العام 1985 قالت فيروز: "عيلتنا متل التراجيديا الإغريقية، الفرح فيها شي موقت، والحزن والألم هو الأساس، وفرحنا الموقت كان الحلم. والحزن كان الحقيقة. بس ما كنت أعرف هالشي.. ما كنت أعرف إنه الإنسان إذا ضحك، راح يبكي ألف دمعة مقابل هالضحكة".
جملة تلخص سيرة فيروز مع المآسي والفواجع والغناء والمسرح وكأس الألم والموت والغياب. ففي سنة 1958 ولد ابنها الأصغر هلي وما لبث أن أصابه في فترة رضاعته الأولى مرض السحايا، فجعله طفلاً معاقاً إعاقة شبه كلية، وكان يعاني صعوبات ذهنية وحركية ولم يكن متوقعاً له الشفاء منها، إلا أن فيروز جعلت من رعايته قضية شخصية ومن وجوده أولوية مطلقة. وطوال عقود عاشت معه تهتم به كأنه ابنها السري، لا يعرفه إلا الذين يزورونها في المنزل يتأملون صمته البليغ والملائكي وجلوسه على كرسي المتحرك.
وفي لقاء صحافي أجرته نازك باسيلا مع فيروز نشرته في "الأسبوع العربي" العام 1973 تقول: "وفجأة يدفع هلي كرسيه إلى حيث تجلس أمه، فتقتلع الهمّ من عينيها لتبتسم له وتداعبه. يُدرك مدى محبّتها فيقترب مطمئنّاً سعيداً، تقبّله وتمسك بيديه الاثنتين لتدنيه منها بلطف وعطف وحنان. قبلتها له أحلى أغنياتها وأكثرها رقّة. تحمل هم طفلها وتغنّي لأطفال الآخرين". صور مثالية لأم مفعمة بالحنان والعطف، وقبل حوار "الأسبوع العربي"، كانت فيروز أمام امتحان ألم آخر، ففي العام 1972، أصيب زوجها عاصي بانفجار أو نزيف في الدماغ، وكان يتم حينها التحضير لمسرحية "المحطة"، وبمرض عاصي، غاب رُكن التلحين في المسرحية، لذا سنحت الفرصة أمام الابن زياد الصغير ذي الـ17 عامًا حينها، للتلحين من كلمات عمه منصور، فكانت "سألوني الناس" بصوت فيروز، والتي جسدت حالة مرض عاصي وغيابه للمرة الأولى عن عملٍ لهما في مقطع "ولأول مرّة ما بنكون سوا"، هنا امتزج الألم بالفرح.
بعد فترة من الخلافات، وصل الزوجان إلى قرار الانفصال العام 1978. في 21 حزيران 1986، في عيد الموسيقى وأول أيام الصيف وهو أيضاً عيد الأب، غاب عاصي عن العالم، ورقد في مثواه الأخير، لكن الفراغ الذي سببه لفيروز كان أكبر من خلافاتهما والانفصال. تقول في حوارٍ تلفزيوني: "يمكن لما مرض عاصي، بلشّت حسّ بإشيا كتيرة، مش كلها بقدر قولها، وبهالطريق بلشّت أحس بالخوف أكتر، فيه كذا خوف يعني، فيه الخوف من أنه لما بيقدم الواحد عمل جديد، أنه يحبه الناس، هيدا طبيعي، وبعدين الطريق اللي مشيت فيه بعدين لما مرض عاصي، صرت أحس بخوف عليّ وعلى حالي وعلى شغلنا". وفي حفلة بعد رحيل عاصي، كانت فيروز تُغني "سألوني الناس" مرة أخرى، ويُقال إنها عندما وصلت لمقطع "بيعز عليِّ أغني يا حبيبي، ولأول مرّة ما بنكون سوا" بكت، رُبما كان عاصي ملازمًا لها بروحه في كل أغانيها. تقول أيضاً: "غيابه تعبني، وحسسني بكل الإشيا اللي كان حملها عني، شي أكيد، وأنا كل ما أغني بمطرح، أكيد بيكون هو موجود، موجود مش بس بالغنيّة موجود شخصُه، وبفتكر يعني أني عم بعمُل إشيا متل ما هو بيحبها".
وفي مسيرة فيروز، الألم والحزن مثل كرة ثلج. في عز الشتاء من العام 1988، رحلت ابنتها ليال. لا نعرف الكثير عنها إلا ما روته أختها ريما "إنهم في أوائل العام 1988 من شهر كانون الثاني\يناير جلسوا جميعاً هم وفيروز يشاهدون حفلة لها في التلفزيون، ويعلقون على الموضوع. تلك كانت آخر ليلة تجتمع كل العائلة"، ثم أكملت أنه في هذا اليوم بالذات كانت ليال مصرّة أن تعتني بهلي أخوهم المقّعد، رغم أنه كان دور ريما. وقالت ريما "تركتهم ودخلت لأنام وفي الصباح عند الساعة العاشرة استيقظت ومررت من أمام غرفتها، رأيتها، كانت لا تزال نائمة، وكنت معتادة عند استيقاظي ألا أجدها، لأنها تذهب إلى عملها باكراً في الإذاعة. لمستها ووجدت يدها مثلجة"، أمها فيروز نقلتها إلى المستشفى حيث قضت ليلة في العناية المركزة ورحلت بعد 48 ساعة. وشُخص المرض بأنه انفجار في الدماغ، المرض نفسه الذي توفي به الوالد عاصي الرحباني، لتفارق ليال الحياة عن 29 عاماً.
والفاجعة الكبرى تمثلت في 26 تموز 2025 عندما توفي العبقري زياد الرحباني عن 69 عامًا، بعد معاناة مع مرض تليف الكبد، وهو كان لحن العام 2000 أغنية لسلمى مصفي تقول "ما دام أحلى وردة بتموت، والطير شو ما علا بيموت"، وتنتهي بشيء من السخرية: "مات مش بيموت"، كأنها تروي علاقته بالموت، وقد بدا موته كأنه موت وطن، ربما من المرات الأولى في لبنان التي يشهد موت فنان هذا الكم من الرثاء...
والآن تكتمل مسيرة الأحزان والفواجع، بعد ستة أشهر على رحيل زياد، وأيام على الاحتفال بميلاده، يرحل هلي الابن الأصغر لفيروز، الابن الملاك للأم الحزينة، جارة القمر، وهي كانت أطربتنا بأغنية "سلِّملي عليه وقل له إني بسلِّم عليه.. بوّسلي عينيه.. وقل له إني ببوّس عينيه.. انت يللي بتفهم عليه.. سلِّملي عليه سلم" ضمن أغاني ألبومها "مش كاين هيك تكون" العام 1999، كلمات غامضة كتبتها فيروز بطريقة ارتجالية، قيل إنها وُجِّهت لابنها هلي، فعلى الرغم من القصة التي تم تداولها حينها في وسائل الاعلام عن توجيه الأغنية لابنها الصغير، إلا أنها بقيت محل تساؤلات، حتى ظهر هلي في صور نشرتها شقيقته ريما العام 2022 كاشفاً الوجه الآخر لأمومة فيروز الاستثنائية.
