للشرقيين علاقة قديمة بالتدخين لا تقوم على العادة وحدها، بل على الطقس والهوية والتواطؤ الصامت مع الزمن. النرجيلة، الغليون، السيجارة، ليست أدوات استهلاك فحسب، بل أشكال من الإدمان المؤقت، ومن تأجيل الأسئلة الثقيلة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا العشق المتجذّر، عجز الشرق طويلًا عن تحويل شغفه القاتل إلى معرفة، وعن تحويل عادته إلى صناعة، وعن تحويل موارده إلى قيمة مضافة تُشبهه وتليق به. كأننا نعرف كيف نُدخّن، ولا نعرف كيف نفهم ما نُدخّنه.
تبغ «لاتاكيا» لم يكن استثناءً فادح الدلالة. ظاهرة فريدة في عالم التبغ، لا بسبب النبات وحده، بل بسبب الصنعة التي وُلدت في الهامش، في غرف ريفية مظلمة، من تزاوج الصدفة بالخبرة، والدخان بالوقت. منتج لا يشبه أحدًا، ولا يمكن استنساخه بسهولة، لأن روحه ليست في الورقة وحدها، بل في المكان والمعرفة المتراكمة والصبر الطويل. ومع ذلك، جرى التفريط به بهدوء، كما جرى التفريط بكثير من الثروات الشرقية التي لا تُهدر دفعة واحدة، بل تتآكل عبر التنظيم السيئ، والاحتكار الغبي، والإدارة المُستباحة، وانعدام الخيال الاقتصادي.
حين انتقلت صناعة تبغ «لاتاكيا» من اللاذقية السورية إلى قبرص، لم تنتقل لمجرد أسباب تقنية، بل لأن الشرق، مرة أخرى، لم يفهم ما يملك. لم يفهم أن القيمة ليست في الاسم ولا في التاريخ، بل في القدرة على حماية المعرفة وتحويلها إلى نظام إنتاج مستدام. هكذا خرج المُنتج من أرضه، واستقر في مكان آخر أكثر قدرة على التنظيم، ثم عاد إلينا – أو إلى العالم – بوصفه سلعة ناجحة، مصقولة، ومربحة، لكنها منفصلة عن سياقها الأول.
هذه الحكاية ليست عن التبغ وحده. إنها تشبه كل ما فسد في الشرق: ثروات وبشر تُكتشف بالصدفة، تُهدر بالإهمال، ثم يُعاد تصديرها إلينا بعد أن يستثمرها غيرنا بعقل بارد وصبر طويل. في هذا المعنى، يصبح «لاتاكيا» مرآة صغيرة لاقتصاد أكبر، وثقافة أكبر، وعجزٍ مزمن عن فهم الفرق بين الامتلاك والاستثمار، بين العشق والمعرفة، وبين الدخان كمتعة، والدخان كعلامة على احتراق الفرص.
تاريخ الساحل الكنعاني مع التبغ قديم ومتقلب. على امتداد الريف الساحلي من ريف اللاذقية إلى جبلة وطرطوس وطرابلس حتى صيدا وصور، نشأت زراعة تبغ شرقي بورقيات صغيرة الأوراق ملائمة لمناخ البحر المتوسط. ما جعل المنطقة شهيرة عالميًا ليس السجائر المحلية بقدر ما هو منتج "لاتاكيا" الذي عُرف عند مدخّني الغلايين طوال قرنٍ وأكثر برائحته الدخانية الكثيفة. عرفت اللاذقية منذ أواخر القرن السابع عشر ازدهاراً اقتصادياً ملحوظاً ارتبط بتجارة التبغ، ولا سيما تصديره إلى مدن الدلتا في مصر. ومن هذه البيئة وُلد التبغ الشهير المعروف بـ"الدخان أبو ريحة"، الذي ظهر عام 1744 في ظروف استثنائية، حين منع عصيان أهالي الجبل بيع محاصيلهم، فقاموا بتعليق منتجهم من أوراق التبغ في سقوف الغرف الطينية المجاورة لبيوتهم. ومع إشعال النار شتاءً للتدفئة، تشبّعت الأوراق بالدخان واسودّ لونها، لتكتسب رائحة مميزة لم تكن مقصودة. في العام التالي، وبعد صلحهم مع السلطة، جربوا بيع هذا التبغ الأسود لتجار اللاذقية الذين صدّروه إلى دمياط، حيث لاقى رواجاً كبيراً، وطلب المستوردون الأجانب الاستمرار بإنتاجه. منذ ذلك الحين ذاع صيت "تبغ اللاذقية" عالمياً، وعُرف في أوروبا وأميركا بهذا الاسم. وفي أواخر القرن الثامن عشر أسّس تجار المدينة "شركة تجار التبغ"، واتخذوا من «خان الدخان» القريب من البحر مقراً للتخزين، وهو البناء الذي تحوّل لاحقاً إلى متحف اللاذقية الأثري.
من المفيد أن نرى سوريا بوصفها بلد تبغ لا بلد "لاتاكيا" فقط. في الأدبيات الزراعية المحلية تُذكر اللاذقية بوصفها محطة مبكرة لزراعة التبغ في غرب آسيا منذ أواخر القرن السادس عشر، مع إشارةٍ إلى سنة 1590 بوصفها تاريخًا مبكرًا لزراعة التبغ في محافظة اللاذقية تحديدًا.
ومع الزمن توسعت الخريطة السورية للتبغ خارج الساحل، لتشمل طرطوس وإدلب ومنطقة الغاب وغيرها، مع تباين واضح في الأصناف والغايات الصناعية.
في هذا المشهد تتجاور أصناف محلية وعالمية، ويظهر "التبغ البلدي" الذي يُشار إليه محليًا حسبما قيل لي باسم "شكّ البنت" ضمن حزمة الأصناف المزروعة، إلى جانب أصناف شرقية معروفة مثل "بسما" و"كاتريني"، وأصناف تصنيع شائعة عالميًا مثل "برلي" و"فرجينيا"، فضلًا عن "التنباك البلدي" المرتبط نباتيًا بـ Nicotiana rustica.
هذا التنوع ليس تفصيلاً هامشيًا، بل هو الذي يفسّر لماذا ظلّت زراعة التبغ ممكنة حتى حين انهارت بعض حلقات التصنيع والتصدير، لأن السوق المحلية وأنماط الاستهلاك والصناعة لا تقوم كلها على ورقة واحدة ولا على "صفة دخانية" واحدة.
اقتصاديًا، تُظهر دراسة اقتصادية قياسية معتمدة على بيانات منشورة في جامعة اللاذقية أن إنتاج سوريا من التبغ بلغ ذروة لافتة قرابة عام 2005 بنحو 28870 طنًا، وهي ذروة تُقرأ عادة بوصفها انعكاسًا لتوازنات سعرية وتنظيمية وقدرات تصنيع وتسويق في تلك المرحلة. وتضيف مصادر أممية في تقييمات الأمن الغذائي أن سوريا أنتجت عام 2011 نحو 17000 طن من التبغ من مساحة تقارب 11400 هكتار، بما يوضح أن القطاع كان ما يزال كبيرًا عشية التحولات الأشد قسوة.
"لاتاكيا" ليست صنف بذور بقدر ما هي طريقة معالجة، أي هوية مصنوعة أكثر مما هي هوية مزروعة. تقوم الفكرة في جوهرها على تجفيف شمسي أولي لأوراق تبغ شرقي، ثم تعريضها لفترة طويلة لدخان نارٍ بطيء داخل غرف أو حظائر بسيطة. هذا الدخان ليس مجرد حرارة، بل هو حاملٌ لمركباتٍ عطرية متطايرة تلتصق بالورقة وتدخل في أنسجتها، فتمنحها ذلك الطابع الذي يلتقطه المدخّن بوصفه رائحة موقدٍ قديم أو خشبٍ محترقٍ بعناية. في هذا المعنى يصبح التفويح تقنية ريفية دقيقة، حتى لو بدت في ظاهرها بدائية.
وفي رواياتٍ شائعة في أدبيات تجار الغلايين خارج المنطقة، يُروى أن هذه الصنعة اكتُشفت مصادفةً حين خُزّنت أوراق فائضة في علّيات بيوت ريفية كانت نارها المنزلية ودخانها يتسللان ببطء إلى المخزون طوال الشتاء، قبل أن يُكتشف في الربيع أن الورقة تغيّرت رائحةً وطعمًا. هذه الحكاية التفسيرية لا تعمل كوثيقة تاريخية بقدر ما تعمل كمرآة لطريقة نشوء الصناعات الريفية.
التمييز الحاسم في «لاتاكيا» النهائي هو اللون والقوام والرائحة. بعد التفويح الطويل تصبح الأوراق داكنة جدًا، تميل إلى البني العميق فالسواد، مع ملمسٍ أكثر ليونة ومرونة وأقرب إلى "جلدٍ نباتي" مقارنة بالأوراق الشرقية المجففة شمسياً فقط. في الطعم تظهر الدخانية أولًا، ثم تتبعها نبرات توصف غالبًا بالجلدية والترابية، وأحيانًا لمحات توابل وزهرٍ خافت بحسب الخلطات ونوع الخشب والنباتات العطرية المستخدمة في الدخان. ولهذا نادرًا ما تُستهلك «لاتاكيا» وحدها، بل تُستخدم في خلطات الغلايين بوصفها "بهارًا يضيف عمقًا ويضبط الاحتراق ويمنح الخليط عموده الفقري الدخاني، وهو ما يفسر ارتباطها التاريخي بالخلطات الإنجليزية والبلقانية. والتي أثرت في وجدان عوالم نوادي التبغ المغلقة والطبقات الثرية في العالم الكولونيالي الأوروبي في تلك الفترة، والتي انتقل تأثيرها بشدة إلى الفن التشكيلي كما ظهر في رسوم وليام مايكل هارنيت. وظهر الاسم في كتابات آرثر كونان دويل (شرلوك هولمز) عدة مرات كتبغ يحمل دلالة طبقية ومعرفية، وذكره جورج أورويل المغرم والعاشق للتبغ في مقالاته عن التدخين والتأمل، كما ذكر أيضًا في أعمال المستشرقين الفرنسيين والألمان.
لقد كانت عبوات تبغ لاتاكيا تقدم كهدايا في أعياد الميلاد، وبعد السفر، وهو يقدم من شدة قوة أثره، كـمُنكه لتبغ الغلايين الأوروبي المعتاد، يضاف منه قليلًا للغليون. بسبب رائحته النفاذة القوية العطرة.
هنا يجب التفريق بين ثقل الرائحة وثقل النيكوتين. رائحة «لاتاكيا» ثقيلة وحاضرة بقوة، لكن ثقلها النيكوتيني ليس بالضرورة الأعلى مقارنة ببعض تبغ الغلايين الأخرى، ولذلك يستعملها الخلاطون بنسب مدروسة كي لا تطغى. أما البذرة، فالصورة التاريخية أكثر التباسًا: محليًا يُربط التبغ البلدي في الساحل باسم "شكّ البنت" كما ذكرنا، بينما تتحدث أدبيات خارجية عن صلاتٍ محتملة بينه وبين سلالات مجاورة في الأناضول.
حين نتحدث عن سبب التراجع لا نجد سببًا واحدًا بل شبكة أسباب. هناك الضغط البيئي أولًا: التفويح التقليدي يحتاج وقودًا نباتيًا كثيرًا، ومع الزمن يصبح الحطب ذاته قضية دولة وغابة لا مجرد أداة فلاح. في نصوص منظمة الأغذية والزراعة عن الغابات في الشرق الأوسط تظهر إشارة مباشرة إلى قطع الخشب حول أطراف بعض المناطق لاستخدامه وقودًا في منشآت تجفيف التبغ، وهو ما يضيء الخلفية البيئية التي دفعت لاحقًا إلى التشدد في الحطب وطرائق التجفيف ثم يأتي العامل الزراعي–المرَضي. فكان انتشار أمراض خطرة على التبغ في اللاذقية سببًا في عدم قدرتهم على الاستمرار في إنتاجه، ومنها البياض الزغبي الذي يصيب أصنافًا متعددة ويؤثر في الكم والنوع، مع مسوح ميدانية على أصناف مثل البلدي والبرلي والبسما والكاتريني. في اقتصاد «لاتاكيا» هذا ليس تفصيلاً، لأن جودة الورقة قبل التفويح شرطٌ لجودة ما بعد التفويح، والمرض يفسد الشرط من جذره.
ثم تأتي بنية السوق والتنظيم. تاريخ التبغ في سوريا عرف مبكرًا أنظمة حصر واحتكار وتنظيم شديد، وتورد دراسة اقتصادية سورية سردًا لتقلبات الحصر عبر مراحل عثمانية ثم امتيازات وإدارات، وصولًا إلى التأميم وأنظمة ترخيص وتصنيف وتسويق تجعل الدولة مركز الثقل في شراء المحصول وإدارته. هذا النمط يخلق استقرارًا نسبيًا للفلاح من جهة، لكنه يخلق هشاشة تجاه التغيرات السياسية والمالية من جهة ثانية، لأن الحلقة التي تربط الحقل بالسوق ليست مرنة بما يكفي لتغيّر الأذواق العالمية أو تبدّل شروط التصدير.
حين انتقلت المعالجة تدريجيًا خارج سوريا لم تنتقل الأسطورة وحدها بل انتقل أيضًا معنى الاسم. صار «لاتاكيا» في السوق العالمية يصف منتجًا يُصنع في قبرص غالبًا، حتى حين يُستحضر في ذاكرة الذوّاقة بوصفه سوريًا من حيث الأصل. فصار المنتج اسمًا سوريًا يصنع خارج سوريا، وهذا أمر لم يمانع التجار والمزارعون القبارصة فيه طالما أنه الاسم بات أكبر من أن يتم تحويره أو تبديله، بل صار هو جاذبًا أساسيًا للمنتج.
بين 2011 وما بعده دخل التبغ السوري، كغيره من قطاعات الريف، منطقة اضطراب طويلة. ومع ذلك لم تختفِ الزراعة. مؤشرات أممية تُظهر أن التبغ كان حاضرًا في الإنتاج والمساحات حتى في سنوات الحرب، مع توقعات بانخفاض المساحة أحيانًا وارتفاع كلفة المدخلات وتعطل حلقات التصنيع والتسويق. كما أن الإحصاءات الزراعية المحلية الحديثة قبل سنوات قليلة من الحرب تظهر مساحات وإنتاجًا معتبرين وتؤكد أن الساحل بقي قلبًا زراعيًا للتبغ، حتى لو تغيّر الوزن النسبي للأصناف والوجهات الصناعية.
أما لاتاكيا السوري تحديدًا فمستقبله أصعب من مستقبل "التبغ السوري" عمومًا، لأنه يحتاج شروطًا إضافية: غطاءً نباتيًا يسمح بوقودٍ عطري دون استنزاف الغابات، وتنظيمًا يتيح صناعة صغيرة عالية القيمة بدل صناعة واسعة الاستهلاك، ومسار تصدير قادر على التعامل مع سوقٍ متخصص صغير لكنه حساس جدًا للجودة والثبات. الواقعي على المدى القريب هو بقاء التبغ السوري كزراعة معيشية وصناعية محلية بأصناف متعددة، بينما يبقى «لاتاكيا» التقليدي أقرب إلى ذاكرة تقنية يمكن إحياؤها فقط إذا التقت السياسة البيئية مع اقتصاد المنتج المتخصص ومع استقرار سلاسل التوريد.
ما حصل مع تبغ لاتاكيا، يبدو مماثلًا لما جرى مع بن اليمن، الذي خسرته اليمن واستبدلته بالقات لأسباب كثيرة يطول شرحها، لكن تتم اليوم محاولات جادة لاستعادة النبتة اليمنية المميزة لكن هذه المرة في دولة مجاورة هي السعودية التي تمتلك فضاءً جغرافيًا مشابهًا لجبال اليمن في جنوب المملكة.
قصة تبغ الساحل ليست قصة نبات وحسب، بل قصة علاقة بين قريةٍ تتدبر وقودها، ودولةٍ تُحكم الحصر، وسوقٍ عالمي يتذوق ويعاقب بسرعة. «لاتاكيا» بالذات يعلّمنا درسًا ساخرًا: أحيانًا تولد الشهرة من دخان بيتٍ ريفي، ثم تموت حين يصبح الدخان مسألة إدارة فاشلة ودولة وعقوبات وتجارة. وبين الميلاد والموت تبقى الورقة الصغيرة، ورائحةٌ لا تشبه إلا نفسها. وتاريخ يروى.
