الثقافات والفجوة المكانية

أحمد زين الدينالأربعاء 2026/01/07
Image-1767722161
المسافات التي يتخذها الناس ليست عشوائية،محكومة بقواعد ثقافية عميقة، حاول الأناس إدوارد هول أن يستخلصها من تجاربه
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تعبّر اللغة فحسب عن مواقفنا إزاء الوقائع والأحداث، وإزاء التصوّر المتبادل بيننا وبين الآخرين. ولا يُختصر التواصل الحي بين الناس من ذوي الثقافات المتباينة، بالكلام وجهاً لوجه، أو عبر الأثير، أو عبر الشبكة العنكبوتية، إنما يُترجم أحياناً بالاستخدام البشري للمساحات الشخصية والعامة الملحوظة بينهم، والتي يستخدمونها تلقائياً، وفي كل آن وسانحة. بل إنّ النظرة، أو الشعور بالامتداد لا يقتصر على المكان، إنما يتعداه إلى البُعد والتصوّر الزمني، وتقدير طول مدته. وفي الحالين، يتعلق الأمر بالأنظمة الثقافية المختلفة التي تمارسها الشعوب، والتي تشكّل في ما بينها تفاعلية رمزية، لا يمكن فهمها إلا بفهم إطارها المرجعي، الذي يحدّد آليات التفاعل، ومعايير السلوكيات الملائمة، أو المنحرفة. 


والمسافات الملحوظة والمرعية بين الناس سواء أكانوا مشاة، أم جالسين، أم واقفين، هي أقرب إلى أن تكون فقاعة غير مرئية، يعيش داخلها فرد أو جماعة من الأفراد، ذات هوية واحدة. ويتشاركون مع بعضهم البعض بخلفيات متماثلة، تتجاوب مع سلوكياتهم العملية، ومفاهيمهم الاجتماعية. وينحازون إلى قيم أخلاقية أو دينية مشتركة. ويتعاملون مع الآخرين بحذر أو أريحية، بحسب الظروف والأمكنة. وأظهرت الدراسات الإناسية أنّ البيئة الاجتماعية مبنية بالمقام الأول، على كيفية تكوين النظرة، أو الانطباعات الأولى عن الغرباء والدخلاء عليها.   


والأطروحة المركزية لهذا المفهوم هي أنّ المسافات التي يتخذها الناس ليست عشوائية، بل هي قابلة للقياس بصورة عفوية، لكنّها في الأصل محدّدة ومحكومة بقواعد ثقافية عميقة، حاول عالم الإناسة الأميركي إدوارد هول أن يستخلصها من معايشاته وتجاربه الميدانية. كذلك ساهمت كتابات إيرفينغ غوفمان عن الأقنعة والأدوار المسرحية، في الإضاءة على تقديم المرء نفسه، على نحو مناسب في عين المجتمع، وعين ذاته. وشكّلت أعمال هول منظومة فكرية متكاملة سماها (البروكسيميا) وهي تنتمي إلى منظومة التواصل غير اللفظي، وتُعدّ نظاماً فرعياً حيوياً، إلى جانب لغة الجسد وإيماءاته. وعليه تُستخدم هذه النظرية كطريقة ناجعة لفهم الآخرين، إذ تتزامن مع التواصل بين فردين اثنين أو جماعتين، وتعبّر أحياناً عما هو مستتر، أو عاجز عن بلوغه الكلامُ المباشرُ بين المرء ومخاطبيه.  
وميّز هول بين نمطين أو سياقين من الثقافة: السياق المنخفض، الذي تمثّله الثقافات ذات القواعد الواضحة، مثل الألمان، حيث العلاقات الاجتماعية البينية مترابطة بشكل وثيق، محدّدة الاهداف سلفاً وبرغماتية. 


أما الثقافة ذات السياق العالي، كما عند الآسيويين والعرب، فتتميّز بالثراء العلائقي، والتبادلات المكثّفة، وتعتمد على رموز وطقوس وتقاليد موروثة، وروابط عاطفية، وإيحاءات، وتلميحات. وأظهرت الدراسات أنّ لدى الأنجلو ساكسون مساحة خيار شخصي، أكبر من تلك التي يتمتع بها اللاتين، وسكان البحر الأبيض المتوسط.  


والمساحة الشخصية الحميمية التي يشغلها المرء، والتي لا يُؤذَن بتجاوزها إلا بمشيئة صاحبها، غالباً ما يكون تشكيلها محصّلة تربوية مكتسبة، وخاضعة لمعايير وأعراف موروثة، أو لنظام ترميز دقيق، يتباين بتباين السياقات الثقافية والجنسية والدينية أو العرقية. محصّلة هي جزء لا يتجزأ من ضوابط السلوك الاجتماعي، حيث إنّ البيئة الثقافية هي التي تبني شبكة من المفاهيم الاجتماعية والدينية، وهي التي تدلّ على اتجاهات الواقع المكاني، بحدوده وشروطه. وأي تصرّف يجهل، أو لا يراعي حيثياته، يُعد انتهاكاً لحرمة الشخص أو الجماعة. ويفضي إلى سوء تفاهم، أو يستدرج تداعيات أخلاقية، بوصفه عملاً مشيناً، أو يستوجب التوبيخ، أو القصاص، أو يندرج في بعض السنن الدينية، على أنه خطيئة يجب التكفير عنها. كما تختلف كيفية إدراك المساحة الشخصية، والاحتراز منها، تبعاً لاختلاف الجنس، والسن، والوضعية، أو المكانة الاجتماعية. وتتغلّب في مجتمعاتنا المحافظة الثقافةُ الدينية، على الثقافة العلمانية، لذلك تشعر النساء، حتى غير المتديّنات، بالحرج وعدم الراحة، عندما يحاولن اختيار مكان لهن للوقوف أو الجلوس. ويحتسبن إطالة الرجل النظر إليهن، على أنّه تعبير عن الانجذاب الجنسي. 

 

والمسافة الاعتبارية كلما ضاقت حدودها ضمن الجماعة المتجانسة، فإنها تقرّب بين الناس، وتشجّع على التفاعل بينهم، وتزيد من وتيرة التواصل العاطفي، ومن تغيّر حركة الجسد، والرغبة في اللمس، والشم.  بيد أنّ هذا الموقف ينقلب إلى ضده، فيثير الخشية أو الذعر، حالما يتبيّن اختلافه عن المنظومة، والأعراف السائدة، مما يخلق لدى المرأة كجنس آخر شعوراً بالخوف اللاواعي من كل إشارة غير لفظية، تبدر من الرجل. وغالباً ما يعمل الناس الذين تُنتهك مساحتهم أو فقاعتهم الشخصية، إذا كانوا في قطار، أو مترو الانفاق، أو حافلة ركّاب، على عزل أنفسهم عن المحيط، بالانعطاف على قراءة كتاب، أو الاستماع إلى الأغاني، أو الانصات إلى موسيقاهم المفضلة، عبر سماعات الأذن. 


وتتجاوز المسافة الشخصية خطوة، أبعد من مراعاة القواعد الاجتماعية التي تفرضها، أو تخلقها الثقافات، لتصل إلى استجابة بيولوجية غير واعية لدى الفرد، وغالباً ما تكون استجابة دفاعية لتهديد نفسي محتمل، تقوم بإثارتها (اللوزة الدماغية) قبل أن يتمكن العقل الواعي من معالجة الموقف. والمثير أنّ هول استخلص ملاحظاته من عالم الحيوان، حينما وجده يحافظ على مسافات معينة بعيدة عن مصدر الخطر الداهم، أو ما يسمى المسافة الحرجة التي تُضيّق عليه طريق الهروب. 

 

528881-692819556.jpg
كانيتي


ويتحدث الياس كانيتي في كتابه (الجماهير والسلطة) عن رهبة الاحتكاك عند الانسان، إذ إنّ المرء يتفادى عادة ملامسة ما هو غريب عنه. وما من مسافة صنعها حول نفسه إلا وقد فرضتها عليه تلك الخشية من المجهول. أما تلاشي الخوف، وتنامي الشعور بالاطمئنان في وسط الجماهير، كما يصفه كانتي، فهو ناجم عن المساواة المتخيّلة التي تشكّلها الكتلة الواحدة المتراصّة، والمشدودة إلى بعضها البعض. بيد أنه عندما ينفرط عقدها، وتنحلّ روابطها، يعود المرء إلى ذاته، وإلى وساوسه ومخاوفه. 


وحيث إنّ أشكال المساحات الموصوفة، تحافظ على تراتبية درجاتها وقوانينها ومفاعيلها، فإنّ أي تبديل أو تعديل لها، ينجم عنه نتائج مختلفة. وهذا ما دفع في يوم من الأيام الكاتب اللبناني المعروف وضاح شرارة، حينما كان في سلك التعليم الثانوي الرسمي، أن يكسر حلقة الأستاذ - التلميذ، ويردم الفجوة المكانية بينه وبين طلابه، بأن دعاهم لتغيير طريقة جلوسهم على المقاعد، والتحلّق حوله، بدلاً من جلوسه منفرداً في مواجهتهم، لخلق انطباع عائلي دافئ، ومناخ من الألفة، والتفاعل العاطفي المثمر، أثناء شرح الدرس. وقد استدعت هذه "الانتفاضة" التربوية حينذاك احتجاج إدارة الثانوية. 


وكما يوجد تقارب اجتماعي يتعلق بالعائلة والزمالة والجيرة، ثمة تباعد اجتماعي شهدته مجتمعات العالم قاطبة، إثر انتشار جائحة الكوفيد 19 خشية العدوى، من خلال مراعاة المسافة التي تؤمّن سلامة الآخر، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة. وأُضيف مصطلح التباعد الاجتماعي عام 2020 إلى قاموس أكسفورد الإنكليزي. 


ووردت في الكتب المقدسة روايات عن طرد مرضى الجذام من قراهم. وفي فترة انتشار الطاعون الأسود، كان على السفن الواصلة إلى مدينة البندقية البقاء في الحجْر الصحي، قبالة الشاطئ للحد من انتقال العدوى. 


ويبلغ الاحتراز مداه الأقصى، عندما يُمسّ المحظور الديني، ويؤدي إلى النجاسة. والنجاسة بهذا المعنى ناجمة عن النشاط التمييزي للعقل الديني الذي يرفض حالة الخلط، والغموض المشوّش الذي يدمّر النظام. لذلك تفرض الأديان على اتباعها قيوداً وسلوكيات، تتعلّق بالمجالسة والمجاورة التي تحترم الفوارق بين المرأة والرجل. وبين المحرّم والمحلّل من المأكل والمشرب، كأن يتحاشى المسلم المتديّن الجلوس على مأدبة طعام، يوضع عليها لحم الخنزير، أو تُحتسى فيها المشروبات الروحية. وساهمت الثقافة الإسلامية الأصولية، في خلق أجواء التفرقة في الجامعات والمدارس، بين الذكور والإناث. 


ويشكّل إشغال المساحات انطباعات وأحكاماً أولية إزاء شاغليها، من حيث ارتباطهم بها، والموجبات السلوكية المتوقعة منهم حيالها. وتمثّل الجغرافيا الثقافية هذه، إطاراً لديناميات مجتمعية متعلقة بالتفاوت الاجتماعي والطبقي. وقد لوحظت حالات مماثلة خلال الحقب الاستعمارية، عندما كان يُنظر إلى السكان الأصليين، على أنهم متخلّفون، وغير متمدّنين. وأسفرت هذه النظرة العنصرية المنحازة تجاههم، إلى بناء كانتونات خاصة بالمستعمرين البيض بعيدة عنهم، كما حصل في جنوب أفريقيا، وفي فلسطين المحتلة، حيث بنى الإسرائيليون مستعمراتهم. وكأنما هي بمثابة عملية نفي من طرف المستعمر المتسلّط، عمادها، كما يسميها عالم الاجتماع الأميركي دوغلاس ماسي (هندسة القوة). 

 

Image-1767721581
منزل امازيغي


وفي المجتمع القبائلي (البربر) في بلاد الجزائر، ترمز هندسة البيوت، كما يحلّل بيار بورديو، في كتابه: (الحس العملي) إلى التمييز الدال على الانتماء والقيمة، والتفرقة بين الجنسين، وذلك بالفصل بين المساحة الأنثوية، والمساحة الذكورية. حيث للأنثى الجانب الداخل، والمظلم، والأرضي، والرطب. وللذكر الجانب الخارج، والمضيء، والعلوي، والجاف.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث