(عطفا على المنشور الأخير)
ندخل العامَ الجديد 2026 آمنين، نصِل حرفاً بحرفٍ في خطاب الدخول والخروج، السقوط والنهوض، الهمس والصراخ (أليس كذلك يا ملك الحكمة لقمان؟)
لسنا ممّن يَحنون الرِّقاب، أبصارُنا معلّقة بالرسالة الألفيّة المشفّرة، على جدار البرج البابليّ الشاهق (ألستَ شاهدَنا يا إدريس، ناسخَ الرسالة الأولى؟).
نحن من نَصَبْنا الساعات في السّاحات العامة، ومحطّات القطار الليليّ، كي نرصد عليها زمنَ السَّير في الآفاق، ثمّ لم نأبه لتوقّف العقارب المعدنية الدقيقة عن الدوران. فقد حفظنا اتجاهات السَّير على السِّكك الحديد، فطرةً وطبيعةً وفكرة (ألا تؤيّدنا في ذلك، يا ناظر محطّة قطار أور؟).
لم تُلْهِنا الشاشاتُ الوامضة في حواسيب عصرنا عن اتّباع خوارزميّات النصوصِ المحفوظة في مكتبات بغداد وبخارى وسمرقند. تلالٌ من مسائل الرياضيّات المعقّدة أبقتْنا أحياءَ على كوكب صغير في أوقيانوس المجرّات البعيدة. ضوءٌ يصدر من سِراج ابن سينا وابن الهيثم وابن النفيس لهوَ خيطٌ من السنوات الضوئية التي سلكتْنا في الكينونة البشرية العاقلة (ما أوفى الأبناء الكاتمين أسماءهم، المُرسِلين اختراعاتهم عبر العصور، في عزلة وحرمان!).
تجرّنا الحال إلى حال، والعُسر إلى يُسر، والمقاسات الصغرى إلى كبرى، والأجزاء إلى فرائد وجواهر وكلّيات، ولسنا بهذا غير طبّاعين ورزّامين في مطبعة حَجَرية، نقلَها الرّهبان الدومينيكان إلى دير جبليّ، وصاروا أمناءَ على طبع الكلمة السّماوية بحروف وضعية، والحكمة الأزلية بقصيدٍ بشريّ وسردية سُوقية ورغباتٍ جامحة (مَن تكون أيها الراهب، الطابعُ نسخاً إضافية من كتاب ألف ليلة وليلة، وإشاعتها بين كُتب الصَّلوات اليومية. إنّي أشهِدكَ على صَنعتنا التي تعلّمناها من نَسخيّات الدّير الجبليّ. وأنت شاهد آخر، أيها الأب أنستاس ماري الكرمليّ).
تُدَّق الأجراس لأبطال الحرب، وقادة المعارك القاهرين؛ لكنّها تُدَقّ أيضاً للمهزومين والمخذولين، والمحبوسين والمختفين والمظلومين والساقطين في الحُفَر (وإلّا كيف نفسّر عنوان أرنست همنغواي الذي جعله عنواناً لإحدى رواياته: "لمن تُدَقّ الأجراس" وكأنه سؤال علّق الجواب عليه بمن تعنيهم دقّات الأجراس وحدهم دون غيرهم. ونستعين بك يا كاوه الحداد، صانع جرس الحرية، تؤيّدنا فيما نقول).
يحبسنا الفكر هنا في الواقع الأدنى، قرب حظيرة جاموس، ويحملنا هناك في المدى غير المنظور، مع مغامري الرحلات الألفية. الحيرة والذهول صنوا الفكر الراحل إلى ما وراء الحظيرة (ودليلنا صادق كويش، فنٌان الظلال السود لرحلات الفكر المسافر).
لو سُقنا مئاتِ الشواهد، واستعدنا آلافَ الشذرات اللقمانية، وأرسلنا/ استقبلنا آلافَ الإشارات الضوئية، بلغاتٍ غير معدودة، ووقفنا على شفير الهاوية، فقد يأتينا وحيٌ معفَّر بتراب يثرب أو إكليل الجلجثة، يحدّق إلى المنظر الأخير، ثم يعود من حيث أتى، تنفخ الريح أردانَه، وتطوي المسافات ظلالَه المنسحبة، معلّقاّ سؤاله: لِمَ هذا الثَّواء والطَّواء، يا حَفَدةَ البرج البابليّ المتصدّع؟ (ولتكنْ، أيّها النبيّ الأمين، سندي الأخير في هذا السؤال).
----------
(*) مدونة نشرها القاص محمد خضير في فايسبوكه
