"الأمير الوهمي": فيلم أميركي طويل

محمد حجيريالسبت 2026/01/03
Image-1767427966
الأمير الوهمي
حجم الخط
مشاركة عبر

في مسرحيته "فيلم أميركي طويل"، لزياد الرحباني (1956 – 2025) الذي احتُفل بذكرى ميلاده السبعين قبل يومين، فضحت شخصية رشيد في العمل، أجواء التكاذب الوطني، وأبى عقله الباطن إلا أن يتمرّد على عبارات من قبيل "كلنا إخوة" و"طول عمرنا إسلام ومسيحية عايشين مع بعض"، بصرخة مدوّية. "تجري أحداث هذه المسرحية في شهر تشرين الأول 1980، أو تشرين الأول 1979، أو تشرين الأول 1978، حيث لم يتغيّر إجمالاً الوضع السياسي النفسي العام". تلك كانت العبارة التعريفية الأولى للمسرحية والتي تدور أحداثها في مشفى مجانين في بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية حيث تتكرر الأحداث بين عام وعام، يقوم الطبيب بفحص "رشيد" الذي يؤدي شخصيته زياد بنفسه، يقول الطبيب لرشيد بعد معاينته: ضغطك واطي
هنا يشعر رشيد بالإهانة وتعز عليه كرامته، فيصرخ:
أنا ضغطي مش واطي... أنا ضغطي عالي.. أنا ضغطي عالي.
ثم يدور على زملائه المرضى ليؤكد لهم أن ضغطه عالٍ، وأن ما قاله الطبيب مجرد افتراءات!!


تذكرتُ هذه السردية المسرحية وأنا أتابع تعليقات بعض السياسيين الذين قيل إن "الأمير الوهمي" أو حداد السيارات البسيط خدعهم، عزّت عليهم كرامتهم، ولا أحد منهم يستطيع أن "يحطها واطية" ويعترف بما حصل معه، ربما باستثناء أحد المرشحين للنيابة. ومنذ توقيف الأمير الوهمي، بدأت بيانات بعض السياسيين تنفي علاقتها به، وتنفي دفع مبالغ مالية لجمعيات أو أحد الشيوخ النبهاء، الذي بعد إشارة القضاء بتوقيفه، واستدعاء الضحايا أو الشهود، بدأت البيانات والتصريحات تتبدّل، أو انتقلت من النفي المطلق إلى الاعتراف الخجول. قالت دار الفتوى إنها "لا تتدخل في قضية الأمير المزعوم لا من قريب ولا من بعيد، باعتبار أن من يذكر اسمه في التحقيقات غير موظف لدى الدار"، وتسابق السياسيون على التقليل من خسائرهم المعنوية في الوقوع بالفخ أو الشرك، منهم من وضع ما جرى في خانة تقديم مساعدات طبية لدواع انسانية للشيخ المتهم المريض بالسرطان، ومنهم من قال إن اتصال الأمير المزيف لم يؤثر في قراراته وموقفه في انتخاب رئيس الحكومة، ومنهم من كابر في الاعتراف بشكل مطلق، ومنهم من أراد أن يقول إنه متمرّس ولم يقع في الخطأ الجسيم ويعرف سياسة "المملكة"، ومنهم من دعا إلى "صون كرامات الناس". وفي مقابل الأرقام الكبيرة التي قيل إن السياسيين دفعوها، رأينا منزل الأمير الوهمي. إنه بيت أشقياء وفقراء الحال، غرف بلا طلاء، وفتحات جدران بلا نوافذ، وقيل نقلاً عن أقرباء الأمير إنه لا يمتلك الدهاء ليمارس هكذا أفعال. ثمة قطبة مخفية، في الشكل والمضمون والانتشار السريع لأخبار القضية. وكنا رأينا الشيخ المعمم المتهم، والواثق من نفسه بعد مرحلة من الصمت المريب، يعقد مؤتمراً صحافياً في مكتبه ويعتبر أن ما يجري استهداف له، وأن أبا عمر أو الأمير الوهمي "كذبة" اعترف بأقواله "تحت الضرب"، لكن الوثائق المنشورة تدحرجت تباعاً هنا وهنا، وتقول إنها فضيحة.


خبيصة من خبائص الجمهورية اللبنانية، جوهرها شخص تفيد الوقائع أنه نصاب محترف بين قبيلة من الغلاة والجائعين للسلطة والنيابة والرئاسة والكراسي بشكل عام، وربما يؤمنون بأن المناصب والمواقع تستورد من عند "علي اكسبرس"، أو هم لبنانيون "أصيلون" وفي اللاوعي اللبناني، وإذا أراد مواطن أن يتقدم لوظيفة في الدولة، وقبل أن يبحث عن شهادته أو تخصصه يسأل عن "الواسطة"، في ظل نظام "الزبائنية" المتجذّر في بلدنا. تفاهة التركيبة السياسة وكارثة التدخلات العربية والأجنبية، وكارثة لجوء اللبنانيين إلى العرب والأجانب، جعلت المناصب السياسية والأمنية زبائنية، وتكرست هذه التفاهة وزادت منذ أيام عنجر والنظام الأمني السوري.


إذا صحت الأخبار المنتشرة عن الأمير الوهمي ومشغلة الشيخ المحترف وربما شخصيات أخرى، فنحن أمام "استعارة" لسيناريو مرحلة عنجر ورستم غزالي وغازي كنعان، نتذكر جيداً الطرق التي كانت تصنع من خلالها الزعامات الكرتونية. وثمة استعارة أخرى يمكن اسقاطها أيضاً، وهي أنّ الصياد يخترع الشرك ويبدأ الصيد، وعادة يختار آلة تسجيل تبث أصوات الطيور ليخدعها وتقع في الشباك، والصياد المعمم قيل إنه هيأ الجو للأمير الوهمي، اختاره انطلاقاً من صوته الذي يشبه أصوات السعوديين والخليجيين، وكان شركاً دسماً للطرائد السياسية..


المضحك أن أيتام الممانعة بعد موجة من الانكسارات والخيبات والانهيارات، وجدوا في "الأمير الوهمي" فرصة للانتعاش ونسج الأشبهيات والبطولات وقبة الباط وإطلاق الشماتة. قال أحدهم إن ما حصل "بيجر سياسي"، وأبو عمر صنع رؤساء حكومة، كأن الممانعين يختلفون عن ضحايا الأمير الوهمي، لقد أمضوا سنوات وهم يتحدثون عن أزرار الصواريخ في المحور، والصواريخ الذكية في المحور، وهواتف المحور التي تحرك الزلازل، وفي الخاتمة بدوا كأنهم في مملكة من وهم.


نكتب افتراضياً عن الأمير الوهمي، والشيخ المعمم، لا ندري حقيقة تفاصيل وقائعهما، وعدم الدراية هنا مردها أننا في الجمهورية اللبنانية، حيث السرقات الكبرى بلا لصوص، والجرائم الكبرى بلا مجرمين، والتفاصيل والوقائع تسبق التحقيق وتسبق التوقيفات وتنسف الحقائق لصالح المتداول والشائع، والخبر يتحول كرة ثلج، والفايسبوك يحول كرة الثلج إلى عاصفة، والقضاء يصبح نشرة أخبار، والتأويلات لا تنتهي.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث