رحيل "سيدة الأرض والأسلاك"...سامية الزرو مُطرِّزة الهوية

حسين جلعادالسبت 2026/01/10
Image-1768033960
ولدت في نابلس، درست في بيروت، واستقرت في عمان حيث أصبحت من أبرز مؤسسي الحركة التشكيلية الأردنية
حجم الخط
مشاركة عبر

رحلت الفنانة التشكيلية القديرة سامية الزرو (1938- 2026)، تاركة وراءها إرثا فنيا لا يمحى، وفراغا كبيراً في المشهد الثقافي الفلسطيني والأردني والعربي. فقد كانت رائدة حقيقية، ساهمت في صياغة ملامح الحداثة الفنية المرتبطة بالجذور، وحوّلت قضايا الوطن إلى لوحات تنبض بالحياة والمقاومة والجمال.


ولدت سامية الزرو في مدينة نابلس، ودرست الفن في الجامعة الأميركية ببيروت، ثم صقلت موهبتها في الولايات المتحدة وإيطاليا. هذا التنوع الأكاديمي منحها رؤية عالمية، لكن قلبها ظل معلقاً بتفاصيل الأرض الفلسطينية وجماليات التراث الأردني. استقرت في عمّان، لتصبح واحدة من أبرز مؤسسي الحركة التشكيلية الأردنية، ومربية أجيال تركت بصمتها في قاعات التدريس كما في صالات العرض.

 

تطويع المعدن ونطق القماش
تجاوزت تجربة الزرو الفنية الرسم، فكانت ثورة متمردة على القوالب التقليدية الجامدة، حيث برعت في تطويع «فن الكولاج» ودمج المواد غير المتجانسة لتعيد صياغة مفهوم اللوحة الفنية من منظور عصري ومقاوم. وقد استنطقت الزرو الأسلاك المعدنية والمعادن الصدئة، فحولت تلك الخامات القاسية من رموز للحصار والقيد والشوك إلى تشكيلات فنية بأجساد صلبة ونوافذ تطل على الأمل.

 

Image-1768034025


وفي موازاة هذا الاشتغال على المعدن، انحازت الزرو ببراعة إلى لغة النسيج، فأعادت إحياء المطرزات الفلسطينية برؤية تتجاوز كونها زينة تراثية أو زخرفة عابرة، بل جعلت منها عنصراً تكوينياً أساسياً في بنية العمل الفني، يروي بصدق ملحمة الصمود والبقاء، ويمزج بين ليونة الخيط وصلابة الموقف. وتوصف الفنانة الراحلة بأنها "سيدة الأرض والأسلاك" التي علمت الأجيال أن المعدن البارد يمكن أن ينطق شعرا إذا ما لامسته يد فنانة صادقة. إذ تقدّم أعمالها بوصفها مساحات مفتوحة للتأمل، يصبح اللون وسيلة تفكير، لا أداة إبهار، وتغدو اللوحة حقلاً لاختبار العلاقة بين الذاكرة والذات.


لا تنتمي أعمال الزرو إلى مدرسة فنية مغلقة، على العكس، يمكن قراءة تجربتها بوصفها اشتغالاً طويل النفس على ما يتسرّب من الذاكرة إلى الصورة، فثمة شذرات من الجسد، وآثار حضور إنساني، وإشارات نسوية غير مصرح بها، لكنها حاضرة كتيار خفي يوجّه بنية العمل. وهنا، لا تظهر المرأة كموضوع تمثيل، لكنها ذات فاعلة في إنتاج النظرة، وهو ما يمنح اللوحة بُعدها الثقافي من دون أن يحمّلها خطاباً مباشراً.


في أعمال الزرو، يحتل اللون موقعاً مركزياً، فهو ليس لوناً صافياً أو زخرفياً، إنما نرى طبقات متراكبة، تُضاف ثم تُخفّف، كأن الفنانة تجرّب حدود الذاكرة ذاتها، فهي تبحث عما يبقى وعما يُمحى، هذه العلاقة بين التراكم والمحو تمنح اللوحة توترها الداخلي، وتجعلها أقرب إلى نص بصري مفتوح، لا يكتمل إلا بحضور المتلقي. فالمشاهد هنا ليس متلقّياً سلبياً، بل شريكاً في إنتاج المعنى، ومدعواً إلى قراءة ما بين الألوان، لا الاكتفاء بما يظهر على السطح. ويمكن وضع تجربة سامية الزرو في تماسّ مع التجريد التعبيري، لكن من دون الوقوع في برود التجريد الخالص. إذ يظل هناك، في معظم أعمالها، ما يشبه الأثر الإنساني: كتف، عين، انحناءة جسد، أو حتى ظلّ بالكاد يُرى. هذا الأثر لا يفرض نفسه، لكنه يمنع اللوحة من الانفصال التام عن العالم، ويعيدها باستمرار إلى سؤال الإنسان، لا بوصفه موضوعاً، بل بوصفه خبرة معيشة.

 

Image-1768033874


ثقافيا، تنفتح تجربة الزرو على سؤال تمثيل المرأة في الفن العربي، لكن من زاوية غير مباشرة. فهي لا تواجه الصورة النمطية بالمواجهة، ولا تستبدلها بصورة جاهزة مضادة، بل تعمل على تفكيك آلية النظر ذاتها. الأنثى هنا ليست جسداً معروضاً، بل عيناً ترى، وذاكرة تتذكّر، ومساحة تعيد ترتيب علاقتها بالعالم. هذا التحوّل، وإن بدا صامتًا، يحمل بعدًا نقديًا عميقًا، يتجاوز الشعارات إلى بنية الصورة نفسها.


ما يميّز تجربة سامية الزرو، في المحصلة، هو هذا التوازن الدقيق بين الحسّ الشخصي والانفتاح الجمالي. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى أعمالها بوصفها دعوة إلى التمهّل، وإلى استعادة النظر بوصفه فعل فهم، لا مجرّد عبور سريع فوق سطح الصورة.

 

يمكن القول أخيراً إن الفنانة الزرو لم تحبس فنها في الأطر المغلقة، بل كانت من أوائل من نادوا بمبدأ "الفن للجميع". وقد ساهمت بفعالية في تجميل الفراغات العامة في العاصمة الأردنية عمّان، وآمنت بأن الفن هو أداة للتغيير. وخلال مسيرتها التدريسية، لم تكتف بتعليم طلابها تقنيات الرسم، وإنما علمتهم أيضاً كيف يقرأون التاريخ من خلال اللون، وكيف يكون الفنان حارساً للذاكرة الوطنية. الفن بالنسبة لسامية الزرو لم يكن ترفاً، بل وثيقة هوية، وصرخة في وجه النسيان.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث