القرّاء المُتذاكون

شاكر الأنباريالأربعاء 2026/01/07
تحديد.jpg
هناك قراء متذاكون، ونقاد ربما، فكونهم قرأوا لكبار الكتاب يعتقدون أن المنتج المحلي لن يضيف لقراءاتهم شيئاً جديداً
حجم الخط
مشاركة عبر

 هناك فئة من القراء تنتظر من روايتك أن تجد حلا لمعضلات واقعها جميعا، تجد حلا لصعود قوى التطرف في مجتمعها، وحلا للهزيمة التاريخية لدول المنطقة، وأن تجيب على سؤال فشل الثورات التي انطلقت في الربيع العربي ولم تخلّف سوى الدمار لبلدانها، وأن توثق السبي اليزيدي على يد داعش، وتهجير نصف الشعب السوري، وتفجير مرفأ بيروت المأسوي، وتمزقات المجتمع الليبي، واندثار مكتبات المدن العريقة، والتناحر غير المنتهي بين المذاهب الإسلامية، وملوحة مياه الفرات، وأن تقترح نهايات سليمة لحرب اليمن والقضية الفلسطينية وتآكل المدن العراقية واندحار التنوير في الواقع المصري. ثم معضلة الصومال المنقسمة على نفسها وسبب اغتيال عبد الكريم قاسم واعدام صدام حسين ومآلات البرنامج النووي الإيراني، وأن تستعيد الروح العدوانية لأوروبا منذ قرون حين كانت تعامل الشعوب كعبيد، والهنود الحمر طعاما لكلاب الصيد، وسبب التصحر في الأرض المشرقية وما نجم عنه من ارتفاع مهول في درجات الحرارة، صيفا، على وجه الخصوص. 

 

تنتظر منك أن تروي أحداثا جديدة على ذائقة تلك الشريحة لم يعشها أو يسمع بها أحد، كي لا تستعيد ثانية المآسي التي عانت منها طوال عمرها. وأن تكتب بواقعية سحرية مثل التي جاء بها ماركيز، ويوسا، وإيزابيل الليندي، وكتاب أميركا اللاتينية، ثم تقترب بشيء محسوس من عمق التحليل النفسي لدى ديستويفسكي، أو تشاؤم كافكا، وملاحم تولستوي، وأن تبتعد عن أحداث قريبة زمنيا من حياة القارئ، كي تنقله إلى عوالم مجنحة فيها كثير من الخيال، كما فعل كارلوس زافون البرشلوني، وساراماغو البرتغالي، وتابوكي الإيطالي، وهاروكي موراكامي الياباني. فتضع ترياقاً يساعد على نسيان الواقع الأليم غير المحتمل للإنسان الطبيعي. 

 

ينبغي أن تأتي روايتك شبيهة بنص مقدس يرتفع عن لغة الشارع وموبقاته المكشوفة، وفجاجته المتعارف عليها، وأن لا تكون الشخصيات من لحم ودم، بل لها ملامح غامضة، وغرائبية تتصرف فجأة خارج السياق الإنساني المتعارف عليه. وأن تضع أسئلة ملحّة فلسفية وجمالية وسياسية ودينية، وتجيب عليها، على شاكلة سبب تقدم الغرب وتأخر الشرق، وسبب الهوة المعرفية بين هذين العالمين، وهل للدين علاقة بالأمر أم يكمن السبب في البيئة، والمناخ، والخارطة التشريحية للجسد البشري، والحرارة وما يصاحبها من كسل، وقدرية، واستسلام للطبيعة. وأن توظف براعتك في تهيئة تلك الرواية للترجمة إلى اللغات الأخرى، خاصة الأوربية، فليس هناك من عوائق سوى في مخيلة الكاتب الهش. وتحترف الحصول على الجوائز كونك توصلت إلى مفاتيح ذلك لا عبر الموهبة والبراعة فقط، بل يرافق ذلك، حتما، شبكة من علاقاتك المهمة المتشعبة التي تجمع المتناقضات، والأمزجة، والرغبات. 

 

عليك إرضاء الجميع عبر سرد يتصادى مع التجارب العالمية في الكتابة وأذواق دور النشر ولجان التحكيم. أخيرا، ينبغي أن يأتي النص خاليا تماما من الزوائد والاستفاضات، أي محبوكا مثل سجادة أعجمية من شيراز، أو لوحة من لوحات سلفادور دالي، مع التنكر ربما، أو التغاضي، عن زوائد هائلة حدثت ذات يوم لملاحم وروايات عظيمة مثل دون كيخوتة، والحرب والسلام، ومائة عام من العزلة، وشيطنات الطفلة الخبيثة ليوسا، وملحمة مدن الملح للسعودي عبد الرحمن منيف، ومطولات فيكتور هيغو، وحتى الكوميديا الإلاهية. تطلب تلك الشريحة من القراء والنقاد، شيئاً جديداً لم يرد في كتاب سابق، ولا سمعت بأحداثه أو عاشتها، لكن روايتك ينبغي لها أن تجيب على أسئلة حول الفساد، والتخلف، والقدرية، والحروب الأهلية، والتكلس الديني، وغيرها من ملفات راهنة، كي تداعب مخيلتها ومفهومها حول البطولة، والنبل، والشجاعة، والحفاظ على الهوية، وقراءة المستقبل. 


هناك قراء متذاكون، ونقاد ربما، فكونهم قرأوا لكبار الكتاب يعتقدون أن المنتج المحلي لن يضيف لقراءاتهم شيئاً جديداً، بل ينظرون باحتقار وتذاكٍ إلى النتاج المحلي. وما دامت السلع تشترى من الخارج، فلا حاجة للمجتمع إلى بناء مصانع لإنتاجها. سيكون الناتج رديئاً حتماً بغض النظر عن الخبرة والتطور التاريخي وظروف البشر الموضوعية. وهكذا صارت لدينا سكك حديد مستوردة، وبنطلونات مستوردة، وأحذية ونظريات فكرية وطرائق سرد وهموم عامة وروايات مترجمة وأبواب ستانليس ستيل وسكاكين وبنادق وطائرات ومياه معقمة وأدوية ومكائن طباعة وكومبيوترات حديثة، وتحليلات مشوشة حول ما يدمر حياتنا نحن. كله مستورد ومرغوب. أي أننا تحولنا إلى "علق" يمتص دم الحضارة الكونية التي تحذر الاقتراب منا. 


وقد لا يسود هذا الواقع لدى فئة القرّاء والنقّاد المتذاكين فقط، بل يشمل شرائح أخرى من سياسيين، ورجال دين، ومنظّرين، واقتصاديين، ورياضيين، وأطباء، ومهندسين، ونساء جميلات ربما.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث