أعلنت المكتبة الوطنية السورية في دمشق، ضمن أنشطتها الجديدة، عن فتح باب التزويد بنسخ من المؤلفات والأبحاث التي تُعنى بـ"سوريا والحكاية السورية"، ودعت الفاعلين إلى المساهمة. وبحسب الإعلان: "إن كنت كاتباً، ناشراً، أو صاحب مركز دراسات، فمساهمتك اليوم هي حفظ لإرث الأجيال القادمة وتوثيق لذاكرتنا الوطنية".
تعبير "الحكاية السورية" المستخدم هنا يعود في مصدره إلى خطاب الرئيس أحمد الشرع على منبر الأمم المتحدة في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، والذي استخدمه للحديث عما جرى في سوريا خلال المرحلة الماضية، وخاصة مرحلة الثورة وما رافقها من آلام ومعاناة عاشها السوريون، دون أن يتخلوا عن الأمل الذي تحقق في نهاية عام 2024، حين أسقطت عملية ردع العدوان النظام الأسدي.
استخدام هذا التعبير تحديداً يكسر الحاجز بين مفهوم التاريخ بوصفه مجالاً تُكتب تفاصيله وفق معايير صارمة، وبين السرد الشعبي له؛ أي أن الصيغة التقريبية أرادت أن تقول للعالم إن ما جرى لم يكن مجرد أخبار، بل تاريخ بشر تمكنوا من الوصول إلى حلمهم، وأنتم الآن (قادة دول العالم) ترونهم أمامكم.
الإحالة الأهم هنا أن تبديل المفهوم يذهب نحو التاريخ الشعبي لا التدوين الرسمي، وهو ما يقود إلى سؤال ملح طالما شكّل هاجساً لدى النخبة الثقافية السورية خلال سنوات الثورة، ويمكن اختصاره بالسؤال: من يكتب تاريخها؟ هل يفعل المؤرخون ذلك؟ من يجمع التفاصيل التي سيعتمد عليها هؤلاء لقراءة الوقائع؟ أم يفعل ذلك الكتّاب، والروائيون، والشعراء، وغيرهم؟ وهنا لن تكون المادة معتمدة بالضرورة طالما أنها تبنى على الخيال وعلى الإبداع.
في الشق الأول، يحضر مثال واضح حين اجتهد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عبر مشروع "الذاكرة السورية"، الذي أُنشئ كمشروع علمي بحثي بهدف بناء أرشيف موثوق وشامل للأحداث منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011.
وفي الشق الثاني، حاولت مؤسسة "ذاكرة إبداعية للثورة السورية"، التي تأسست عام 2013، ملء الفراغ المتعلق بتوثيق وأرشفة الإبداع السوري المؤيد للثورة. كما ظهرت تجارب فردية وجماعية جذبت نتاجات الأدباء المعروفين أو الشباب، مثل كتاب "سوريا تتحدث" الذي أعده زاهر عمرين ومالو هالاسا ونوارة محفوض، وأيضاً تجربة الراحل حسان عباس في إنشاء سلسلة "شهادات سورية" الصادرة عن دار بيت المواطن ودار الساقي.
غير أن كل ما سبق لم يكن كافياً ليجيب على سؤال بات أكثر إلحاحاً اليوم: كيف نكتب تاريخ الثورة؟
نحو كتابة تاريخ شعبي للثورة السورية
من يكتب التاريخ عادة؟ سؤال يبدو بديهياً، لكن تكراره في سياق الحاضر يحمل دلالات مختلفة؛ فالتاريخ الذي نعرفه هو تاريخ الأحداث الكبيرة: تصريحات القادة، المعارك، الاتفاقيات، الخرائط السياسية. لكنه ليس بالضرورة التاريخ الذي عاشه الناس. رائحة البارود هنا تطغى على كل شيء، ويظهر المقاتلون أكثر من الفلاحين، والدبلوماسيون أكثر حضوراً من المعلّمات، والبيانات أوضح من الوجوه، بينما تمر الأمهات والطلاب والخبازون وممرضات المشافي الميدانية فيه كهوامش أو كلقطات عابرة. أمام هذا المشهد، يبرز السؤال: كيف نكتب تاريخاً شعبياً للثورة السورية؟
التاريخ الشعبي ليس بديلاً عن التاريخ السياسي، بل تصحيح لزاويته؛ محاولة لرؤية الحدث لا من شرفة القصر، بل من عتبة البيت. ينظرُ إلى الثورة كما عاشت في الشوارع والحارات الضيقة، عند الحواجز، وفي المقابر الصغيرة التي امتلأت بصور الأبناء. وممرات هروب خطرة، ونساء تخبز تحت القصف، وأطفال يتعلمون الأبجدية في قبو. تاريخ الخوف والأمل معاً، الرغيف الذي قد يكلف حياته بعد الوقوف في طابور طويل تستهدفه طائرات الأسد. هذه التفاصيل الصغيرة التي تمر في التدوين الرسمي كوقائع عابرة هي ما يجعل الثورة خبرة إنسانية لا مجرد حدث سياسي.
تبدأ كتابة التاريخ الشعبي من فكرة بسيطة: حفظ الذاكرة؛ ليس عبر جمع الوثائق الرسمية وحدها، بل بالتقاط ما يتسرب عادة من بين الأصابع: يوميات الناس ومروياتهم، رسائل جرى تبادلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذه المواد، إذا لم تُوثّق، ستذوب مثل الملح في ماء الزمن.
يمكن لهذا التاريخ أن يُبنى كمشروع جماعي لا فردي: مجموعات صغيرة في كل مدينة وقرية وحي تتولى توثيق الحياة اليومية أثناء الثورة؛ الأكل وقت الحصار، الكهرباء التي كانت تأتي ساعة وتغيب عشر ساعات، ألعاب الأطفال في الأقبية، المدارس البديلة، دفء التضامن حين يجمع الجيران ما يملكون من عدس ودقيق. التاريخ الشعبي لا يهتم فقط بمن أطلق الرصاصة الأولى، بل بمن كان يخبز ليعيش الآخرون، وبمن كان يكتب منشوراً على فيسبوك وهو يعلم أن الأمن قد يطرق الباب فجراً.
في كتابة هذا التاريخ، لا يجب السقوط في فخ التجميل. الثورة لم تكن ملحمة نقية خالصة، بل تجربة إنسانية معقدة، والتاريخ الشعبي يسجل كل هذا بلا رتوش، لأنه يسعى إلى حقيقة التجربة كما عاشها البشر، لا كما يحبون أن تذكرها.
نعم، هتف الناس للحرية، لكننا اختلفوا، وتقاتلوا، وتشاتموا وخونوا بعضهم، تعبوا، وخسروا الكثير. هذه الصراحة ليست تهشيماً للثورة، بل إنقاذاً لكرامتها.
البعض سيسأل، كيف يمكن إنجاز تدوين هذا التاريخ؟ وبأي شكل سيُكتب؟
ربما في كتاب فصوله قصيرة، كل فصل يروي جانباً من الحياة: الخبز، الهتافات، الحواجز، السجون، النزوح، الأعياد، الحب، الموت. أو في شكل "سيرة جماعية" تتوزع أصواتها على مئة حكاية قصيرة، كل واحدة صفحة أو اثنتان. ويمكن أيضاً إنشاء أرشيف رقمي مفتوح، أو إنتاج بودكاست يحكي في كل حلقة قصة من مدينة مختلفة. الفكرة ليست في تقديم كتاب واحد، بل أن يُفتح الباب أمام مكتبة كاملة تكتبها الأجيال.
وفي النهاية، كتابة تاريخ شعبي للثورة السورية ليست مجرد عمل توثيقي، بل واجب أخلاقي؛ لأن الشعوب التي تُسلب ذاكرتها يمكن إعادة تشكيلها بسهولة. ومن لا يعرف كيف عاش الناس الثورة، لن يفهم لماذا خرجوا، ولا لماذا صمدوا، ولا لماذا سقطوا. كتابة هذا الماضي ليست مسألة كيفية قابلة للتأجيل، بل هي ملحة جداً من أجل المستقبل ليحمل شاهداً لا يزوَّر. وطالما أن المؤسسات الرسمية تبنت فكرة "الحكاية السورية" فإن جوهر التاريخ الشعبي: أن نعيد البشر إلى مركز الحكاية.
