جائزة ساويرس: سلطة التوبيخ

شادي لويسالسبت 2026/01/10
Image-1768033074
لعل ما استدعى الغضب مما قيل في حفلة "ساويرس" كان إعلان السلطة عن نفسها بفظاظة
حجم الخط
مشاركة عبر

مرة أخرى، يثير الإعلان عن جوائز ساويرس الثقافية الكثير من اللغط. ويدور الجدل هذا العام بسبب حجب الجائزة الأولى لفرع القصة القصيرة لشباب الأدباء، وبسبب المبررات التي سردها الشاعر جرجس شكري لهذا الحجب على منصة الاحتفال، وبسبب لغتها التي حملت ما يشبه التوبيخ للمشاركين. كالعادة، لا يضر الجدل الجوائز، بل وكما يشير الشعار التسويقي الشهير: ليست هناك دعاية سيئة. والحال أن الاشتباك النقدي مع الجائزة، أي جائزة، ينطلق من تصور مثالي لآلية عملها. وبالتالي فهو لا يرفض سلطتها، بل يسعى ضمناً لتأكيدها.

 

لا يعني هذا أن "ساويرس" تختلق الجدل عمداً، بل أن أن الجوائز الأدبية بالعموم مثيرة للمشاكل، وذلك لأسباب عديدة تتعلق ببنيتها. تسري سلطة الجائزة على الحقل الأدبي في مسار دائري. نقطة البداية هي أن الجائزة تكتسب مصداقيتها من الوسط الأدبي التي تقيمه، ويكون ذلك عبر تبني معاييره القائمة والاستعانة بأعضائه المكرسين ليكونوا أعضاء في لجان التحكيم. وفي الوقت ذاته تقوم الجائزة بترسيم حدود الحقل ذاته، وتعيد تعيين التراتبيات داخله وترسيم حدوده. وبفضل تلك العلاقة الملتبسة، ثمة سيولة في العلاقات التي تخلقها الجائزة، يغير المشاركون في الجوائز مواقعهم في ساحة عملها كأنهم في لعبة الكراسي الموسيقية، في تلك الدورة يكون الكاتب واحداً من الفائزين وفي الدورة اللاحقة يجلس على كرسي التحكيم وهكذا. 

 

وبفضل الفواصل الواهية بين موقع الفاعل وموقع المفعول به، يصعب تطبيق معايير الموضوعية، وبالأخص في مجال يعتمد بشكل أساسي على الجماليات. وتنتهي الجوائز في معظمها إلى طقوس دورية لتهنئة الذات. بالعموم، ما يثير الجدل بخصوص أي جائزة هو قمة جبل الجليد، أي قرارات لجان التحكيم ومعاييرها، بينما يظل الجانب الأهم مغموراً، فمن يختار لجان التحكيم؟ أو بحسب المعضلة الأثينية القديمة: من يحرس الحراس؟ محاولة الإجابة على هذه الأسئلة تزيحنا عن حقل الجماليات، وتحيلنا إلى الحقول الشائكة للسياسة والاقتصاد السياسي للثقافة.

 

ما أثار حفيظة المشاركين في الدورة الأخيرة من "ساويرس" لم يكن حجب الجائزة في حد ذاته، بل لغة التقريع الأبوية التي استخدمها ممثل اللجنة، والخلاصة ذات الوقع المدرسي الذي ختم به كلمته. فبحسبه، الحجب هو رسالة لشباب الأدباء بأن "المعرفة طريق التفوق". لكن منطق الجوائز، على اختلافاتها، هو الاعتراف بسلطة عليا، هي سلطة لجان التحكيم في أنها تقيم وتكافئ وتتوّج، وتقرر من يستحق ومن لا يستحق، وأن تحتوي وأن تستبعد. والحال أن أعضاء لجان الجوائز هم من حراس البوابات الأكثر نفوذاً في أي وسط ثقافي، حيث تتوافر لهم سلطة مادية في يد، وسلطة معنوية في اليد الأخرى. فلكل جائزة شقّان، شق مالي وشق يتعلق بالتكريس. ولعل جرجس شكري على وجه التحديد، مثال نموذجي لاحتلال مواقع متفرقة من نقاط السلطة الرمزية. فعلاوة على عضويته في لجنة تحكيم الجائزة الممولة من العائلة الرأسمالية الأكثر ثراءً في قارة إفريقيا، شغل لوقت طويل منصباً حكومياً هو أمين عام النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة.

 

عادة ما ترفق الجوائز إعلاناتها بإسباغ المديح على الأعمال الرابحة، ويتلقى الفائزون ذلك الإطراء بقدر من التباهي وباعتباره دليلاً على الجدارة. ومن الطبيعي أن من يملك سلطة المدح، يمتلك بالقدر نفسه سلطة التوبيخ. لكن لعبة الجوائز تعتمد على التزام جميع الأطراف بأدوارهم المتفق عليها وبقواعد السلوك المقبولة. على الفائزين أن يتلقوا جوائزهم بامتنان، وعلى المانحين إخفاء سلطتهم قدر الإمكان. فالسلطة حتى تعمل بكفاءة، عليها إخفاء جوانبها القسرية وراء غلالة ناعمة. ولعل ما استدعى الغضب مما قيل في حفلة "ساويرس" كان إعلان السلطة عن نفسها بفظاظة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث