في زاوية هادئة من العالم، حيث يلتقي ضباب الماضي بحيرة الحاضر، يقف رجل يحمل كاميرته كمرآةٍ لكينونةٍ مشتتة. هو أمير فخر الدين، ليس مجرد مخرج سينمائي، بل رحّالة وجودي يحمل جواز سفر من اللا مكان. وُلد في كييف عام 1991، في اللحظة التاريخية ذاتها التي كان فيها الاتحاد السوفياتي ينهار، كأن القدر يكتب سيرته منذ البداية: الولادة في الانهيار. ثم عاد مع والديه إلى الجولان السوري المحتل، تلك البقعة الجغرافيّة التي تعيش في حالة انتظارٍ دائم، حيث الوطن حاضرٌ بوصفه غياباً، والحدودُ سِجْنٌ مرئي.
من هذه التربة المعقدة، حيث الهوية سؤالٌ مؤلم والانتماء حالة متحركة، انبثقت سينما فخر الدين. بدأ من قصاصات الواقع المرير في فيلمه القصير "بين موتين"، لينتقل إلى صدمة الاغتراب الداخلي في فيلمه الروائي الأول "الغريب"، الذي مثل فلسطين في ترشيحات الأوسكار وحصد جوائز عالميّة، ليضع اسمه في خريطة السينما العالميّة كصوتٍ عربيٍ فريدٍ. ثم جاءت رحلته الأكثر عمقاً مع فيلمه الأخير "يونان"، الذي دخل في المسابقة الرسميّة لمهرجان برلين السينمائي (البرليناله) عام 2025، ليحصد بعدها جائزة النقاد العرب للأفلام الأوروبيّة في مهرجان الجونة، ويفوز بجوائز التمثيل في مهرجاني هونغ كونغ وروتردام، مؤكداً أن صوته لا يخاطب الجغرافيا وحسب، بل الوجدان الإنساني الكوني.
لكن من هو الرجل الذي يختفي وراء هذه الكاميرا؟ كيف تتحول شظايا حياته - المنفى، الحدود، الذاكرة الهاربة - إلى لغة بصريّة تهمس بالشعر وتصرخ بالوجود؟ وكيف يستطيع أن يوفق بين كثافة المتنبي البلاغيّة وصوفيّة تاركوفسكي البصرية؟ في هذه المقابلة، نغوص مع أمير فخر الدين في أعماق تجربته. نستمع إليه وهو يحكي عن اللحظة التي اكتشف فيها قوة الصورة في صالة سينما صغيرة في يافا، وعن الطريقة التي يحوّل بها غياب الأب والأرض إلى شخصيات سينمائية صامتة، وعن سر البطء في أفلامه الذي لا يملّه المشاهد، بل يأسره.
هنا، في هذا الحوار، رحلة فنان يصر على أن "السينما فعل معرفة، وفعل مقاومة روحيّة". يكتب عن العاصفة الحقيقية التي غيرت مسار تصوير "يونان"، وعن لقائه المؤثر بأيقونة السينما الألمانية هانا شيجولا التي كانت لاجئةً مثله، وعن سؤاله المركزي: ماذا يحدث إن نسيَنا الماضي؟
-
ولدتَ في كييف لأبوين من الجولان السوريّ المحتل، وعشت جزءاً من حياتك في ألمانيا. البيئة التي نشأت فيها هي حالة وجوديّة معقدة من الغياب الجغرافي والسياسي والثقافي. كيف شكلت هذه التجربة اللامركزيّة سينماك التي تتناول دوماً سؤال المكان والهوية والانتماء؟ وكيف تحول الاغتراب المركب إلى لغة بصريّة نراها في "بين موتين" و"الغريب"؟
ولادتي في كييف ثم عودتي إلى الجولان ثم العيش في أوروبا، صنعت داخلي وعياً مبكراً بأن الهويّة ليست مكاناً ثابتاً. وُلدت في لحظة انهيار سياسيّ كبير، انهيار الاتحاد السوفياتي، وهذا الحدث شكّل عندي صورة مبكرة لكل ما يسقط قبل أن نمتلك لغة لتسميته. نشأتي قرب حدود مغلقة جعلت الوطن حاضراً بوصفه غياباً دائماً. هذا الغياب لم يكن فراغاً، بل ضغطاً نفسياً مستمراً، وهذه التجربة صاغت سينما ترى الهويّة كحالة متحركة. الصورة عندي تحمل ثقل الغياب وتحوله إلى حضور نفسي دائم، والاغتراب المركب هذا تحوّل إلى لغة بصريّة لأن الصورة قادرة على حمل التناقض من دون تسويته. فلو لاحظت في أفلامي; المكان يضغط على الشخصيات ويشكّل وعيها ويكشف هشاشتها.
-
يبدأ فيلمك "يونان" بقصيدة المتنبي، كيف بدأت علاقتك بشعر المتنبي؟ وفي الوقت نفسه، تبدو سينما تاركوفسكي النقيّة والبليغة جليّتاً في أعمالك. كيف توفق بين الكثافة البلاغيّة في الشعر العربيّ الكلاسيكيّ وبين الصوّرة في السينما الشعريّة الأوروبيّة؟ وهل ترى في هذا التزاوج أسلوباً لتحديث السرد السينمائيّ العربيّ؟
بدأت علاقتي بالمتنبي في البيت قبل أن تبدأ في الكتب. أبي طبيب في مهنته، وشاعر في روحه. الشعر كان جزءاً من الحياة اليومية، جزءاً من التربية الوجدانية، وطريقة لفهم العالم والذات. من خلاله تعلّمت أن اللغة فعل بقاء، وأن الكلمة قادرة على حمل الإنسان عبر القطيعة والخسارة والاقتلاع. المتنبي وصلني بتاريخ ثقافي حيّ، وأعطاني إحساساً بالاستمراريّة في عالم يقوم على الانقطاع.
شعر المتنبي علّمني أن البلاغة ليست زينة لغويّة، بل موقفاً من الوجود. قصيدته تقف في مواجهة الزمن، وتطالب بالكرامة، وتكشف التمزق الداخلي للذات التي تعيش في عالم مضطرب. هذا الوعي بالذات الجريحة والحاملة لتاريخها انتقل معي إلى السينما. أبيات المتنبي في بداية أفلامي تؤسس لمناخ روحيّ، وتضع الإنسان في مواجهة نفسه قبل أن تبدأ الحكاية. أقول من خلاله إن الفيلم يبدأ من جرح له تاريخ، ومن لسان يرفض أن يُختزل في الحاضر.
أما تاركوفسكي، فقد علّمني معنى آخر للغة. علّمني أن الصورة تملك القدرة على أن تكون فكراً دون خطاب، وأن تكون روحاً دون تزيين. إذا كان المتنبي يمنحني كثافة البلاغة، فإن تاركوفسكي يمنحني اقتصادها. المتنبي يضغط المعنى حتى يصبح مثل حجر. تاركوفسكي يترك المعنى يتسرّب ببطء حتى يصير مثل ماء. أنا أحتاج الاثنين لأن تجربتي نفسها خليط من ضغط وذوبان. أحتاج البلاغة لأنني آتي من ثقافة قاومت عبر اللغة قروناً. وأحتاج الصمت لأنني عشت في واقع سياسيّ يجعل الكلام نفسه مراقباً ومهدداً ومستهلكاً.
التوفيق بينهما لا يأتي عبر الزخرفة، بل عبر الوظيفة الروحيّة. أستعمل الشعر كي يضبط حرارة الفيلم من البداية. الشعر يحدد النبرة الأخلاقيّة. ثم تتسلم الصورة المهمة. الصورة تصبح المكان الذي تُختبر فيه تلك النبرة في الجسد والوقت والفضاء. هنا يتحول الشعر من نص يُقال إلى طاقة تُرى. وهنا تتحول السينما من سرد إلى تجربة.
أما عن تحديث السرد السينمائي العربي، فأرى أن التحديث الحقيقي لا يأتي من تقنيات جديدة فحسب. يأتي من إعادة امتلاك الحق في الأسلوب. يأتي من تحرير الفيلم من فكرة أنه يجب أن يشرح نفسه لكي يكون مفهوماً. الثقافة التي عاشت تحت العنف السياسي الطويل تحمل داخلها خوفاً من الغموض، وخوفاً من الصمت، وخوفاً من التأمل. بينما الروح العربيّة الكلاسيكيّة تحمل في عمقها قابلية عالية للتأمل، وللمجاز، وللأسئلة التي لا تبحث عن إجابة فوريّة. لذلك أرى هذا التزاوج كفعل استعادة. استعادة حقنا في أن نحلم بصوتنا، وأن نرى العالم بإيقاعنا، وأن نسمح للصورة أن تعمل داخل المتفرج بدل أن تزوّده بخلاصة جاهزة.
المتنبي عندي ليس مرجعا أدبياً فحسب. هو شكل من أشكال المقاومة الثقافيّة. وتاركوفسكي عندي ليس تأثيراً أسلوبياً فقط. هو مدرسة في الصدق الروحيّ. وبينهما أحاول أن أبني سينما تتعامل مع الإنسان ككائنٍ تاريخيّ مكسور، وتتعامل مع الجمال كمسؤولية، وتتعامل مع الذاكرة كحقلِ صراع.
-
كيف ومتى حدث لقاؤك الأول مع الصورة السينمائية وما أثر هذا اللقاء في أعمالك؟
غياب صالات السينما الكبيرة دفعني إلى البحث في الأفلام عن معنى يتجاوز الشاشة. أول صدمة حقيقية جاءت في صالة صغيرة في يافا عند مشاهدة فيلم "المغامرة" لأنطونيوني. في تلك اللحظة فهمت أن الصورة قادرة على نقل الإنسان إلى عوالم أخرى، وأن الفيلم يمكن أن يكون مرآةً للروح وحالة وجود كاملة. هذا اللقاء غيّر علاقتي بالعالم. الصورة علّمتني الإصغاء قبل الكلام، والمراقبة قبل التفسير. صرت أرى أن الزمن في السينما مادة ملموسة، وأن اللقطة قادرة على احتضان تاريخٍ كامل داخل لحظة واحدة. من هنا تشكّل وعيي السينمائيّ بوصفه بحثاً عن الأثر لا عن الحدث، وعن التحوّل الداخليّ لا عن الحركة الخارجيّة.
أعمالي تأثرت بهذا الاكتشاف منذ البداية. صرت أتعامل مع السينما كمساحة اختبار للذاكرة والهويّة والجسد. الصورة عندي تحمل توتر التجربة الإنسانيّة وتسمح لها بأن تظهر ببطء. هذا اللقاء الأول جعلني أؤمن بأن السينما فعل معرفة، وفعل مقاومة روحيّة، وطريقة لرؤية الإنسان وهو يواجه الزمن وجهاً لوجه.
-
يتحدث البعض عن الإخراج كعمليّة إدارة للإبداع وعن المونتاج كعمليّة نحت أو حياكة في الزمن وصناعة للخيال. أنت تكتب وتخرج وتحرر أفلامك بنفسك. ما هو الإيقاع الداخلي الذي تبحث عنه في مونتاج أفلامك البطيئة؟ وكيف تقيم المعادلة بين رغبتك في البطء كموقفٍ جماليٍّ وأخلاقيّ، وبين إبقاء المُشاهد منخرطاً في التجربة البصرية؟
الإخراج عندي هو تنظيم الطاقة الداخلية للفيلم، والمونتاج هو المكان الذي أستمع فيه إلى نبضه الحقيقي. الإيقاع الذي أبحث عنه يشبه التنفّس البشري، تمدّد وانكماش، حضور وغياب، لحظة تتقدّم وأخرى تتريّث. هذا الإيقاع يولد من داخل الصورة ومن علاقة الجسد بالزمن، لا من منطق الحكاية. البطء بالنسبة لي موقفٌ جماليّ وأخلاقيّ لأنه يمنح الإنسان حق الوجود الكامل داخل الكادر. البطء يفتح مساحة للتأمل ويعيد للزمن وزنه الحقيقي. انخراط المشاهد يأتي من التوتر الداخلي، من الشعور بأن شيئاً جوهرياً يتشكّل تحت السطح. الصورة تبقى حيّة لأنها تطلب من المتفرّج مشاركة حسّية وفكريّة، لا متابعة سريعة. بهذه المعادلة يتحوّل البطء من إيقاع شكليّ إلى تجربة عميقة يعيشها المشاهد من الداخل.
-
عُرف الجولان في سينماك، بدءاً من "بين موتين" وصولا إلى "الغريب"، ليس كموقع جغرافي فحسب، بل كحالة نفسيّة وجرحٍ مفتوح. تتحول الأرض هناك إلى شخصية صامتة وحاضنة للأسرار. كيف تعاملت مع تصوير الوطن بوصفه كيان غائب حاضر، وكيف تجنبت الوقوع في فخ التصوير الفولكلوري أو الرومانسي لمأساة المكان؟
الجولان في أفلامي حاضرٌ بوصفه أثراً نفسياً قبل أن يكون مساحة مرئيّة. الأرض هناك تحمل ذاكرة صامتة، وتؤثر في الشخصيات كما يؤثر الجرح غير الملتئم. تعاملت مع الوطن كقوة كامنة تشكّل السلوك والنظرة والإيقاع الداخليّ للحياة اليوميّة. الحضور يأتي عبر التفاصيل الصغيرة، عبر الصمت، عبر علاقة الجسد بالفضاء، وعبر الزمن الذي يمرّ ببطء فوق المكان. اختياري كان دائماً الانطلاق من التجربة الإنسانيّة المباشرة. الحياة اليوميّة تكشف ثقل المكان دون حاجة إلى زخرفة. الصورة تلتقط التعب والانتظار والعزلة بدل استعراض الرموز. بهذا النهج تحوّلت الأرض إلى شخصية صامتة تحفظ الأسرار وتراقب البشر. الوطن يظهر كحالة نفسيّة مستمرة، كشيء يسكن الإنسان ويؤثر في وعيه. ويظل الجولان حاضراً حتى عندما يغيب عن الصورة، كما في "يونان".
-
في صورك ظل لتراثٍ سينمائيٍّ عريض، الإيقاع الهادئ والتأمُّل في الفراغ والطبيعة والشعور العميق بالوحدة يذكُرنا بالمخرج التركي نوري بيلغي جيلان، وحِسُّكَ المأسويُّ تجاهَ الشخصيات العالقة في مصائر فرديةٍ يحيل إلى تشيخوف. ولكنْ يبدو أنَّ هناك أصواتاً أُخرى، ربما أقل وضوحاً، تتخفَّى في زوايا مَشاهدِكَ. منْ هُم أولئك المُلهمون الخفيون من شعوب السينما أو الآداب أو الفنون، الذين ساهموا في صياغةِ لغتك البصريَّة وشخصياتك المأزومة بِغربتها الوجوديّة؟ وكيف تحوَّلتْ هذه التَّأثّرات المتنوعة إلى نسيجٍ واحدٍ متماسكٍ يحمِلُ بصمتك الخاصَّة؟
لغتي البصرية تشكّلت من تراكم طبقات معرفيّة وجماليّة جاءت أولاً من الأدب، ثم من السينما، ثم من الفنون الأخرى. الأدب يقود عملي أكثر من أي وسيط آخر. فبعد المتنبي، أعود باستمرار إلى أبي العلاء المعرّي بسبب وضوحه القاسي ونظرته الأخلاقية إلى الوجود. أعود إلى ابن عربي بسبب خرائطه للعالم غير المرئي وقدرته على تحويل التجربة الروحيّة إلى فضاءٍ حي. أستحضر أبا فراس الحمداني لما يحمله من كرامة الألم، وابن خفاجة لعزلته الحميمة، والحلاج لشجاعته في الذوبان داخل الحقيقة. من أفق آخر، شكّل الأدب الروسي رفيقاَ دائماَ. أندريه بلاتونوف علّمني رؤية الحنان الكامن داخل الخراب. إيفان بونين صاغ إحساسي بالمنفى كحالة داخليّة طويلة. أوسيب ماندلشتام وآنا أخماتوفا منحاني وعياَ بثقل الذاكرة الأخلاقيّة. بوريس باسترناك كشف لي العلاقة العميقة بين الطقس والروح، وكيف يمكن للطبيعة أن تكون امتداداَ للحالةِ النفسية.
في السينما، هناك حضور واضح لبريسون في الانضباط الأخلاقي للصورة، وبيلا تار في التعامل مع الزمن بوصفه قدراً، وبيرغمان في مواجهة الشخصيات مع العزلة والأسئلة الوجوديّة. هذه التأثيرات تلتقي مع ما يُلاحظ في أنه قريب من نوري بيلغي جيلان في الإيقاع والتأمل، ومع تشيخوف في الحس المأسويّ تجاه المصائر الفرديّة. والرسم بدوره شكّل علاقتي بالصورة. رأيت في إسحاق ليفيتان أن الأفق قادر على حمل شعورٍ إنسانيٍ كامل. كذلك هامرشوي وهندسة السكون، وأن الصمت يملك حجماً. من هنا تعلّمت بناء الفضاء السينمائي عبر التكوين والضوء والفراغ بدل الاعتماد على الكلام. قبل كتابة أي سطر، أستمع. الإيقاع يصلني قبل الحكاية. الموسيقى تشكّل البنية الداخليّة للعالم الذي أبحث عنه. باخ وبراهامز، التسجيلات القديمة لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وصوت فيكتور تسوي، كلها مصادر تبني العمارة الشعوريّة للفيلم قبل أن تتجسد في صورة. هذه التأثيرات المتنوعة تتحول إلى نسيجٍ واحدٍ عندما تمر عبر تجربتي الشخصية مع المنفى والذاكرة والانتظار. ما يجمعها هو سؤال الإنسان في مواجهة الزمن والمكان والعزلة. من هذا السؤال تتشكّل لغتي البصريّة، لغة تسعى إلى تحويل الصورة إلى امتداد لحالةٍ داخلية، وإلى جعل السينما فضاء للتأمل الوجودي لا لاستعراض المرجعيات.
-
إذا كان "الغريب" يتناول قصة من لا يستطيع مغادرة أرضه، فإن "يونان" يحكي قصة من لا يستطيع العودة إليها. ما هو التحدي الفني الأكبر في هذه النقلة من تصوير الغربة الداخلية ضمن الجغرافيا المألوفة، إلى تصويرها في فضاء المنفى والاغتراب اللغوي والثقافي الكامل؟ وكيف أثر انتقالك للسكن إلى هامبورغ في هذه الرؤية؟
الانتقال من "الغريب" إلى "يونان" نقل السؤال من مكان يعرف الجسد فيه إيقاعه إلى فضاءٍ يفرض إيقاعاً جديداً على الجسد واللغة والذاكرة. التحدي الفني تمثّل في تحويل الغربة من حالة نفسية داخل جغرافيا مألوفة إلى تجربة وجوديّة كاملة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم. في "الغريب" تتسرّب الغربة عبر التفاصيل اليومية. في "يونان" تتجسّد الغربة كحالة شاملة تمسّ الكلام والحركة والزمن. فالصورة هنا تحمل عبء التعبير بدل اللغة، والإيقاع يصبح وسيلة لفهم التصدّع الداخلي كما ذكرت سابقاً. حقيقة، العيش في هامبورغ عمّق هذه الرؤية. المدينة البحريّة أدخلت البحر بوصفه زمناً مفتوحاً وطبيعة مختلفة عمّا عرفته في نشأتي الجبليّة. هذا التحوّل انعكس على الفيلم كبحث عن إيقاع يتشكّل من احتكاك الجسد بفضاءٍ واسع. المنفى يخلق وعياً جديداً بالمسافة وبالزمن، ويحوّل السينما إلى أداة إصغاء لما يتغيّر في الداخل مع تغيّر الجغرافيا.
-
في "يونان" اشتغلت مع أيقونة السينما الألمانيّة هانا شيغولا. كيف ساعدتك تجربتها الحياتيّة (كونها لاجئة سابقة أيضاً) في بناء شخصية فاليسكا، المرأة العجوز التي تمنح البطل المتشكك لحظة من الأمل الإنساني الخالص؟ وهل ترى في هذا التعاون استعارة لمقاومة عوالم التهميش عبر الفن؟
هانا شيغولا ممثلة غنية عن التعريف. العمل معها كان أكثر كلقاء خبرات إنسانيّة قبل أن يكون تعاوناً في التمثيل. تجربتها الحياتيّة بما تحمله من انتقال واقتلاع وذاكرة زمنيّة عميقة منحت شخصية فاليسكا صدقاً هادئاً. حضورها الجسدي وصمتها وطريقة إصغائها للحظة جعلت الأمل يظهر كفعلٍ إنسانيّ بسيط ينبع من المعايشة لا من الخطاب. فاليسكا تمنح البطل لحظة توازن لأن حياتها نفسها تحمل أثر النجاة والانتظار. وهذا التعاون يعبّر عن مقاومة عبر الفن تقوم على الاعتراف بالهشاشة وتحويلها إلى قوة حضور. خلق العمل معها مساحة تلاق بين ذوات عاشت التهميش ووجدت في التعبير الصادق طريقاً للاستمرار. هكذا أصبح لقاءنا بمثابة استعارة حيّة لإمكانية بناء معنى مشترك عبر الذاكرة والوقت والإنصات.
-
الماء والضباب والعاصفة والأرض التي تختفي تحت البحر ثم تظهر من جديد، كلها فاعلة في الحدث الدرامي في أفلامك وليست ديكوراً. كيف تتعامل مع الطبيعة كشريك في السرد وليس كخلفية؟ وكيف استطعت تصوير تلك العاصفة التاريخية في "يونان" كحدث حقيقي وجرى تكييف جدول التصوير معه، وكيف أثر ذلك على مسار الفيلم العاطفي؟
الطبيعة في أفلامي تؤدي دوراً سردياً كاملاً. الماء والضباب والعاصفة والأرض المتحوّلة تحمل إيقاع الشخصيات وحالتها الداخليّة. أتعامل مع الطبيعة كقوة زمنيّة وأخلاقيّة تكشف هشاشة الإنسان وتضعه في مواجهة إيقاع أكبر منه. الصورة تُبنى بحيث تسمح للطبيعة بأن تقود المشهد وتعيد ترتيب العلاقة بين الجسد والفضاء. في يونان جاءت العاصفة كحدث واقعي فرض حضوره. تكيّف جدول التصوير مع إيقاعها، وصار العمل إصغاءً لما يحدث خارج السيطرة. هذا الاختيار منح الفيلم توتراً جسدياً مباشراً. العاصفة عمّقت المسار العاطفي ورفعت الإحساس بالخطر والانتظار. الطبيعة هنا دفعت السرد إلى ذروة شعوريّة صادقة وجعلت التحوّل الداخلي ملموساً عبر التجربة الحسيّة للزمن والطقس.
-
أنت كاتب سيناريو ومخرج. بدأت مشروعك الثلاثي "الوطن" من فكرة فلسفيّة ووجوديّة. حدثنا كيف بدأ المشروع؟ وهل الكتابة لديك هي محاولة لإعطاء الشكل الفكري حساسيّة بشريّة، أم أنها عملية استكشاف؟ وهل توافق على أن سينماك هي "سينما المؤلف"؟
بدأ مشروع الثلاثيّة هذا كسؤال وجودي عن علاقة الإنسان بالمكان والزمن والذاكرة والحنين. انطلق من رغبة في فهم ما يحدث للذات حين تصبح الأرض فكرة أكثر منها واقعاً، وحين يتحول الانتماء إلى تجربة داخليّة طويلة. الأفلام الثلاثة تتبع مسار هذا السؤال عبر حالات مختلفة، من الثبات القسري إلى الرحيل، ثم إلى البحث عن معنى الاستمرار. الكتابة عندي عملية استكشاف قبل أن تكون بناء نظرياً. أكتب لأصغي لما يتحرك في داخلي، ثم أبحث عن شكل يمنح هذا الإحساس جسداً إنسانياً ملموساً. الفكرة لا تأتي مكتملة، بل تتكشف عبر الزمن والصورة والإيقاع. الكتابة تفتح الطريق، والإخراج يختبر صدق هذا الطريق في الواقع. أرى عملي ضمن إطار سينما المؤلف بوصفها تحمّلاً كاملاً للمسؤولية الفنيّة والأخلاقيّة. كل قرارٍ بصريٍّ وإيقاعيٍّ ينبع من رؤية واحدة تسعى إلى تحويل التجربة الشخصية إلى لغة إنسانيّة مشتركة. هذه السينما تقوم على الحضور، وعلى الإصغاء، وعلى الثقة بأن الصورة قادرة على التفكير والشعور في آن واحد.
-
كيف ترى مستقبل السينما السوريّة؟ وكيف يمكننا أن نحدد فيلماً ما على أنه فيلمٌ سوريّ؟ وهل تعتقد أن تجربتك الشخصية (الجولان، التمويل الدولي، الترشح عن فلسطين) تقدم نموذجاً ملهماً لسينمائيين عرب شباب يعيشون في شتاتهم الخاص، للخلاص من قيود الجغرافيا والتمويل المحلي؟
مستقبل السينما السورية أراه مرتبطاً بالحساسيّة الفرديّة وبالقدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى لغة إنسانيّة عامة. السينما تنمو حين تبتعد عن القوالب الجاهزة وتقترب من الإنسان في تعقيده اليومي. ما يمنحها القوة هو الصدق في النظر، والجرأة في الشكل، والالتزام بالأسئلة الكبرى التي يعيشها الناس.
تحديد الفيلم السوري لا يرتبط بالجغرافيا وحدها، بل بزاوية الرؤية وبالعلاقة مع الذاكرة واللغة والزمن. الفيلم يصبح سورياً حين يحمل أثر تجربة تشكّلت في هذا السياق التاريخي والثقافي، وحين ينطلق من سؤال إنساني نابع من هذه الأرض، حتى لو صُوّر في مكان آخر وبتمويل عابر للحدود.
تجربتي الشخصية تنبع من الجولان وتعكس واقع جيل يعيش في فضاءات متعدّدة. هذه التجربة تبيّن إمكانية بناء مسارٍ سينمائيٍّ مستقل يقوم على الصوت الشخصي والاختيار الواعي للشركاء. السينما هنا تتحرر من قيود الجغرافيا الضيقة عبر وضوح الرؤية، وتتحرر من قيود التمويل المحليّ عبر الثقة بأن القصة الصادقة تجد طريقها. هذا المسار يفتح أفقاً لسينمائيين عرب شباب كي يصنعوا أفلامهم من موقعهم الخاص، ويحوّلوا الشتات إلى مساحة إنتاج لا إلى عائق.
الترشح باسم فلسطين في سباق جوائز الأوسكار عن الفيلم "الغريب" الذي يعتبر فيلم جولاني سوري كان بمثابة حضنٍ دافئ أعتز به دائماً.
-
في "يونان"، يسأل البطل: "ماذا يحدث إن قام الماضي بنسياننا؟" الفيلم برمته يبدو كمحاولة للإجابة على هذا السؤال الوجودي. من خلال رحلتك السينمائيّة، هل وجدت إجابة مؤقتة؟ وهل ترى في الفن عامة، والسينما خاصة، شكلاّ من أشكال المقاومة الوجوديّة ضد النسيان واللامعنى، أم أنها مجرد توثيق لهذا الصراع الذي لا ينتهي؟
سؤال الماضي الذي ينسى الإنسان هو سؤال عن فقدان المعنى قبل فقدان الذاكرة. في "يونان" يتحوّل هذا السؤال إلى تجربة معاشة، حيث يشعر البطل بأن الزمن يتقدّم من دونه، وأن ما عاشه مهدّد بالذوبان. خلال رحلتي السينمائية وصلت إلى قناعة مؤقتة مفادها أن الماضي لا يختفي، بل يغيّر شكله. ما ينجو منه لا يكون الوقائع، بل الأثر. الإحساس، الجرح، والندبة التي تواصل تشكيل الحاضر. فالألم بنظري، يقود إلى محو الذاكرة وتشويهها.
الفن، والسينما بشكل خاص، يعملان بوصفهما فعل حضور. الصورة تمنح شكلاً لما يصعب الإمساك به. تمنح وزناً للزمن الذي مرّ، وتعيد إدخاله في الحاضر بوصفه تجربة حيّة. السينما تتحوّل هنا إلى مساحة مقاومة وجودية، لأنها ترفض الذوبان الكامل في النسيان، وتمنح الإنسان إمكانية رؤية أثره في العالم، ولو للحظة. هذا الفعل لا يقدّم خلاصاً نهائياً، لكنه يخلق معنى مؤقت يسمح بالاستمرار. في هذا المعنى، أؤمن ان السينما ليست توثيقاً للصراع فقط، بل مشاركة واعية فيه، ومحاولة دائمة لمنح الذاكرة شكلاً قابلاً للحياة.
-
كيف نصنع عملاً يصحُّ لأي زمان وأي مكان، عمل يصمد في وجه الزمن ويلامس أي إنسان؟
العمل الذي يصمد في أي زمان ومكان يبدأ من تجربة إنسانية صادقة. الصدق يمنح التفاصيل وزنها ويجعلها قابلة للانتقال بين الثقافات. حين ينطلق العمل من خوف حقيقي، أو رغبة عميقة، أو وحدة معيشة، يصبح قريباً من أي إنسان مهما اختلف السياق. فالزمن يُواجَه عبر الدقة لا عبر الضخامة. اختيار لحظة بسيطة والذهاب بها إلى أقصاها يخلق أثراً طويل الأمد. الشكل الصادق يحمي المعنى من الاستهلاك، ويمنح العمل قدرة على الاستمرار. عندما يحترم الفيلم ذكاء المشاهد ويترك له مساحة للتأمل، يتحول إلى تجربة تتجاوز لحظتها، وتبقى حيّة في الذاكرة.
-
إذا افترضنا أنك حصلت على تمويل مفتوح وحرية تامة، ما العمل الذي ستصنعه؟
كنتُ سأقول إنني لا أبدأ من سؤال عمّا سأصنعه، بل من سؤال عمّا يطالبني بأن أكون صادقاً معه. فتجربتي تنطلق من مكان آخر. العمل يتكوّن عندي عندما يفرض سؤاله الخاص، وعندما يطلب شكله وإيقاعه وضرورته. ما أصنعه يتحدّد بالحاجة الداخلية لا بالظروف الخارجية.
مشروعي القادم يتشكّل من الإصغاء لما يتحرّك في العمق، من أثر زمني، من صورة تطلب الوجود، من حالة إنسانية تريد أن تُرى. السينما عندي فعل اكتشاف مستمر، ومسار يتكوّن أثناء السير فيه. الحرية الحقيقية تأتي من الالتزام بالسؤال، ومن الصدق مع الإحساس الأول، ومن الثقة بأن الفيلم يعرف طريقه حين يُترك لينمو وفق إيقاعه الخاص.
(*) يعرض فيلم يونان" في صالة ميتروبوليس في بيروت يوم 8 كانون الثاني الجاري
