الليرة السورية الجديدة: الإنسان الغائب

بطرس المعريالجمعة 2026/01/02
Image-1767347141
العملة السورية الجديدة
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أيام في دمشق، كشف الرئيس السوري أحمد الشرع وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، عن شكل العملة الورقية السورية الجديدة، في خطوة، يقول الحصرية، تأتي ضمن إصلاحات نقدية تدريجية تهدف إلى تنظيم التداول وتقليل التعقيدات الحسابية التي فرضتها الأرقام الكبيرة خلال السنوات الماضية. وبعيداً من الشأن الإقتصادي والمالي لهذه الخطوة، وهو ليس من اختصاصنا ولا هو موضوع المقالة، يقول السيد الشرع في جلسة حوارية أقيمت حينذاك: "شكل العملة الجديدة تعبير عن الهوية الوطنية الجديدة والابتعاد عن تقديس الأشخاص، حيث ذهبنا إلى حالات رمزية ذات صلة بالواقع السوري، فالأشخاص يذهبون ويأتون" ويتابع، ودائماً حسب سانا: "في تصميم العملة السورية اليوم استعدنا الذاكرة التاريخية القديمة للسلع التي تتوفر أساساً في سوريا".

 

يمكننا في الحقيقة أن نجد في كلام السيد الشرع تلخيصاً للمبدأ الذي اشتغل عليه مصممو الأوراق النقدية الجديدة هذه، أو ربما توصيفاً لما اقتَرَح وأَنتَج فريق التصميم.


للأوراق الست خلفية موحَّدة، بسيطة الشكل هادئة درجة اللون، تحتوي على زخرفة هندسية على يمين الورقة ونجمة ثمانية كبيرة في منتصف ويسار الورقة تترك مجالاً في الناحية اليسرى لصورة حيوان أو طير من البيئة المحلية. أما العنصر الأساسي في الورقة فيعلو هذه الخلفية، أقرب إلى الجهة اليمنى منها. يتغير لون الخلفية من ورقة إلى أخرى كما يتغيّر بالطبع العنصر الأساسي، أو واجهة العملة ومركز الثقل في التصميم، والذي يصوّر في كل مرة نوعاً من أنواع الثمار أو الورود التي تشتهر بها إحدى مناطق البلاد... 


أما بالنسبة للنجمة الثمانية فقد جاءت على شكلين مختلفين، واحدة كبيرة هي عبارة عن تداخل نجمتين رباعيتين مقوسة الخطوط، أما الثانية، وهي العنصر الهولوغرامي أو العلامة اللامعة على الورقة، أتت أقرب إلى تداخل مربعين، وهذه الأخيرة وإن نسبها البعض للسلاجقة، فهي تعود إلى حضارات رافدية قديمة كما أنها ترمز في المسيحية إلى المعمودية، وتألفها العامة أيضاً في "البحرات" التي تتوسط فناء بعض الدور الدمشقية...


أتت كل فئة من هذه الأوراق بلون مختلف إذن ليسهل تمييزها من قبل ضعاف البصر، بالإضافة إلى تضمينها ميزة الطباعة النافرة ليستطيع المكفوف التعرّف عليها بيسر... أما الجهة الخلفية من الأوراق فقد تصدرها رسمٌ لمصرف سوريا المركزي وتظهر أمامه ساحة "السبع بحرات". في الجزء اليميني منها نجد "العلامة المائية" للورقة النقدية (وهي رسم من أصل الورق ويظهر جلياً عند تسليط الضوء عليه) وهذا الرسم يمثل قبّة الخزنة، وقد بناها العباسيون في فناء المسجد الأموي بدمشق... الأمر الذي ينفي فكرة استبعاد أي رموز تاريخية أو دينية من التصاميم، وإن كنت شخصياً أراها فكرة مقبولة كعنصر ذي صلة بطبيعة المُنتَج. 
إن التصميم بشكل عام هادئ، لا يُقصي ولا يستفز إن جاز لنا التعبير، لكنه يصل حدّ الملل والفقر.


تحيلنا كلمة تصميم إلى سؤال بسيط وتلقائي عن الجدّة في البحث وعن الابتكار وعن الأصالة؟ والسؤال الأكبر هو عن هوية هذه العُملة.


إن تلك القطعة الزخرفية الهندسية التي نجدها في خلفية التصميم  تعطي ربما إشارة أو طابعاً شرقياً للورقة، إلا أنها عدا عن كونها بدائية ومستهلكة، لا تتفاعل أو تتحاور مع العنصر الأساسي فيها. ونسأل: ألم يكن ممكناً اختيار زخرفة مختلفة لكل فئة؟


أما عن اختيار هذه العناصر الطبيعية "الحيادية" لتتصدر العملة الجديدة، فهل هو الحل الأمثل أو الوحيد؟ ما الحوار الذي تقيمه هذه العناصر في ما بيننا؟ 
من المبررات التي قد قرأناها، أن البلد قد خرج للتو من أتون حرب مدمرة، وأن علينا الآن ألا نزيد هذه الانقسامات أو الهوّة التي ظهرت في المجتمع، فكانت هذه الخيارات الحيادية الجامعة المسالمة. 


نحترم بالطبع هذا المبدأ ونثمّن هذه النية السليمة، وبالتأكيد حبة البرتقال لن تُحَيّد أحداً أو تستبعده، لكنها لن تقرّب البعيد أو الخائف أو من يشعر بأنه غير مقبول، فلماذا لا نفكر بطريقة إيجابية أكثر: بلد ممزق ومجتمع ظهرت فيه شروخ وانقسامات بأشكال مختلفة، لماذا لا نصمم أوراقاً فيها رموز تدعو إلى المصالحة، تقدّم أفكاراً تقرّب وتجمع...؟ كأن تبني علاقة مع الآخر، ترسم جسراً بينك وبينه للتواصل، نافذة أو باباً، يداً ممدودة إليه... 


ولماذا زهرة القطن لا مشهد جني القطن، لماذا حبات الزيتون لا صورة معصرة الزيت مثلاً؟ أين الإنسان كفعل؟ أين العامل أو الفلاح أو البنّاء أو المفكر أو الفنان أو العالم؟ 
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، دعونا على سبيل المثال نطلع على التجربة الألمانية بعد خروج البلاد مدمرة ومهزومة أخلاقياً غداة الحرب الثانية وانهيار المارك. لقد قام تصميم المارك الألماني على مبادئ شبيهة بمبادئ العملة السورية الجديدة، لا قادة عسكريين ولا شعارات قومية ولا لغة فوقية، لكنهم ذهبوا إلى صور المفكرين والشعراء والعلماء والموسيقيين... وخلاصة القول فيها إن القيمة هي في الإنسان وفي عقله وموهبته. أما على صعيد الشكل، ففيها غنى غرافيكي وحضور وازن للعناصر يُشعرك بقوة الورقة وبالحرفية العالية في إخراجها. 


بقيت لنا تساؤلات بسيطة أخرى، بالنسبة للعُقاب، شعار الجمهورية الجديد، ألم يكن من المفضل أن يُدرس مكانه بحيث لا يتغير بتغير رقم قيمة الورقة. ونتساءل عن الحكمة من استخدام نوعين من الأرقام، العربي والهندي في أمكنة مختلفة من هذا التصميم، كما نتساءل عن عدم تصميم رمز لليرة بالمرة، كما لليورو والدولار الأميركي مثلاً، لوضعه قرب قيمة الورقة... فمن فوائده أننا لن نرى أخطاءً نحوية من قبيل " 10 ليرة" بدلاً من 10 ليرات. 


يتكلم البعض عن الهام والأهم في الوقت الحالي... أي أن بناء الدولة وأولوياتها وملفاتها الكبيرة والمستعجلة ولا سيما في تأمين أساسيات المعيشة للمواطنين، هو الأهم حالياً وله الأولوية، وهذا كلام سليم، ولكن، هل تصميم العملة الجديدة بحرفية وإبداع عاليين سيُشغل مؤسسات الدولة كلها من أعلى الهرم حتى أصغر موظف فيها؟ بالطبع لا. 


أجد أن "حربنا" هي حرب حضارية ووجودية، والأوراق النقدية في أي بلد هي جزء من هويتها، من "القوة الناعمة"، والأمر يتعدى الإعجاب بتصميمها أو بعناصرها المنتقاة. هي صورة من صور البلد، وسيط ثقافي وسياسي متنقل، فهي تستخدم يومياً وتعبر الحدود وتلامس أبناء البلد كما السياح، قوة ناعمة لها تأثير عبر الرموز والقيم والجاذبية الثقافية... والصورة ترتبط بذهن حاملها وتؤثر فيه، تشعره بالثقة وبالاستقرار؟ فبماذا يجيب التصميم الجديد على سؤالنا: من نحن؟

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث