توفي المخرج المجري بيلا تار، عن عمر ناهز 70 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض. وبرحيله تفقد السينما العالمية أحد أكثر الأسماء تأثيراً في فن السينما العالمية.
اشتهر بيلا تار بأسلوبه القائم على اللقطات الطويلة المركّبة، والإيقاع البطيء، والصورة الصارمة بالأبيض والأسود. وعلى مدار مسيرته القصيرة نسبياً، أخرج الراحل 9 أفلام روائية طويلة، بدأت بفيلم Family Nest العام 1979، وانتهت بفيلم The Turin Horse العام 2011. وخلال هذه الأعمال، طوّر أسلوبًا راديكاليًا يفضّل تجربة المكان والزمن والمناخ العام على السرد التقليدي، ليمنح المشاهد تجربة حسية وتأملية نادرة. كما تميّز أسلوبه الإخراجي بلقطات واحدة طويلة تمتد لعدة دقائق، وهذا ما يمنح إحساسًا بالواقع غير المتلاعب به، وهو ما أطلق عليه بعض النقاد مصطلح "الواقعية الزمنية".
هنا أبرز ما قيل في وداعه في فايسبوك:
وكتب محمد بكريم:
صنف مارتن سكورسيزي بيلا تار كـ "أحد أكثر فناني السينما جسارة". وبصياغة نقدية، يمكن القول إن سينما تار هي سينما القلق البصري. فهو يوظف الزمن عبر اللقطات المشهدية (Plan-séquence) الممتدة — والتي تضاهي في تركيبها الجملة البروستية (نسبة إلى الروائي بروست)— لتفكيك الواقع وإعادة صياغته أنطولوجياً؛ إنها سينما تجابهنا بصلابة الوجود وقسوة العالم.
يفرض كل فيلم، منذ استهلاله، ميثاقاً صارماً مع المتلقي: فمنذ المشهد الافتتاحي الطويل و"الرتيب" (كما في حركة الحصان المجهدة وسط العدم الثلجي في فيلم حصان تورينو)، يجد المشاهد نفسه أمام خيارين: إما التماهي المطلق عبر جهد ذهني ووجداني مضنٍ، أو الانفصال والانسحاب.
اختار تار اعتزال الإخراج طواعية تجنباً للتكرار النمطي، متفرغاً لنقل خبرته عبر التدريس، تاركاً خلفه لغة سينمائية تزداد يُتماً في غياب أحد أبرز عرابها.
ودوّن حسن سلام:
في إشارة سابقة من الكاتب "László Krasznahorkai" الحاصل مؤخرًا على جائزة نوبل للأدب، وهو الرفيق والشريك المخلص لبيلا تار في أفلامه، عبر لازلو عن حبه لرواية "الأبله" وتأثره بها عند كتابته لرواية "تناغمات فيركميستر" مقاربة مشابهة أيضًا وإحالة نراها عند تاركوفسكي في فيلمه الأخير " قربان" عندما يشير على لسان أحد الشخصيات إلى أن بطله آلكساندر يشبه الأمير ميشكين / أبله دوستويفسكي.
الإحالات إلى أبله دوستويفسكي هنا ليست عابرة فحسب، وبرغم اختلاف نهجيهما؛ العدم مقابل الإيمان، يعادل حوت بيلا تار في فيلمه التناغمات تلك الشجرة عند تاركوفسكي في قربانه، فكما تكون الشجرة جافة، ذابلة بلا أوراق، يكون الحوت متروكًا، منعزلًا، خامدًا في وسط المدينة، ويشترك كل من "آلكساندر" عند تاركوفسكي، و"يونس" عند بيلا تار، في انتهائهما وحيدين في مشفى للمجانين، كضريبة لذلك الإيمان- المستمد من ميشكين- في عالم بلا إيمان.
عند دوستويفسكي كان ميشكين هو المعادل للمسيح، يدير الخد الآخر عند صفعه.
ولأن تاركوفسكي متشكك بنزوع روحانية فهو يأمل في طفل ألكساندر الصغير ري الشجرة الجافة المعبرة عن بشرى ألكساندر للعالم- منحازًا لخلاص ما، فيما بيلا تار ينهي في فيلمه كل سبيل ممكن للخلاص، لينتهي يونس في مشفى المجانين وحيدًا، فيما لا يملك سوى رثاء عمه العجوز.
الفارق يتضح من خلال تصريح سابق لتار:
عند تاركوفسكي فالمطر مطهر، خلاص مؤقت لأرواح معذبة، أما عندي فالمطر يزيد الأرض طينًا، دنس.
وكتب هاتف فرحان:
رحيل المخرج العبقري بيلا تار.
رحيل الحصان الذي رفض أن يجر العربة أعلن اليوم عن وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عاما بعد معاناة طويلة من المرض. يعد هذا المخرج بصمة سينمائية متميزة في تاريخ السينما هذه البصمة كان لها الأثر على أجيال من السينمائيين في العالم تاركا ورائه أرثا سينمائي من 9 أفلام اشهرها فيلم "تانغو الشيطان". بيلا تار لم يكن مخرجا فحسب بل كان صاحب مدرسة وفلسفة خاصة حملت هم الوجود الإنساني في جميع أفلامه التي إنجزها. اختار الأبيض والأسود لأفلامه ومشاهد فريدة وطويلة كلغة سينمائية يطرح من خلاله مواضيعه أفلامه مليئة بالتفاصيل تفاصيل عادية ولكنه يجعلها بحسه المرهف مشاهد مؤثرة ومن الصعوبة نسيان اثرها. موسيقى أفلامه والحوارات مختارة بدقة وهي جزء أساسي من هذه اللغة السينمائية التي يمتلكها. آخر أفلامه كان "حصان تورينو" أنجزه عام 2011 بعد هذا الفلم اعتزل السينما أختيار موضوع الموت والنهاية في هذا الفلم كان مقصودا. ففي مشهد من هذا الفلم يرفض الحصان جر العربة رغم السياط لينتهي المشهد بوضعه في الاسطبل لينزوي بعدها وسط العتمة هو النهاية التي اختارها لنفسه او بمعنى آخر هو اعلان مبكر لوفاته. هذا المشهد هو ابلغ رسالة بعثها مخرج من خلال آخر أفلامه المشهد رفض الحصان جر العربة في هذا الفيلم.
·
وكتب فراس محمد:
هذا واحد من أسوأ الأخبار في الفترة الأخيرة، رحيل بيلا تار، المخرج الذي اشعر بصداقة عتيقة مع أفلامه، المخرج الذي فهمت معه ان الفيلم ليس قصة، ولا ذرى ولا حبكات يرميها في وجه مشاهديه، المخرج الذي قدّس الزمن ومنحه الأولوية المطلقة كصانع للدهشة، السينما التي لا تعترف بالألوان، لكنها اختصرت ملايين الدرجات للأسود ، شخصيات تتأملها لانها كثفت رمزية الوجود وأعطت معنى حالماً وشاعرياً للتشاؤم ، مع الساعة الثالثة من تانغو الشيطان، يتوقف الزمن عن المرور، بل ينسل لما تحت الجلد كمخدر سينمائي مسبب لليقظة والأرق، رحيله بمثابة رحيل لجنس سينمائي، شبيه برحيل تاركوفسكي، سينما لا تشبه الراهن لكنها تغوص فيه وتستخلص قبحه لتجسده على شكل لقطة طويلة لا تنتهي.
وسأقول ما قاله أحد النقاد بعد عرض فيلمه تانغو الشيطان ذو السبع ساعات في مهرجان برلين، إن أرادوا ان يعيدوا عرض الفيلم فسأعيد مشاهدته الرجل الذي توقف عن الاخراج منذ سنوات ربما لانه يعيش في زمن لا يناسبه، رحيله قد يكون ورقة نعوة لسينما لم يعد يصنع مثلها اليوم، ومن سيحاول سيوصم بالجنون، وينتحر بعد أول فيلم.
وقال حمد الصبحي
وداعاً بيلا تار.. مخرج السينما التأملية.
الشاعر الذي أعاد للّقطة الطويلة هيبتها؛ جعل الزمن مرئيًا، والوحشة ملموسة، والظلام كائنًا حيًا.
تبنى أسلوب اللقطات الطويلة جداً التي تتبع الشخصيات ببطء جنائزئي واستخدام اللونين الأبيض والأسود بظلالهما الرمادية الموحشة والتركيز على تفاصيل الطبيعة القاسية من طين ومطر ورياح.
