أميركا وأميركا اللاتينية... تاريخ من التدخلات والاستعلاء

المدن - ثقافةالأحد 2026/01/04
Image-1767472209
ترامب نشر صورة مادورو
حجم الخط
مشاركة عبر

 

تلخص موسوعة "بريتانيكا" أنه منذ أن ظهرت جمهوريات أميركا اللاتينية السبعة عشر من رماد الإمبراطورية الإسبانية في أوائل القرن التاسع عشر، نظر إليها سكان أميركا الشمالية بمزيج من الاستعلاء والازدراء، مركزين على تنوعها العرقي، وسياساتها غير المستقرة، واقتصاداتها المتهالكة. ولا يشبه واقع العلاقة بين أميركا وأميركا اللاتينية إلا واقع أميركا والشرق الأوسط، ربما أكثر سوءاً بأشواط، ذلك أن نفوذ الاميركيين في الشرق الأوسط بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، أما في أميركا الجنوبية، فقد فرضت الولايات المتحدة وصايتها منذ مطلع القرن الـ19، استناداً إلى ما أسمته "مبدأ مونرو" واتخذته ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة التي طالما اعتبرتها واشنطن "فناءها الخلفي" مبررة سلوكها بذرائع متعددة. 


ونصّ مبدأ "مونرو" الذي أعلنه الرئيس الأميركي جيمس مونرو عام 1823 على منع الدول الأوروبية من توسيع نفوذها الاستعماري نحو الأميركتين، باستثناء المستعمرات القائمة بالفعل، واعتبر أي محاولة من هذا النوع عملا عدائيا ضد واشنطن، وفي المقابل التزمت الأخيرة بعدم التدخل في الشؤون الأوروبية. وحذّر مبدأ "مونرو" الدول الأوروبية من أن أي محاولة "لتوسيع نظامها" إلى الأميركتين ستُعتبر دليلاً على موقف عدائي تجاه الولايات المتحدة نفسها. من جهة، بدا المبدأ وكأنه يُؤكد على الألفة الجمهورية، كما يتضح من الإشارات إلى "جمهورياتنا الشقيقة" و"جيراننا الطيبين" و"إخواننا الجنوبيين". من جهة أخرى، استخدمت الولايات المتحدة لاحقًا المبدأ لتبرير الأبوية والتدخل. وقد شكّل هذا معضلة لأميركا اللاتينية، إذ إن الولايات المتحدة القوية بما يكفي لحمايتهم من أوروبا كانت أيضًا قوية بما يكفي لتشكيل تهديد بحد ذاتها.

Image-1767473828
ترامب يتابع القصف على فنزويلا

بعد الحرب الإسبانية الأميركية عام 1898، عززت الولايات المتحدة نفوذها في منطقة البحر الكاريبي بضم بورتوريكو، وإعلان كوبا محميةً فعليةً بموجب تعديل بلات (1901)، والتلاعب بكولومبيا لحملها على منح بنما استقلالها (1904)، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة بدوره إلى بناء قناة بنما والسيطرة عليها. بموجب ملحق روزفلت (1904) لمبدأ مونرو، اضطلعت الولايات المتحدة بدور "الشرطة الدولية" في الحالات التي قد يؤدي فيها إفلاس دول أميركا اللاتينية إلى تدخل أوروبي. وقد استُخدمت "دبلوماسية الدولار" هذه لتبرير - وربما جعلت حتمية - "دبلوماسية السفن الحربية" اللاحقة المتمثلة في التدخل العسكري الأميركي في سانتو دومينغو ونيكاراغوا وهايتي.  

الرئيس مادورو يغرد بأربع لغات بينها العربية
مادورو

وفي هجومها الأخيرة على فنزويلا بدت أميركا تمارس دور الكاوبوي في أعلى مراحل الأكشن، وأن كانت صورة اعتقال مادورو خاطفة وسريعة لكنها غير جديدة في مسيرة السياسة الأميركية. وحسب الدراسات، أن عدد تدخلات الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية منذ عام 1800 وحتى نهاية العقد الثاني من القرن الـ21 بلغ آلاف المرات. وقد شملت هذه التدخلات الاحتلال الصريح، والهيمنة على الحكومات المحلية، والإطاحة المباشرة بالحكام.

 

وشهدت هذه المرحلة استيلاء الولايات المتحدة على 55% من الأراضي المكسيكية بين عامي 1846 و1848 والتي شكلت حوالي 7 ولايات أميركية، هي: كاليفورنيا ونيفادا ويوتا ومعظم أريزونا ونيومكسيكو وأجزاء من كولورادو وواومينغ، فضلا عن ولاية تكساس التي كانت قد وقعت تحت السيطرة الأميركية في العام السابق. وقد مثّلت العقود اللاحقة ذروة موجة الاحتلالات العسكرية التي نفّذتها الولايات المتحدة بأميركا اللاتينية، إذ بسطت سيطرتها على عدد من الدول، من بينها: بورتوريكو التي بقيت مستعمرة أميركية، ونيكاراغو (1912-1933) وهاييتي (1915-1934) والدومينيكان (1916-1924) وكوبا (1906- 1909 و1917-1923).

 

ومع اندلاع الحرب الباردة (1947-1991) تكثفت تدخلات الولايات المتحدة في دول أميركا اللاتينية، ودعمت العديد من الانقلابات في المنطقة، بذريعة حمايتها من التهديدات الخارجية ومنع التمدد الشيوعي فيها. رغم انخفاض وتيرة تدخلات الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية مع نهاية الحرب الباردة، لم تتخلَ واشنطن عن سياسة فرض نفوذها في المنطقة، بل عمدت إلى تبني إستراتيجيات تدخّل ناعمة تعتمد أساليب خفية وغير مباشرة. وفي الربع الأول من القرن الـ21، أجرت الولايات المتحدة عشرات التدخلات الناعمة لزعزعة حكومات دول في المنطقة، بما في ذلك محاولاتها المستمرة لتغيير أنظمة الحكم في فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا. وغالبا ما يُنظر إلى المصالح الاقتصادية وتعزيز الوصول إلى الموارد الطبيعية والأسواق بوصفها المحرّك الرئيسي للتدخلات الأميركية في المنطقة وتغييرها الأنظمة، رغم التأثير الواضح للعوامل الأخرى.

 

فبالرغم من عدم تشكيل دول أميركا اللاتينية تهديدا أمنيا فعليا للولايات المتحدة، استخدم صناع القرار الأميركيون مع دول المنطقة في القرن العشرين مصطلح "التهديدات المستقبلية المحتملة". ووظفت الولايات المتحدة هذا المصطلح بقوة بعد نهاية الثورة الكوبية مطلع ستينيات القرن العشرين، ودعمت الإطاحة بـ9 حكومات، تولت مكانها لاحقا أنظمة قمع عسكرية كانت في الغالب موالية للولايات المتحدة.

 

كشفت وثائق أميركية داخلية أن الرئيس الأميركي الراحل ليندون جونسون أمر بإرسال قوات إلى الدومينيكان عام 1965 ليس بسبب تهديد حقيقي، بل بسبب ضغوط سياسية داخلية وشعوره بالتهديد من قبل الجمهوريين في الكونغرس. ومن أبرز تلك الانقلابات: الإطاحة بحكومة غواتيمالا عام 1954، أقرّ رئيس غواتيمالا الراحل جاكوبو أربينز، بعد انتخابه ديمقراطيا عام 1950، مجموعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، التي اعتبرتها واشنطن تهديدا لمصالحها في البلاد، وإضرارا بالشركات الأميركية، لا سيما "يونايتد فروت".



في أبريل/نيسان 1981، أوقف الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان المساعدات الاقتصادية لنيكاراغوا، متهما إياها بالتورط في دعم المتمردين ضد حكومة السلفادور، وأكد أن حكومة الساندينيين بهذا البلد تُشكل تهديدا لأميركا الوسطى والأمن القومي الأميركي. دعم ريغان المتمردين "الكونترا" وهي عصابات سرية، تجمعت في هندوراس وبدأت تهاجم حكومة نيكاراغوا المنتخبة ديمقراطيا. واستمر الصراع بين الحكومة والمتمردين المدعومين من الولايات المتحدة قرابة عقد كامل، شهد سقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتدهورا اقتصاديا شاملا. 
 

Image-1767472607
 نورييغا


أصدر الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش الأب قرارا بغزو بنما في ديسمبر/كانون الأول 1989، ونشرت الولايات المتحدة أكثر من 26 ألف جندي لتنفيذ عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "القضية العادلة" أطاحت برئيس البلاد آنذاك مانويل نورييغا، بحسب مركز التاريخ العسكري للجيش الأميركي. وكان نورييغا يتمتع بدعم أميركي في السابق، إلا أن العلاقات بين الجانبين شهدت توترا متصاعدا في ثمانينيات القرن العشرين، وبدأت واشنطن توجه إليه اتهامات بالفساد السياسي وغسل الأموال وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، إلى جانب عدم القدرة على حفظ الأمن حول قناة بنما. وأثناء العملية اعتُقل نورييغا ونُقل إلى الولايات المتحدة، حيث أصدرت محكمة أميركية حكما بسجنه 40 عاما، وتسلّمت الحكم في بنما حكومة موالية لواشنطن، تولت حماية المصالح الأميركية.

دعمت الولايات المتحدة بالتعاون مع فرنسا وكندا في فبراير/شباط 2004 انقلابا أطاح بالرئيس الهاييتي جان برتران أريستيد المنتخب ديمقراطيا، وأُجبر وعائلته على مغادرة البلاد. 

 

ومارست الولايات المتحدة تدخلات غير مباشرة أو معلنة، ساهمت بشكل ملموس في إسقاط العديد من الحكومات في دول أميركا اللاتينية، أبرزها: عام 1960 وافق أيزنهاور على تقديم مساعدة سرية للمعارضين الدومينيكانيين، بهدف الإطاحة بنظام الرئيس تروخيلو، وفي الوقت نفسه حاولت إدارته إقناعه بالتنحي لكنه رفض. وعام 1961 أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سراً أسلحة وذخيرة إلى بعض العناصر المناهضة لتروخيلو، وساعدتها في اغتياله.
 

تحالفت الولايات المتحدة مع قائد أركان الجيش البرازيلي أومبرتو كاستيلو برانكو، لتنفيذ انقلاب عسكري أطاح بالرئيس جواو غولارت، ومولت واشنطن المظاهرات ضد الحكومة وقدمت الوقود والأسلحة للجيش البرازيلي.

 

دعمت واشنطن انقلاباً عسكرياً بقيادة الجنرال خورخي فيديلا أطاح عام 1976 برئيسة الأرجنتين المنتخبة ديمقراطياً إيزابيل بيرون. اتسمت الحرب القذرة في الأرجنتين، التى دعمتها الولايات المتحدة، بين عامى 1976 إلى عام 1983 باحتجاز وتعذيب المعارضين اليساريين، حيث يعتقد أن 30000 شخص قتلوا واختفى 13000 شخص.
 

Image-1767472939
ايزابيل بايرون


وعام 1976 وبدعم من الولايات المتحدة، أطاح المجلس العسكري بالرئيسة إيزابيل بيرون وذلك في أعقاب تصريح وزير الخارجية الجديد سيزار غوتزي لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر بأن الجيش قام بقمع "الإرهابيين (قاصدا حركات اليسار)" بقوة، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز. وسرعان ما أعطت الحكومة الأميركية، الضوء الأخضر لمواصلة الهجمات الوحشية ضد اليساريين والمعارضين السياسيين والمعارضين المشتبه بهم.
 

وظفت الحكومة الأميركية أموالا سرية في تشيلي خلال الفترة الانتخابية لعام 1970، وذلك للحيلولة دون فوز سلفادور أليندي ذي التوجه اليساري، ورغم ذلك تمكن أليندي من حصد أكثر من ثلث الأصوات الشعبية. وبعد وصوله للحكم، أجرى إصلاحات اجتماعية واقتصادية عديدة، وأقر نظاما اقتصاديا ذا طابع اشتراكي، وأمّم العديد من الشركات، لا سيما شركات التعدين. واعتبرت الولايات المتحدة هذه السياسات مُضرة بمصالحها الاقتصادية، إلى جانب تخوفها من علاقة أليندي الوطيدة بالرئيس الكوبي آنذاك فيدل كاسترو، فدعمت سراً انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه الذي أطاح بأليندي. وأسس حكما قمعياً، حظر العديد من الأحزاب السياسية اليسارية وألغى الدستور، وتورط في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

 

ساهمت الولايات المتحدة في تنظيم مئات التدخلات التي لم تحقق مسعاها، ومن أبرز محاولة لإسقاط حكومة كاسترو عام 1961 المقرب من الاتحاد السوفياتي، وجندت الولايات المتحدة جيشا من المنفيين الكوبيين المعارضين لكاسترو، ودربتهم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وقتلت غيفارا رفيق كاسترو بعد سنوات في غابات بوليفيا.

تشافيز في قلوب محبيه (أ ف ب)


اعتبرت الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز منذ تسلمه السلطة عام 1998 معاديا لأميركا، حيث لم تُرضِ توجهاته السياسية الإدارة الأميركية، بما في ذلك تقاربه مع الأنظمة الاشتراكية كالنظام الكوبي.


الآن أطاحت أميركا ترامب بنظام مادورو وريث شافيز. واجهة الصراع المخدرات وفي الكواليس وحتى العلن، النفط حجة الصراع من فنزويلا إلى الشرق الأوسط، عدا عن الموارد الطبيعية وصراع النفوذ بين الصين وأوروبا وأميركا.

 

 

 

 

 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث