بين باردو وفيلم "الست": هل هناك سرقة للفكرة؟

خالد عبد الكريمالأحد 2026/01/04
Image-1765696997
مني زكي بدور ام كلثوم
حجم الخط
مشاركة عبر

مساءً، في تمام الثامنة والنصف، وفي غُرّة الاحتفال بقدوم العام الجديد 2026، بثّت قناة France 5 فيلم سيرة ذاتية بعنوان «Bardot»، وهو عمل فرنسي أُنتج عام 2023، تبلغ مدته نحو 55 دقيقة، ويتناول حياة الممثلة الفرنسية الشهيرة بريجيت باردو في مراحلها المختلفة.

 

العمل ليس فيلمًا روائيًا تقليديًا، بل سيرة تلفزيونية ذات معالجة درامية، تتابع بدايات باردو وشبابها ودخولها عالم الفن، ثم تعاملها مع النجومية المتصاعدة والاهتمام الإعلامي الكثيف، وصولًا إلى علاقاتها الشخصية، بما في ذلك ارتباطاتها ببعض الممثلين والمخرجين في مراحل مبكرة من حياتها.

كما يصوّر الفيلم تشكّل شخصيتها الفنية، وكيف تحوّلت إلى رمز للحرية والجمال في السينما الفرنسية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، قبل أن تختار لاحقًا الابتعاد عن الأضواء.

وكان لوفاة باردو في 28 ديسمبر 2025 عن عمر ناهز 91 عامًا أثر واضح في إعادة تسليط الضوء على مسيرتها، إذ أعادت قناة France 5 وعدد من الشبكات الفرنسية الأخرى برمجة جداولها لبث أعمال توثّق تجربتها الفنية والإنسانية.

العمل لا يهدف إلى تمجيد باردو أو تبرئتها، بقدر ما يسعى إلى تقديمها كضحية لشهرة مبكرة لم تكن تمتلك أدوات كافية لمقاومتها.

من هنا تبرز المقارنة مع الفيلم المصري الذي عُرض مؤخرًا بعنوان "الست"، للمخرج مروان حامد، والكاتب أحمد مراد، وبطولة منى زكي.

هل نحن أمام سرقة فكرة؟

بالمعنى القانوني: لا.

Image-1767182352

أما بالمفهوم الثقافي الدرامي، فهناك تشابه بنيوي واضح.

كلا العملين يعتمدان هيكلًا سرديًا متقاربًا:

امرأة تتحول إلى رمز، حب أول جارف ينتهي بالفشل، ثم ارتباط أكثر استقرارًا، ضغط العائلة والمجتمع، افتراس الصحافة، ثمن الشهرة، العزلة في سنوات القهر، ثم خلاص جزئي؛ عبر الفن عند أم كلثوم، أو عبر الالتجاء إلى عالم الحيوانات عند باردو.

هذا القالب معروف في كتابة سير المشاهير، غير أن توقيت إنتاج العملين «باردو» عام 2023 و«الست» عام 2025 وتشابه الزوايا المختارة، يمنح الإحساس بالاقتباس قوة إضافية.

 

ورغم هذا التشابه، لم يُثر فيلم «باردو» جدلًا يُذكر، في حين فجّر «الست» موجة واسعة من الانتقادات.

والفرق هنا ليس بين باردو وأم كلثوم، بل بين المجتمعين. في الثقافة الفرنسية، ثمة فصل واضح نسبيًا بين الرمز والإنسان؛ حيث يُتقبّل أن يكون الرمز هشًا، متناقضًا، بل ومخطئًا. فالثقافة الفرنسية تنظر إلى الفرد بواقعية، حتى وإن كان أيقونة.

أما في مصر، فأم كلثوم ليست مجرد فنانة. إنها دولة رمزية، وذاكرة وطنية، وملاذ نفسي في مواجهة الهزائم والانكسارات. وأي مساس بصورتها يُقرأ بوصفه مساسًا بالذات الجماعية للمصريين.

من هنا لا تبدو الهجمة على فيلم «الست» مستغربة، ولا سيما حين وصلت إلى حد اتهام صنّاعه بالعمالة والتآمر. فحين يعجز المجتمع عن مناقشة الفكرة، ينتقل إلى التشكيك في النوايا. إنها آلية دفاع نفسي جماعي عن رمز يُراد له أن يبقى طاهرًا، ومن يقترب منه خارج هذا التصور يُصنَّف بالضرورة كصاحب غاية خبيثة.

 

وليس من قبيل الصدفة أن يكون الكاتب أحمد مراد محسوبًا على جيل جديد، وأن يُعرف المخرج مروان حامد بكسر التقاليد، وأن تقوم منى زكي بتجسيد الشخصية بوصفها جسدًا تمثيليًا لا صوتًا غنائيًا. كل ذلك فجّر حساسية مضاعفة.

والحقيقة أن فيلم «الست» لم يُهِن أم كلثوم، لكنه نزع عنها الهالة. والهالة، في الوعي الجمعي المصري، أهم من الحقيقة. لقد قال العمل إن أم كلثوم كانت امرأة: تحب، تتألم، تخطئ، وتُستغل. وهذا، في ثقافة تميل إلى الأسطرة، يُعد جريمة رمزية.

نعود إلى «باردو» لنفهم المفارقة: الفرنسيون اليوم لا يحتاجون باردو كي يتصالحوا مع ذواتهم، بينما ما زال المصريون بحاجة إلى أم كلثوم. لذلك، فإن كل محاولة لإنزالها من السماء تُقابل بالرفض.

المفارقة أن الجدل نفسه أثبت نجاح فيلم «الست» أكثر مما أدانه، لأنه كشف بوضوح مؤلم مدى عدم استعدادنا بعد لرؤية رموزنا كبشر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث