا يتجزأ من قيمة أي جائزة ثقافية.
وفي السياق نفسه، أصدر الكاتب والناشر علي راشد بياناً باسم "دار المحرر للنشر والتوزيع"، عبّر فيه عن رفضه للصيغة التي ورد بها تبرير حجب الجائزة الأولى، معتبراً أنها افتقدت إلى المعايير النقدية الواضحة، ولا تتناسب مع مستوى الجائزة ولا مع الأعمال التي وصلت إلى القائمة القصيرة. وأكد راشد أنه ليس ضد مبدأ الحجب، لكنه يعترض على طريقة عرض الأسباب، وعلى ما وصفه بممارسة الوصاية على الأدب وشباب الأدباء. كما أبدى استغرابه من الحديث عن منع التجريب في القصة القصيرة، معتبراً ذلك موقفاً يتناقض مع جوهر الكتابة الإبداعية. وشدد على أن دور النشر والكتاب يؤمنون بحرية الكتابة والتجريب، لا بخطاب التلقين والمنع.
أخيراً، قدم الشاعر جرجس شكري توضيحاً مطولاً باسم لجنة التحكيم، (الكاتب محمود الورداني مقررًا، وعضوية كل من الكاتبة بسمة عبد العزيز، والدكتورة منيرة سليمان، والكاتبة الصحافية جيهان الغرباوي) دافع فيه عن قرار الحجب، موضحاً أن اللجنة قرأت 46 مجموعة قصصية، ولاحظت تواضع مستوى الغالبية العظمى منها. وأكد أن اللجنة كانت أمام خيارين: إما منح الجوائز وفقاً للائحة بعيداً من القناعة الفنية، أو تحمل تبعات قول الحقيقة وحجب الجائزة الأولى، وقد لجأت إلى الخيار الذي اعتبرته أكثر عدالة. وأشار إلى أن حيثيات الحجب اقرتها اللجنة بالإجماع، واستندت إلى افتقار المجموعات القصصية للمقومات الفنية الأساسية، واقترابها من الحكايات والخواطر، مع محدودية في العمق الفكري والاشتغال الفني.
وأضاف شكري أن هذا الرأي يخص فقط الأعمال المتقدمة في هذه الدورة، ولا يعمم على فن القصة القصيرة، لافتاً إلى أن اللجنة نفسها أشادت بمستوى الرواية في فرع شباب الأدباء خلال الدورة ذاتها، ومنحت جوائزها للأعمال الأكثر تميزاً. واعتبر أن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي، لكنه شدد على أن قرار اللجنة حق أصيل لها، وأن التراجع عنه بدافع الخوف من الهجوم او الانتقادات يعد خيانة للأمانة التي كلفت بها.
وكانت جائزة ساويرس الثقافية قد أعلنت أسماء الفائزين بالأمس حيث فاز الكاتب أحمد عبد اللطيف بجائزة أفضل عمل روائي "كبار الأدباء" عن روايته "عصور دانيال في مدينة الخيوط"، بينما نالت الكاتبة ألفت عاطف جائزة أفضل مجموعة قصصية "كبار الأدباء" عن "أبناء الظبية". وفي فرع شباب الأدباء، فاز الكاتب وليد مكي بالمركز الأول في جائزة أفضل عمل روائي عن "سواكن الأولى"، فيما جاءت مريم العجمي في المركز الثاني عن روايتها "صورة مريم".
أما جائزة أفضل مجموعة قصصية "شباب الأدباء" التي فجرت الأزمة، فتم حجب المركز الأول، ومنح المركز الثاني للكاتبة نسمة عودة عن مجموعتها "فئران أليفة". وفي مجال السيناريو السينمائي، فاز في فرع كبار الكتّاب سيناريو فيلم "الأرض البعيدة" تأليف نادين صليب وعبد الله الغالي، بينما حصد جائزة الشباب سيناريو "شاب في مأزق" تأليف أحمد صبحي وبريهان موسى. أما النص المسرحي، ففاز بالمركز الأول "لاجئ رقم 1" للكاتب خالد رسلان، وجاء "فلوماستر ماركة" للكاتب هاني مهران في المركز الثاني.
وفي النقد الأدبي والسرديات، مُنحت الجائزة مناصفة لكل من كتاب " الخواجاية" للكاتب فيموني عكاشة، و"خباء النقد والشعر" للكاتب محمد عبد الباسط عيد.
أما في أدب الطفل، ففاز بالمركز الأول كتاب "الفأرة لارا وجيرانها في العمارة" تأليف ريهام شندي ورسوم بسمة حسام، وجاء في المركز الثاني كتاب "عندما اختفى الضحك من العالم" تأليف أحمد الفخراني ورسوم هيام صفوت.
