في كل حرب، يشتغل الأميركي على الصورة، الأفلمة جزء أساسي من المعركة، جزء أساسي من جنون العظمة. بعد إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في 30 ديسمبر/كانون الأول 2006، كتب الروائي اللبناني الراحل الياس خوري أن صورة إعدامه في عيد الأضحى، تعيدنا إلى حرب الصورة التي خاضها الأميركيون في بلاد الرافدين، وهي حرب تلخصها صورتان: الأولى هي للمشاهد البورنوغرافية المهينة في سجن أبو غريب، والثانية هي صور صدام بعد اعتقاله.
في صور السجن، تم تهريب مشاهد إذلال لا مثيل لها(..)، وكتب الكثير عن ممارسات الأميركيين في السجن... أما صور صدام سجيناً، فقد انتقلت بالهدف التوحشي إلى مستوى آخر. صورة الرجل البدائي الذي أخرج من الحفرة وصار الجندي الأميركي يفحصه بعد اعتقاله واضعاً قفازات بيضاء على يديه، أوصلت الرؤية الاميركية للعرب إلى قعرها. "لم يجدوا أسلحة الدمار الشامل، لكنهم وجدوا الانسان البدائي الذي يحتاج إلى تدجين. الهندي الأحمر الجديد هو العربي، وتدجينه الصعب يصير مبرراً لقتله، وهذا ما فعلوه". أرادوا من صورة صدام سجينا أن تقول كل ذلك، سواء من خلال تصويره بلحيته الكثة كمشرد، أو تصويره بالثياب الداخلية وهو يغسل امتعته بالطشت "أن تعطي للطريقة المشينة التي عرضت فيها صورة ابنيه القتيلين مبررها الحضاري". ونعلم أن أكثر من الصورة المشينة لابني صدام، كان اندفاع وسائل الاعلام الأميركية في محاولة تصوير نجلي صدام وكأنهما الفاحشان والمسرفان الباحثان عن الجنس والاستهلاك، فركزت مجلة أميركية أنه لحظة موتهما بعد معركة، كان يوجد في محفظتهما واقيات ذكرية، ودولارات.
مع خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، نحن أمام صور جديدة، جلس ترامب في مكتبه يتابع مجريات الحرب والقبض على مادورو وكأنه يتابع فيلماً بالصورة والصورة. وقائع الفيلم السريعة ارضت غليله وسياساته، ومن خلاله يريد أن يريد أن يربي حكام الكرة الأرضية. نشر صورة مادورو وهو أسير على متن حاملة الطائرات الأميركية إيو جيما يوم السبت. مادورو مرتدياً "بيجامة" ماركة عالمية، مع ما يبدو أنه سماعات رأس ونظارة شمسية داكنة على عينيه. كما يظهر الزعيم الفنزويلي ممسكاً بقنينة ماء، ومكبّل اليدين، وسرعات ما تحولت البيجامة إلى اتيكيت أو ترند. ولم تنته القصة هنا، المشهد الأكثر ضراوة تمثل في مقطع فيديو يظهر استعراض القوة الأميركية لنقل مادورو بسيارة مفتوحة عبر شوارع نيويورك، برفقة شرطة مدججة بالسلاح، والمارة يتفاعلون مع موكب نقله، ويصورون العربة أثناء سيرها. كأن ترامب بذلك، وعلى طريقة اللبنانيين، يوزع البقلاوة في شوارع نيويورك، أو كأنه الميليشيا التي تضع جثة الخصم على غطاء السيارة وتدور بها في الشوارع في استعراض بدائي، أو كأن القضية مسألة شخصية بين رجل "الكاوبوي" و"اليساري" في أميركا اللاتينية. ووصف بعضهم المنظر بأنه المشهد العالمي الأكثر إذلالاً، حيث تم كشف الشاحنة التي تنقل الرئيس المختطف إلى مقر سجنه وتصويره للصحافة كنوع من التباهي بالاعتقال، مؤكدين أن موكب النقل كان استعراضاً للقوة ومذلا للخصم، وهذه ليست سلطة تنفيذ القانون بل "مافيا تتقن الاستيلاء والجريمة والعربدة".
وباستعراض قوة أميركية، نقلت قوات إدارة مكافحة المخدرات مادورو إلى مقر المحكمة الفيدرالية، في مشهدية حملت رسائل للعالم بأسره، إلا أن وقعها الأكبر دوى بطبيعة الحال في أميركا اللاتينية. واستبق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصورة الآتية من نيويورك بتهديد صريح لكولومبيا من على متن طائرته الرئاسية، حيث وصف الرئيس غوستافو بيترو بالرجل السيء، بعدما كان وصفه في وقت سابق بتاجر المخدرات. ووصف كوبا بالدولة الفاشلة، مضيفاً أنه غير راضٍ عن فلان وفلان.
والمضحك أن جزءاً من الصحافة الأميركية العريقة أشار إلى استعراضات مادورو المتكررة للرقص، قبل اعتقاله، بوصفها أدت دوراً في قرار ترامب إزاحته من السلطة. ففي سلسلة من المناسبات العامة، استعرض مادورو مهاراته على أنغام موسيقى إلكترونية تتضمن اقتباساً من أحد خطاباته التي حث فيها ترامب على عدم شن "حرب جنونية". وفي محاولة واضحة لإظهار القوة، ظهر الرئيس الفنزويلي، أيضاً، في شاشة التلفزيون وهو يرقص "السالسا"، ويغني أغاني من بينها "تخيل" لجون لينون، و"لا تقلق كن سعيداً" لبوبي مكفيرين. وبحسب التقارير، لم يُعجب ترامب بهذا الأمر، وذكرت "نيويورك تايمز" أن "رقص مادورو العلني المتكرر وغيره من مظاهر اللامبالاة، أسهما في إقناع بعض أعضاء فريق ترامب بأن الرئيس الفنزويلي يسخر منه، ما دفع البيت الأبيض إلى تنفيذ تهديداته العسكرية.
