رغم أن صور السيلفي، تهطل على المواطنين مثل المطر، إلا أن اللقطات الهاربة من الكادر أكثر من أن تحصى. كأن الكاميرا تضل طريقها، في اللحظة التي يجب أن نضغط فيها على "الزووم إن"..
إنها دمشق، الكادر المتسع للتناقضات والتأويلات، تستطيع إهداءك شرائط احتمالية تصلح حكمة للتاريخ، وللتوثيق وتثبيت اللحظات التي لا يجب ألا تمر مرور الكرام.. فالعبور عبر ما كان يسمى حواجز النظام السابق، تعيد طبيعة العلاقة مع المكان للواجهة، هنا حيث الشريط الشائك، يحمل على أسنان الحديد المدبب، بقايا انتزعها أثناء عملية الهروب الكبير.. هناك ركوة قهوة وعظام قديمة، إلى جانب أحذية لجنود كانوا يقضون ليلهم ونهارهم في هذه الدشم..
إنه حاجز البحوث العلمية، حيث كان الموقع كتيبة للإشارة، فيها معدات حديثة وشاشات مراقبة، تعرضت جميعها للسرقة والإتلاف، فكانت خسارة للدولة المقبلة. مسافات كبيرة تتوزع على عدة غرف محفورة داخل جبل قاسيون، يمنع الاقتراب منها، لكن بقاياها فوق السطح، تحكي ماذا جرى بالداخل.
أثناء الصعود باتجاه سفح جبل قاسيون، تبدأ الأشياء المبعثرة بالظهور بشكل يبدو سريالياً مرةً، ومرات أخرى يدفع للتساؤل عن انتهاك كان بالإمكان تداركه، فقط بهدف حسن استثمار المكان ثانية..
من هنا، تظهر دمشق غارقة بالضباب والتلوث، لكن العشاق يعتبرون المشهد ملهماً، فيحرصون على الصعود، رغم تحذيرات الحراس بأن المنطقة عسكرية، وقيامهم أحياناً بإطلاق النيران في الهواء لتخويف الزوار حتى لا يعودوا ثانية. لكن ما تبقى من المنطقة العسكرية، ليس إلا ثياباً ممزقة وحرامات مهترئة وعلب كولا فارغة وزجاجات بلاستيك، لا يعرف أحد كيف تبخرت معدات كتيبة الإشارة، ومن تمكن من دخول الأنفاق داخل الجبل، حتى يسرق أشياء لن يستفيد منها في الحياة المدنية بشيء.
تفاجئك بقايا سروال جينز، قضت عاماً كاملاً على الأسلاك الشائكة، دون أن تغري أحد بسرقتها.. وإذا ما غامرت وتقدمت قليلاً ستتكشف التشققات العميقة في كتف الجبل، حيث تشير الدراسات الجيولوجية أنه مليء بالكهوف الخطيرة التي يمكن أن تنهار في أية لحظة.. أما الغرفة التي تظهر خلف السروال المعلق كراية، فتظهر غرفة المراقبة العسكرية، وقد استحوذ عليها أحد الزبالين وجعلها مستودعاً للخردة التي يحصل عليها من الحاويات..
فردة حذاء منفردة، فقدت أختها في حمأة الأحداث، وبقربها عظم لكائن مجهول. صورة تشبه إحدى لوحات سلفادور دالي، وهي تطل على منطقة المساكن، حيث الناس منهمكين بالنوم مبكراً، للذهاب إلى أعمالهم ومتابعة ورشة الحياة العسيرة.
عليك أن تتمشى اليوم، وأنت منخفض الرأس والكتفين، فالكاميرا في أعلى الموقع القريب، قادرة على التقاطك بعد مسافة قصيرة إذا تقدمت، وهذا يكفي لأن تأتيك الدورية لتحذرك بضرورة حذف الصور لأن المنطقة "عسكرية" وأن الزيارة إلى هنا ممنوعة إلا بإذن خاص.
ستضحك بالسر، فأنت تعرف "البير وغطاه"، وهم يدركون ذلك، لكن أتيكيت الهيبة، يفرض هذا النوع من ردات الفعل عند الجنود اليافعين الذين تبدو لحاهم الغضة مبعثرة بشكل مضحك، لكن إطلاقها أمر لا مفر منه.
"دعونا نحرق المخفر"، قالها أحد المقتحمين ليلة السقوط، بعد أن أنهى الجمع تفريغ المكان من محتوياته تماماً، ما اضطر أحد الإعلاميين للتدخل من أجل منع عملية الحرق قائلاً: "اتركوا المكان فالشرطة الجديدة سوف تحتاجه بالتأكيد".
لكن نجاة مخفر كفرسوسة من الحرق، لم يندرج على السيارات المركونة في المرآب، حيث لم يتمكن الشباب من تشغيلها والاستيلاء عليها، فقاموا بتكسيرها، ما اضطر وزارة الداخلية لنقلها لاحقاً إلى ورشات الصيانة.
يبتسم أحد المشاركين في عمليات الاقتحام، يوم السقوط، ويقول: لا تتعب نفسك فلا فائدة من النصح لأن الخراب سيحدث مهما حاولت. ذلك المقاتل القادم مع قوات أحمد العودة من درعا، كأنه كان يمتلك نبوءة تجعله زاهداً في الدفاع عن الأشياء والأمكنة، فبعد عام من ذلك، تمكن زووم الكاميرا من التقاط صورة لعلم الثورة مرمياً بين النفايات على الأرض، بعد انتهاء كرنفالات عيد التحرير، ليردف صديقنا المقاتل الصغير بأن المشكلة في النهج، وإصلاح النهج يتطلب الكثير.
تتزاحم صور البقايا، وتحار العدسة في أي اتجاه تدور، أيعقل ألا يستطيع أكد ضغط فرامل الخراب؟ لكن بقايا القناني البلاستيكية، تشيل إلى أن تأويلاً مغايراً يملكه الكثيرون، إذ سردية الخراب بدأتها على الفور الطائرات الإسرائيلية، عندما أتت على كل شيء ولم تترك سوى تلك الأطلال.
هل يمكننا تخيل سيناريو آخر، يعيد عزف سيمفونية الخراب التي حصلت؟ يجيب المقاتل الشاب، بأن المشكلة بالوعي الجمعي، الذي تعرض لسنين طويلة من الاضطهاد والعسف، إنه يبدو الآن وكأنه يحتجّ وينتقم، وهذا حقه، حتى لو ظهر مثل لوحة غارنيكا الشهيرة التي رسمها بيكاسو.
تغمض الكاميرا عينيها، ويتراجع الزووم ببطء، ربما لا تستطيع العدسة أن تبوح بكل شيء، لكن التوثيق أمر ملحّ، ليس من أجل المتعة عندما نضغط لنسمع صوت "تشك"، بل حتى لا نبقى بلا ذاكرة.
