بصرف النظر عن القيمة المعنوية للخطيب سواء أكان قائداً كبيراً أو زعيماً محلياً أو نائباً في البرلمان أو ما شاكل من مناصب أو مقامات وصولاً لأن يكون أميناً عاماً بشكل خاص، فإن خطابه يسوقه حتماً لأن يتحوّل إلى مجرد one man show عندما يجافي عبر هذا الخطاب كل الوقائع وكل المتغيرات السياسية منها أو العسكرية، المحلية منها أو الإقليمية، العالمية منها أو الضيعوية.
أما في ما يتعلق بالضيعوية بالتحديد، فإن ترتيب كلمات الخطاب بما يتناسب مع واقع لم يعد موجوداً بالمرة فإن الأمر عندئذ هو أقرب إلى عرض مسرحي بخس في ساحة الضيعة ولا بأس في هذا السياق – ومن أجل تقريب الصورة – من الإستعانة بهاملت شكسبير حين قال، "المسرحية هي الشيء المهم". نعم، المسرحية هي الشيء المهم عندما يكون الخطاب أقرب إلى برطمة كلام، عندما يكون الخطاب مجرد كلمات مجرد نزوات وفي بعض متونه مجرد تماه مع رصانة مفقودة ورحم الله أوسكار وايلد وقد نطق بالعبرة التالية: "حتى الهزلي ينتفي بانتفاء الرصين".
من المجحف بحق الخطيب أن تنتفي عن ذاته كل الصفات حتى صفة الهزل. من هو هذا الخطيب عندئذ يا ترى؟ بصراحة القول، لست أدري... ولنتابع السرد.
فأن تكون الكلمات مجرد مراكمة ومن بعدها مراكمة فعندها حتى السلطة التاريخية للكلمات تصير محل انتفاء تام. إن الخطيب – مهما علا شأنه – وقد ارتضى لنفسه أن يكون مجرد one man show تراه يحيق بكل الوجاهات حتى وجاهة الكلمات ورونقها. ربما في التمسّك العبثي بهذا النمط من الخطابات ما يؤشر إلى عجز الخطيب عن التخلي عن أوهامه، عجزه كـone man show في أن يهب كلماته الوقار المطلوب وقد شردتْ هذه الكلمات عن كل ما يحيطها من تغيرات ومن وقائع لا تلبي الحد الأدنى من الدلالة التاريخية لهذه الكلمات.
قد تنطوي تناقضات هذا الخطاب أو ذاك على جمالية تستدعي الغموض أو الدهشة أو جمّ التساؤلات من قبل المستمعين، إنما أن يقوم الخطاب برمته على تناقضات تناطح تناقضات فإن في الأمر حينئذ الكثير من البؤس وال "شْحار".
بالإجمال، ربما على صاحب الخطاب المنساق مع خطابه القابع داخل دهاليز ذهنه منذ عقود وعقود، ربما عليه، أن يتكيّف مع ضرورة الخروج من عتمة هذه الدهاليز وطي هذه العقود، أقله، بغية المحافظة على بعض المستمعين. إن تعنّت الخطاب غالباً ما يتجسّد في السعي بغية المحافظة على شبابه – على شباب هذا الخطاب – إلا أن هذا التعنّت يشي أكثر ما يشي بكل ضروب الشيخوخة... شيخوخة تجرجر أذيال الخيبة وهي حتماً مهما طال بها الوقت سوف تكون محلّ تلاش واندثار. فعدم إدراك المحظور إلا بعد وقوعه لا ينفع معه كل أصناف ال "لو كنت أعلم"... والله أعلم.
إن شيخوخة خطاب من تقوقع في أفق ال one man show هي في هذا السياق تحديداً صدى مدو لمستقبل قاتم... والعياذ بالله!! لا يمكن تطويق شيخوخة الخطاب وتجعّداته عبر إعلاء الصوت مثلاً أو محاولة التماهي مع من قد سبق من خطباء. إن حظوظ قرابة الخطاب الذي يقع خارج التاريخ مع تلك الخطابات التي سبقته هي حكماً مجرّد أوهام حيث العين التي تأبى أن ترى شقلبات الواقع وتغيّر مساراته عن بكرة أبيها، وها هو الشاعر النمساوي يهمس داخل أذني بالتالي: "أسير وراء جثماني وأنا حي". إنه حال ذلك الخطيب، ذلك ال one man show الذي يزهو بخطابات فقدتْ كل إمكانيات ترجمتها إلى صمود أو انتصارات أو حتى عدم "العلقة" بعجقة سير جهنمية مع كل تحذير بالقصف.... والله من وراء القصد.
فضلاً عن هلهلة الكلمات، فإن خطاب من قد ساق نفسه لموقع ال one man show لا يمكن تمتينه - تمتين هذا الخطاب - بلغة الجسد أو بتلويحات الأيدي أو بفتل الأصابع أو عبر لعبة الملامح بالإجمال. وعلى الرغم من أهمية هذه العناصر في حالة ال one man show العادية، فإن هذه العناصر في حالة ال one man show الذي نحن بصدده في هذه المادة تراها محل ضعف وربما شفقة وقد وُظّفتْ لأن تكون فعل مؤازرة للإنكار وعدم الاعتراف بالهزيمة وإغلاق العيون عن كل مستجدات الأرض والسماء... ولله في خلقه شؤون.
ينبئنا تاريخ أهل الخطابات المجلجلة أن ثمة من الأحداث ما لا يمكن صياغتها عبر محض الكلمات فيصار عندها إلى رسمها عبر ملامح الوجوه بوعي من الخطيب أو ربما من غير وعيه. وبهذا السياق كثيرة هي الابتسامات الصفراء، على سبيل المثال لا الحصر، التي ترسم وقع الكارثة حتى إبان استخفاف الخطيب بهذه الكارثة أو تلك. بشكل عام، إن ملامح من قد اقتنع بدوره ك one man show وقد رمى بالشكل الحديث للعالم خلف عتق كلماته ووفرة هذه الكلمات تراه صار بمثابة الشكل النهائي للكارثة عبر جل ملامحه وعجقة هذه الكلمات.
ثمة حكمة يابانية قديمة لاقت رواجاً في المجتمع الياباني عقب هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية تقول: "إن الإنسان يفشل في تعلّم أي درس من دروس الحياة ما لم يملك قدرة التوقف عن الكلام والإنصات". وأراد اليابانيون بهذه الحكمة التنقير على خطابات الوعود بالانتصار الذي كانوا قد وُعدوا به قبل الهزيمة والتوقيع على وثيقة الاستسلام. ربما على كل من قد فقد بوصلة الحاضر والمستقبل أن ينصت بعض الشيء ويكفّ عن سوق نفسه لأن يكون محض one man show في عالم متعدّد الأصوات... ربما التمعن في حقيقة العالم يستلزم الصمت والصمت والصمت... "وبحياة ربّك بلا خطابات".
