"إنها تعيش مثل أي شخص آخر، لكنها في الوقت نفسه لا تشبه أحداً " (جان كوكتو)
كانت بريجيت باردو شخصية نسائية بارزة في الفترة ما بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ونجمة عالمية، ومصدر إلهام لكبار فناني تلك الحقبة، كما كانت رمزاً لتحرر المرأة وحريتها الجنسية. جسّدت أدوار المرأة المتحررة، غير الملتزمة بالتقاليد، وأحياناً المرأة الفاتنة (كترجمة للكلمة الفرنسية fatale). لقد أحدثت بريجيت باردو ثورة في صورة المرأة الفرنسية، بأسلوبها الطبيعي وعفويتها وجرأتها الجنسية، وهي تُعدّ، كما تتفق الآراء، رمزاً بارزاً في ستينيات القرن العشرين.
بريجيت باردو، رمز الجمال والتحرر، تُلهم العديد من الرسامين. يظهر شكلها الأيقوني وأسلوبها الفريد في مختلف الأعمال الفنية، حيث يسعى الرسامون إلى تجسيد هالتها الحسية والمتمردة. على سبيل المثال، تُصوّر جدارية في لشبونة باردو في وضعية آسرة، حيث تُبرز هذه اللوحة نظرتها الثاقبة وتسريحة شعرها المميزة. في صالات العرض الفنية، تُمثّل باردو رمزًا لتحرر المرأة، إذ يُسلّط الفنانون الضوء على قوتها واستقلاليتها من خلال لوحاتهم. تعكس هذه الأعمال كيف تحدّت باردو أعراف عصرها، ليصبح شكلها في اللوحات رمزًا للتغيير الاجتماعي والثقافي.
رسم العديد من الفنانين بريجيت باردو، ولا سيما كيس فان دونجن (المشهور بلوحاته الملونة)، وميلو مانارا (بلوحاته المائية الشهيرة)، وآندي وارهول (ضمن حركة فن البوب)، ومارتيال رايس، الذي يُقال إنه استلهم منها عمله "الجميلة موف". كما قام رسامون ومصممون آخرون مثل جيرالد لاينغ، وأنطونيو ساورا، وباتريس مورسيانو بتصويرها.
بين فان دونجن وبيكاسو
كان الفنان الفرنسي كيس فان دونجن (1877-1968)، قد جمع بين الفكر الفوضوي (ترجمة لكلمة anarchiste) والأناقة. رسم في المقام الأول صورًا شخصية (للنساء)، بالإضافة إلى مشاهد من الملاهي الليلية، والعروض التي تُقام فيها، وموضوعات غريبة. تأثر فان دونجن كثيراً بإدغار ديغا وتولوز لوتريك - "فنان الملاهي"، فضلًا عن أسفاره العديدة إلى المغرب وإسبانيا ومصر. ومع ذلك، ظلت باريس مصدر إلهامه الرئيسي (مونمارتر، مونبارناس، وأجواء عشرينيات القرن العشرين الصاخبة). سرعان ما انضم فان دونجن إلى الطبقة الراقية الباريسية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وأصبح رسام بورتريهات هذه الطبقة، إذ رسم في شكل خاص أرليتي، وساشا غيتري، وموريس شوفالييه، وبريجيت باردو، التي رسم لها صورتين بفارق بضع سنوات.
ومن المثير ذكر ما قالته بريجيت الشابة عن ذلك اللقاء الأول، العام 1954: "بما أنني كنت مضطرةً للقيام بشيء ما بين فيلمين رديئين، وافقت على تناول الغداء في منزل موريس شوفالييه في مارن لا كوكيت لتصوير تقرير تلفزيوني، وأن أكون، أيضاً، عارضةً للرسام فان دونجن. كنتُ مجهولةً تمامًا، بينما كانا عملاقين من عمالقة عالم الفن. رسم فان دونجن، الذي أرعبني بشدة، لوحةً رائعةً لي. صوّر طاقم التلفزيون مراحل العمل، وصوّرني في الوقت نفسه. كان من المستحيل شراء هذه التحفة الفنية، إذ لم أكن أملك قرشًا واحدًا. كنتُ غاضبةً للغاية. حاولتُ عبثًا إستمالة فان دونجن، الذي كان يُفضّل النقود على الابتسامات. لا بأس! هذه اللوحة موجودة الآن في قاموس لاروس، وتُعتبر من روائع الفنان. لاحقًا، بحثتُ عن اللوحة، التي بيعت لأميركي. عند عودتي إلى فرنسا، عُرض عليّ شراوءها العام 1970. كان سعرها آنذاك 270 ألف فرنك، وشعرتُ حينها وكأنني أنظر إلى طبق من السبانخ مع لحم الخنزير". وتجدر الإشارة إلى أن هذه اللوحة الأولى كانت زيّنت، لاحقاً، غلاف مجلة لايف الأميركية الشهيرة (28 آذار مارس1960).
رتبت مجلة "باري ماتش" الأسبوعية اللقاء الثاني بين الفنان والنجمة الفرنسية. عُقد هذا اللقاء في 12 أيلول سبتمبر، العام 1959، حين استقبل فان دونجن بريجيت باردو في مرسمه الباريسي بشارع كورسيل. وكانت النتيجة (لأسباب غير معروفة...) لوحة تحمل عنوان "بريجيت باردو بعيون النعامة"! لم تذكر بريجيت باردو هذا اللقاء الأخير في مذكراتها. ولكن عندما نرى نظرة وجهها عند رؤية الرسم التخطيطي الأولي للفنان، سنفهم سبب تفضيلها عدم التعليق. نُشرت نسخة مطبوعة من هذه اللوحة في 150 نسخة، بالإضافة إلى 21 نسخة تجريبية للفنان.
باردو بأسلوب وارهول
تُعد صورة باردو مثالاً واضحاً على شاعرية وارهول. فهي لا تتعلق بتصوير الشخصية الداخلية للممثلة، بل تتعلق بالتقاط صورتها العامة، وتحويلها إلى رمز للثقافة الجماهيرية. الفن هو الشهرة بحد ذاتها. وباستخدام تقنيات تُذكّر بالإنتاج الصناعي، يصبح وجه باردو بذلك "سلعة ثقافية" قابلة للتكرار، ومتاحة للجميع، ومعروفة عالميًا. ويعكس اختيار تصويرها في سبعينيات القرن الماضي اللحظة التي بلغ فيها وارهول ذروة إبداعه الفني، جامعًا بين اهتمامه بالمشاهير والتصوير الفوتوغرافي والتصميم الغرافيكي التجاري. وقد كان آندي وارهول مهتمًا بصور المشاهير منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، لكن أشهر صور بريجيت باردو تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
تتجسد الممثلة ببراعة مفهوم الشهرة العالمية، فهي رمز للجمال والرغبة. لم يكن وارهول مفتونًا بشخصية باردو، بقدر ما كان مفتونًا بصورتها العامة: وجه أيقوني، يمكن التعرف عليه فورًا، قادر على جذب انتباه الجمهور. في مقايلة ذات علاقة بالحدث، صرّح وارهول بأن أعماله تكشف عن المجتمع الذي نعيش فيه، مجتمع الصور والاستهلاك. جسّدت باردو، بجاذبيتها السينمائية وشهرتها العالمية، هذه الظاهرة تحديدًا. وهكذا، يصبح فن وارهول مرآة لمجتمع الإعلام، موضحًا كيف تحوّل الشهرة الفرد إلى رمز مجرد. علاوة على ذلك، تُعدّ لوحة باردو جزءًا من تيار أوسع في أعمال وارهول، والذي شمل أيضًا لوحات لمارلين مونرو، وإلفيس بريسلي، وإليزابيث تايلور، وتشترك جميع هذه الأعمال في الفكرة نفسها: يصبح الفن توثيقًا للشهرة، بدلًا من كونه تمثيلًا شخصياً.
يُعدّ بورتريه آندي وارهول لبريجيت باردو عملاً فنياً يجمع بين الفن والثقافة الشعبية، محوّلاً وجه نجمة إلى رمز عالمي. من خلال استخدام الطباعة الحريرية، والألوان الزاهية، والتكرار، يُظهر وارهول كيف يُمكن التلاعب بالشهرة، واستهلاكها، وإعادة إنتاجها. لا يُعدّ هذا البورتريه مجرد تكريم لبريجيت باردو، بل هو أيضاً تأمل نقدي في مجتمع الإعلام ودور الصور في الثقافة المعاصرة. من خلال هذا العمل، ينجح وارهول في تحويل الشهرة إلى فن، مُثبتاً أن وجه النجمة اليوم لا يقلّ قوة عن اللوحة التقليدية، فكلاهما يأسر الخيال الجماعي، ويترك بصمة لا تُمحى في الذاكرة الثقافية.
في رحاب بيكاسو
عندما التقت بريجيت باردو ببابلو بيكاسو، العام 1956، كانت في الحادية والعشرين من عمرها، بينما كان بيكاسو في الرابعة والسبعين. كان الفنان قد حقق مسيرة فنية طويلة وناجحة، في حين كانت باردو قد شاركت في 17 فيلمًا. اشتهر بيكاسو، كما هو معروف، بكونه أحد رواد المدرسة التكعيبية، لكنه خلال مسيرته الفنية جرب تقنيات ووسائط فنية متنوعة. في عام 1948، انتقل إلى فيلا في مدينة فالوريس على الريفييرا الفرنسية، حيث استكشف استخدام الطين والخزف، منتجًا قطعًا عملية وزخرفية. وفي عام 1956، حضرت بريجيت باردو مهرجان كان السينمائي، الذي يقع على الساحل القريب من فالوريس، بعدما كانت قد أصبحت حديث الإعلام في مهرجان العام 1953، وامتدت شهرتها إلى الولايات المتحدة.
شهد عام 1956 انطلاقة بريجيت باردو على نطاق واسع، إذ تم في ذلك العام إطلاق فيلم "وخلق الله المرأة" (Et Dieu Créa La Femme)، وترسخت معه صورتها كرمز للإغراء. وفي أبريل من ذلك العام، وفي سن الحادية والعشرين، كما ذكرنا، وبعد أن شاركت في أكثر من عشرة أفلام، حضرت مهرجان كان السينمائي، حيث فاز فيلم "لغز بيكاسو" (The Mystery of Picasso) للمخرج هنري-جورج كلوزو بالجائزة الخاصة للجنة التحكيم. لعلّ هذا ما دفع باردو لزيارة بيكاسو في مرسمه في فالوريس، على التلال المطلة على كان. فالمسافة لا تتجاوز 15 دقيقة بالسيارة. وفي مذكراتها، كتبت باردو: "أراني لوحاته، وخزفياته، ومرسمه. كان بسيطًا، ذكيًا، هادئًا بعض الشيء، ولطيفًا. كان ذلك لقائنا الأول والأخير. لطالما رغبت في أن أطلب منه رسم صورة لي، لكنني لم أجرؤ قط...".
وثمة رواية أخرى أتت من ليديا كوربيت، جارة بيكاسو وملهمته آنذاك (وهي معروفة أيضاً بإسم سيلفيت). ويبدو أن خلافًا بسيطًا قد نشب بين الفتاتين، لا نشك في أن الغيرة تقع في صلبه. تقول كوربيت: "لم أقابل بريجيت باردو إلا مرة واحدة، ولفترة وجيزة، عندما مررنا بجانب بعضنا على الممشى خلال مهرجان كان السينمائي العام 1954. كانت برفقة روجيه فاديم، وكنت برفقة بيكاسو، وبالطبع تبادلنا النظرات مطولًا، ونظر إلينا الرجال مطولًا أيضًا..."
وكانت مجلة "لايف" قد أرسلت المصور جيروم بريير لتصويرهما معًا. كان من الممكن أن تُشكّل قصةٌ مثيرةٌ قصةً تجمع بين بريجيت باردو الشابة والجميلة وبيكاسو الأكبر سنًا، الذي اشتهر بعلاقاته مع نساءٍ أصغر منه بكثير. أمّا لماذا استنكف الفنان عن رسم النجمة، فهناك آراء عدة حول هذا الأمر، ويفيد أحدها أن باردو لم تلهم بيكاسو، بعدما رأى امامه امرأة متحرّرة ومستقلة وتتمتع بشخصية ملفتة، في حين اعتاد الفنان رسم نساء "خاضعات أو منصاعات" (يُقال بالفرنسية dociles)، وهو الذي كان يتعامل مع النساء على نحو مثير للجدال. وقد ورد في مجلّة "ars mundi" (عدد يوليو 1923): "تباينت ردود فعل عالم الفن تجاه علاقات بيكاسو المضطربة وتصويره للنساء. فقد أثارت موهبته الاستثنائية وعلاقاته العاطفية مع النساء في حياته إعجابًا، ولكنها أثارت أيضًا جدلًا ونقدًا. ومن أبرز هذه الخلافات ما إذا كانت علاقات بابلو بيكاسو بزوجاته تتسم بالإلهام والاحترام المتبادل، أم أنها اتسمت بالسيطرة والاستغلال. ويتهم بعض النقاد بيكاسو بالنظر إلى النساء في حياته كمجرد أشياء يستغلها لأغراض فنية".
