عندما ترى بقلبك من علاج المسافة إلى محوها

سوزان المحمودالاثنين 2026/01/05
Image-1767566943
هل يمكن حقاً محو المسافة بين الكلمة واللون
حجم الخط
مشاركة عبر

يقام في غاليري آرت كونسيبت وفي بيت جمبشير بالمحرّق ضمن "ليالي المُحرّق" في البحرين، معرض للفنان السوري السويسري دلدار فلمز بعنوان "محو المسافة بين الكلمة واللون". المعرض مبني على قراءة لأحد الأعمال الشهيرة للشاعر البحريني قاسم حداد، وهو ديوان شعري بعنوان "علاج المسافة". أول ما يخطر في ذهن المتلقي، هل يمكن حقاً محو المسافة بين الكلمة واللون؟ وكيف يتم علاج المسافة بينهما؟ عنوانان يحرضان على التساؤلات، أين وكيف يتقاطع عالما الشعر والفن التشكيلي، أين وكيف تتقاطع الكلمة واللون، هل هما متداخلان بطريقة أو بأخرى، أيهما أسبق في الوجود، وما مدى قربهما وبعدهما عن الصورة أو كيف يجسدانها (الحسية والذهنية)، وربما ما هو الفاصل بين الحسي والذهني أو هل هناك مسافة بينهما؟ وما مدى علاقة الصورة (التشكيل) بالقراءة، فيما يلي  قراءة متأرجحة بين عالمي فلمز في معرضه الأخير وكتاب حداد الشعري.   

Image-1767567221


يقول فلمز إن الأعمال التشكيلية المقدّمة في هذا المعرض مستوحاة من "علاج المسافة"، أي بشكل أو بآخر يقوم الفنان التشكيلي هنا، وهو شاعر وناقد أيضاً، بتقديم قراءة تشكيلية للنصوص الشعرية، لكنه لا يحاول تقديم تفسير بصري حرفي للنص الشعري بل يحاول ربما أن يعيد تشكيل أثر هذا النص في وجدانه، أي يقدم قراءته الخاصة للكتاب الشعري. وفلمز وحداد لا يغفلان عن هذا الأمر، إذ كانت لهما تجارب سابقة حول هذا الموضوع مع آخرين. حداد الشاعر العاشق للفن التشكيلي، يكاد ينطبق حديثه عن الشعر على التشكيل أيضاً، يقول في كتابه "رشيق كالوقت ولا بيت له": "كلما بدأتَ في الكتابة، دَعْ المخيلة تقودكَ إلى الصور، منجم الصور وآباره العميقة هي مصدرك لاكتشاف ملامح الأفق الذي تذهب إليه، فيما تتقدّم بصنيعك الفني، فليس فناً من يفرّط في مكتشفات الصور وكشفها والتحريض على ابتكارها، ليس أثناء الكتابة فحسب، ولكن أثناء القراءة، وهنا بالذات يبدأ الاجتراح الجديد لدى مبدعي الحداثة المعاصرة، حيث يشكل فعلُ القراءة المنتجة سلوكاً تكوينياً في إنشاء الأدب والفن الحديثين. لا أن تقترح صوراً جديدة على القارئ فحسب، ولكن أن تدربّه على أن يمارس الصنيع ذاته، كلما تقدم في نصك، هذا النص الذي لن يعود عملك أنت فحسب حين يبدأ الآخر في اكتشافه كقارئ فعال". فكيف سيكون الأمر إذا كان القارئ شاعر وفنان تشكيلي أيضاً، ربما هذا ما فعله فلمز كقارئ عاشق لأعمال حداد، الذي تصدى لنصوصه الشعرية كندّ بعد أن خمّرها داخل وجدانه، إلا أن فلمز لا يبتعد في تجربته هذه عن عوالمه الخاصة التي تصبح أكثر نضجاً في كل معرض جديد، بل يجعلها تمتص النصوص وتعيد انتاجها بعد تدجينها رغم بريتها الجامحة، حداد الذي يقول في نص زعفرانة البحر "رحيلٌ يضعُ أرواحنا في التجربة/ يعرّينا من حنين جامح/ رحيلٌ فادحٌ/ خلعنا له أجمل قمصاننا/لنجد أعضاءنا مستوحشة في وحدة الطريق/ في ملح جارح يؤجج الجراح/ متوغلاً في الخفيّ من أسرارنا "، ويقول: "نساؤنا يمزقنَ أسمالهن لئلا نذهب/ فنشدهن من قلائد أعناقهن لفرط الرحيل/نؤجل بهنَّ ليل الأسلاف"، ويقول: "ليس فينا من ينسى نسيانه/ ولسنا في الأسلاب/ نذهب في رحيلنا/ ونسمي أحلامنا تميمة السفر". ربما يتساءل المتلقي هل كان فلمز موفقا بعنونة معرضه "محو المسافة بين الكلمة واللون"؟ 

Image-1767567358


بينما يذهب "علاج المسافة" لحداد إلى الرؤية بالقلب شعرياً وفلسفياً ورؤيوياً، فالرائي القلبي البصير مختلف تماماً بتقديره للمسافة من الرائي العادي، يذهب "محو المسافة بين الكلمة واللون" لفلمز إلى محاولة إلغاء المسافة بينهما، وهذا أمر معقد للغاية (الحديث هنا عن العنوان)، إذ أنني أرى أن المسافة بينهما ضرورية لرصد جماليات الكلمة ضمن سياقها الشعري (الصورة الشعرية) وجماليات اللون ضمن سياقه في التشكيل. لكنهما بشكل ما مقيمان في ذات المقام ومفترقان أيضاً، إذ يشترك الشعر والفن التشكيل (الكلمة واللون) في أعلى درجات التجريد كما يشتركان في أعلى درجات التجسيد الحسي مثلاً يقول حداد في نص "ما لا يسمى": "عندما سُبلكَ أكثر من أقدامك/وأسلحتك في مزاد السماسرة"، كمثال لتجسيد يعتمد على التجريد، وفي التجسيد الحسّي الذي يتحول إلى تشكيل بصري مشغول بعناية.

 

يقول حداد في نص "ظلام عليك أيها الجبل": "قمصاننا تشيع الفتنة لجسدين في لذة السفر/ نغفل عن خيوطها المشاعة فنخسر قناديل الطريق/ مثل نجوم مدلَّاة في تجاعيد الوحشة/ تظن أنها السماء". وعن العمل الإبداعي وكيفية معالجته يقول حداد: "الصنيع الشعري شأن يتخلق بالعمل، والإخلاص فيه. لكأن الفعل في الشعر هو جوهر الشِعر وتجليه". كذلك التشكيل البصري الذي أنجزه فلمز مشغول بعناية مركزة، إذ تعيد اللوحات خلق نصوص تشكيلية ترحل بها إلى عوالم جديدة بعد قراءة إبداعية خلاقة، تعيد تأليف الحكاية بلغة بصرية خاصة مكثفة ورمزية، متشربة تجربة فلمز الحياتية والثقافية والإبداعية، في معرضه السابق في زيورخ قال سيمون مورير مدير متحف "هلمهاوس زيورخ" واصفاً أعمال فلمز: "في الحالة المثالية، تكون الروابط بين البشر سليمة، أما هنا فيتدفق التواصل بينهم عبر الخطوط السوداء التي تربطهم، التواصل مصنوع من المادة نفسها التي يتكون منها الإنسان. إنه شيء "إنساني" تماماً، كما لو أن البشر يتبادلون دماءهم من خلال هذا التواصل". ربما اللون الأسود الذي يستخدمه فلمز في رسم شخصياته يشبه حبر الكتابة، وربما ينطبق على ما وصفه مورير (دماء التواصل بين البشر). في عدد كبير من أعمال هذا المعرض قام فلمز في إعادة كتابة نصوص حداد الشعرية بخط يده مع رسوم رمزية تخص النص المكتوب على ورق أصفر كما في قصيدة رقصة الذئب وغيرها، وربما هذا ما قصده الفنان بعبارة "محو المسافة بين الكلمة واللون" إذ أن الأحبار هنا تكتب النص بينما يقوم اللون بتشكيل وبتجسيد ما يرمز له في ذهن الفنان في الوقت نفسه.

Image-1767567558

 وهذه التجربة قديمة في الفن التشكيلي السوري، ربما كان أول من عمل عليها الفنان الكبير فاتح المدرس منذ عقود طويلة أي مجاورة النص الشعري مع النص البصري (الرسم) في عمل فني واحد، لكن في بعض الأعمال الأخرى تحلق كائنات فلمز في عوالمها المبسطة وحيدةً وحيّة مع رمزيتها التي تشبه أعمال الإنسان القديم في رسم هواجسه الخفية ومشاهداته وتفاعله، قد نجد ما يشبه الحكاية، إذ نجد الإنسان مع الطبيعة وعناصرها مكثفون داخل فضاء اللوحة، وقد نجد الإنسان المعاصر كما كان سابقاً ودائماً وحيداً تماماً وحائراً أمام هشاشة وجوده، وقد نجد شخصين أو أكثر في اللوحة لكنهم فقدوا سُبل التواصل، خاصةً في بلادٍ كبلادنا لم ينجُ الإنسان فيها من الصراعات العنيفة المستمرة. قلق دائم وخوف وتهديد للجغرافيا وللتاريخ وللحياة الإنسانية في كل لحظة، كل هذا نجد ظلاله في أعمال فلمز، يقول حداد: "الأدب هو فن إدارة العواطف" لكن بالتأكيد ليس فقط العواطف وإنما أيضاً إدارة القلق والهواجس والمخاوف القديمة بالإقصاء والاستبعاد من البيئات الأصلية، حيث يحدث دائماً أن تقوم فئة قوية بالسيطرة وبإخضاع الآخرين بممارسات عنيفة مما يجعل البيئات المحلية غير آمنة وغير مستقرة، وبالتالي يشعر إنسانها بالتهديد النفسي والجسدي الدائم. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث