عرس "كروان مشاكل": مهرجان المسوخ

شادي لويسالسبت 2026/01/03
Image-1767424899
التيك توكر كروان مشاكل وعروسه
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أيام قليلة من انشغال جمهور السينما الرفيعة بوفاة المخرج المصري الكبير، داود عبد السيد، انشغل جمهور آخر أو ربما قطاع لا بأس به من الجمهور نفسه بعرس نجم التيك التوك، "كروان مشاكل". ثمة ما يربط ما بين الحدثين، أبعد من المفارقة الفاضحة بين ما يمثله الرجلان. لا حاجة لتقديم عبد السيد بالطبع، أما "مشاكل" فيعود بعض من شهرته إلى صوته وطريقه حديثه. 

 

وعلى العكس مما يوحي به اسمه الأول، لا يتمتع "مشاكل" بجمال الصوت، فهو يفتقد القدرة على نطق عدد من الحروف بشكل صحيح، ويبدو هذا العجز نتاج خليط من عاهة خلقية وتدني التعليم وانتماء طبقي متواضع. وعلاوة على ذلك، يتحدث بطريقة مفرطة في سوقيتها، ليقدم مثالاً مبالغاً فيه للهجة الدرجة الأدنى من لغة الأحياء الحضرية العشوائية، أو عامية ما يمكن تسميته بمرجعية ماركسية فضفاضة "البروليتاريا الرثة" للقاهرة. طريقة النطق المتثاقلة والتي تمد نهايات الكلمات، والمتباطئة والمخنثة أحياناً، تذكّر بأسلوب الفئات الاجتماعية المهمشة التي تعيش على حافة القانون، حيث يرتبط ثقل اللسان بالتأثير طويل المدى لتعاطي المخدرات.

 

يصعب الفصل بين ما هو عفوي وبين ما يتصنعه "مشاكل" في مقاطعه المصورة، وبالأخص ثقته المفرطة في نفسه. فحياة تلفزيون الواقع التي يبثها أمام جمهوره يختلط فيها الاستعراض مع الواقعي، أو بالأحرى يتحول الواقع فيها إلى استعراض. لكن الأكيد هو أن مشاكل "مشاكل" مع القانون حقيقة، حيث مثل أمام القضاء في ست قضايا على الأقل خلال العامين الماضيين، ونال أحكاماً بالسجن في بعضها، وتراوحت القضايا بين السب والقذف والتهديد بالخطف، وممارسة أفعال خادشة للحياء حيث ظهر في مقطع مصور يرقص عاري الصدر مع سيدة في مطبخها، وكانت لأحد القضايا أبعاد سياسية حيث واجه اتهامات بنشر أخبار كاذبة وبث شائعات تضر بالصالح العام بعدما نشر مقطعاً مصوراً زعم فيه تلوث مياه الشرب في محافظة أسوان. في العموم يقدم "مشاكل" بوعي أو من دون وعي ما يشبه "استعراضات المسوخ" حيث يجسد بنفسه مسخاً لطبقته الاجتماعية بعناصر من سوقية وبلاهة وضلالات الثقة المبالغ فيها في النفس، ويوفر هذا العرض مادة للتسلية للطبقات الوسطي والدنيا لأسباب مختلفة، كما تكسبه هشاشته أمام سلطة الأمن والقضاء بعضاً من شفقة الجمهور نفسه.

 

Image-1767425257
فيلم "مواطن ومخبر وحرامي" - داوود عبد السيد

 

في فيلم عبد السيد الشهير "مواطن ومخبر وحرامي"، يبدو وكأن ابن الطبقة الوسطى العليا هو وحده الجدير بصفة "المواطن"، لا تحيد تلك الرؤية عن دور الطبقة الوسطى بوصفها معياراً متخيلاً للمواطنة بالعموم، أو على الأقل للمواطنة في مصر في نسختها الناصرية. بوعي واضح، يشير عبد السيد إلى نفسه في أحد حواراته الصحافية بأنه "مثال جيد للطبقة الوسطى". لكن أكثر ما يلفت الانتباه في الفيلم هو دور الحرامي الذي يؤديه شعبان عبد الرحيم. هناك بعض التماثلات بين عبد الرحيم و"مشاكل". فمع بداية انتشار الإنترنت ذاعت شهرة عبد الرحيم، بوصفه تجسيداً لطبقة دنيا "اكزوتيكية"، يتم استدعاؤها لأعراس الطبقات المخملية كفقرة للتسلية. لم تكن أغاني عبد الرحيم ذات اللحن الواحد والنصوص الركيكة، وحدها سبب شهرته، بل الاستعراض الكامل الذي قدمه في اللقاءات التلفزيونية، وبالأخص ذائقته في اختيار الملابس شديدة البهرجة وتصنّعه السذاجة. كان إتقان شعبان لدوره في الفيلم مدهشاً، إما لأنه يمثل طوال الوقت بالأساس، أو لأنه يؤدي في الفيلم الدور المتوقع منه في الحياة الواقعية. نال "مشاكل" فرصته أيضاً في عالم لتمثيل، فقام بدور صغير في مسلسل "بطن الحوت" من إخراج أحمد فوزي صالح. وبالمثل، لم يحتج "مشاكل" أي مهارات خاصة، إذ قام بأداء دور الخارج عن القانون في عوالم تجارة المخدرات، بأسلوب الحديث ولغة الجسد التي يستخدمها في مقاطعه المصورة في تيك توك. الجدير بالذكر أن مشاركته في المسلسل استدعت هجوماً شديداً من الوسط الفني واتخذت نقابة الممثلين خطوات قانونية ضده بحجة عدم حصوله على رخصة لمزاولة المهنة.

 

Image-1767425387
الزفاف الذي استدعى تدخل الشرطة

 

ليس من باب المصادفة أن تكون عروس "مشاكل" واحدة من حفيدات شعبان عبد الرحيم. هنا أيضاً، يصعب الجزم إن كان العرس الذي تحول إلى فوضى عارمة استدعت تدخل الشرطة، حقيقياً أم مجرد استعراض موجه لجمهور البث الحي. الدعوة العامة اجتذبت جمهرة من نجوم التيك توك من فئة مشاكل المتواضعة، وكان أكثرهم حضوراً هم الأشباه، شبيه العندليب وشبيهة "باربي" وشبيه "أندر تيكر" وغيرهم آخرون، مثل "ملك جمال الشرقية". ما يجمع بين هؤلاء ليس وجه الشبه بينهم وبين الشخصيات الأصلية التي يقلدونها، بل كونهم مسوخاً لتلك الشخصيات، أي أن التسلية ليست نتاج الشبه بينهم وبين شخصيات شهيرة، بل من كونهم لا يشبهونهم أو بالأحرى من توهمهم هذا الشبه.

 

إجمالاً، بدا العرس الذي استدعى تغطية إعلامية واسعة وكأنه استعراض للمسوخ ومقلوب لأعراس الطبقة العليا، بشكل يوفر مادة مبتذلة لتسلية الطبقة الوسطى وتأكيد هواجسها بشأن الطبقات الأدنى، انتهى العرس بحريق سيارات عائلة العريس وبسرقة مصوغات العروس وهاتفها، وبتدخل الشرطة التي ألقت القبض على "مشاكل" مرة أخرى، وإغلاق صالة المناسبات التي استضافت العرس. 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث