منذ خمسين عاما كاملة، وقبل أن ينقضي العام 1975 بيومين استقبلت إحدى صالات العرض الصغيرة بمدينة الإسماعيلية واحداً من أهم أفلام السينما المصرية واكثرها إثارة للجدل، وبدا الأمر لافتا أن يتم عرض فيلم "الكرنك" المدجج بالنجوم في صالة صغيرة بعيدا عن صالات العاصمة رغم الدعاية والملابسات التي واكبت إنجازه، وحالة الترقب التي سادت المهتمين بالسينما في مصر لفيلم مأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ وبطولة سعاد حسني، ولم يكن خافياً – ساعتها – على أحد أن سرديته السينمائية ما هي إلا جزء من تصفية حساب سياسي مع الحقبة الناصرية التي تلقت ضربات متتابعة ومؤثرة في السنوات الأولى لحكم السادات منذ بتوليه الحكم عقب وفاة عبد الناصر في أيلول 1970.
وأذكر أنني سألت منتجه وكاتب السيناريو له ممدوح الليثي عن أسباب هذا التعجل في عرض الفيلم بهذه الطريقة التي بدت سرية لعمل صاحبته ضجة كبرى أثناء تنفيذه؟ فقال إن ذلك كانت وراءه أمور عديدة، فقد واجه الفيلم مشاكل رقابية خاصة نظرا لحساسيته في انتقاد الفترة الناصرية، وتعنت وزير الثقافة في حينه الكاتب يوسف السباعي في التصريح للفيلم ما دعا الليثي إلى اللجوء للرئيس السادات كي يحصل على المواقفة بالعرض. ويضيف الليثي أنه هو وشقيقه المنتج والموزع إيهاب الليثي تحديا وزير الثقافة، وأصرا على عرض الفيلم قبل نهاية العام رغم أن موسم عيد الأضحى المبارك الذي بدأ تلك السنة في الثالث عشر من الشهر نفسه كان يوشك على الانتهاء مفسحاً صالات العرض لأفلام موسم أعياد الميلاد، وهي نوعية من الأفلام لم يكن "الكرمك" ملائماً لها، لكنه العناد ليس أكثر، فضلا عن أن اتفاقاته مع الموزع الخارجي كانت تجبره على عرض الفيلم قبل نهاية العام 1975، غير أن المشكلة كانت في سطوة أزمة دور العرض وعدم وجود صالات لاستقبال الفيلم المشغولة بأفلام عيد الأضحى، ما اضطره لعرضه بعيدا عن العاصمة، قبل أن ينتقل لاحقا إلى سينما ريفولي بقلب العاصمة المصرية.
لكن العقبات التي واجهت "الكرنك" بدأت قبل ثلاث سنوات من هذا التوقيت وهو لم يزل بعد نصا روائيا على الورق، فقد قال مؤلفه نجيب محفوظ في مذكراته التي أملاها للكاتب رجاء النقاش إنه أرسل النص الروائي سنة 1972 إلى الصحافي محمد حسنين هيكل الذي كان يشغل وقتها منصب رئيس تحرير "الأهرام" كي يتم نشره كحلقات في الصحيفة، غير أن هيكل قابل ذلك بثورة عارمة متهما محفوظ بمعاداة فترة عبد الناصر، بل وشكاه إلى صديقه الكاتب توفيق الحكيم معلناً رفضه نشر الرواية في صحيفته. وبالفعل لم تُنشر الرواية في "الأهرام" إلا في العام 1974 وبعد خروج هيكل من المؤسسة الصحافية العريقة، وقد سألتُ نجيب محفوظ عقب فوزه بجائزة نوبل عن خلفيات هذه الواقعة، فأفادني بأنه تذكر حيال رفض الأهرام نشر روايته موقف الصحيفة السابق من نشر رواية "أولاد حارتنا" سنة 1959، وأن هيكل المحسوب على فترة عبد الناصر اتهمه يومها صراحة بأنه يخوض حرباً بالوكالة ضد المرحلة الناصرية لصالح الرئيس السادات.
ونفى أديب نوبل ساعتها هذا الاتهام تماماً، وأشار أنه دائما كان معنياً في أدبه بقضية الحريات، وأنه استوحى أحداث "الكرنك" من مخالطته لمجموعة من المعتقلين الشباب كانت تجمعه بهم جلسات مقهى "ريش" بوسط القاهرة، وكيف كانت تمارس كل أشكال التعذيب داخل السجون المصرية قبل وبعد وقوع هزيمة 1967، فقلت له: هل كانت تدفعك ميولك الوفدية السابقة وأنت تنتقد في "الكرنك" فترة حكم عبد الناصر خاصة وأنها لم تكن المرة الأولى التي تفعلها على النحو الذي رأيناه – مثلا – في روايتي "السمان والخريف" و"ميرامار"، فأشار إلى أنه انتقد سلبيات الثورة في ظل وجود عبد الناصر على رأس السلطة كما في النموذجين المذكورين وغيرهما، ولم يكن بحاجة لانتظار نهاية حكمه كي ينتقد فترته بحسب ما تصوره البعض في رواية "الكرنك" لكنه في ذلك الوقت كان مدفوعاً بأجواء الحرية التي أوجدتها ما أسماها السادات بثورة التصحيح في أيار 1971 وبحكايات الخارجين من المعتقلات الذين جالسهم على مقهى ريش، مضيفاً أنه فكر في البداية بأن يطلق على روايته اسم "ريش" بدلاً من "الكرنك" وكلاهما من أشهر مقاهي العاصمة المصرية، لكنه تراجع حتى لا يوغر صدر الرقباء تجاه روايته لما يمكن أن يحمله اسم "ريش" من تداعيات أمنية وسياسية.
ويحكي الفيلم – كما الرواية – عن ثلاثة من طلبة الجامعة كانوا يؤمون مقهى "الكرنك" قبل عام 1967 لصاحبته إحدى الراقصات المعتزلات (سعاد حسني ونور الشريف ومحمد صبحي) يجدون أنفسهم داخل معتقل يقوده أحد مراكز القوى (كمال الشناوي) وتمارس عليهم كافة أشكال التعذيب من أجل انتزاع اعترافات بالقيام بأعمال معادية للدولة، فيتم اغتصاب الأولى في واحد من أكثر مشاهد السينما المصرية قسوة وجرأة، وممارسة أبشع مشاهد العنف على الاثنتين أثناء التعذيب فتنتهك آدمية أحدهم، فيما يلقى الآخر مصرعه داخل المعتقل، ورغم بعض الاختلافات بين السردية البصرية عند كاتب السيناريو ممدوح الليثي والمخرج علي بدر خان، وبين ما جاء به نجيب محفوظ في سرديته النصية فإن كلا العملين لم يخرجا عن الفكرة العامة التي ربطت بذكاء وعمد بين قمع الحريات ووقوع هزيمة 1967 من جانب، وبين انتهاء هذا العصر ونصر أكتوبر من جانب آخر إذ تقع كل أحداث الفيلم تحديداً بين هلالين كبيرين يمثلان مشهدي انتصارات أكتوبر، وبينهما تتذكر بطلة الفيلم زينب دياب أو سعاد حسني كل ما حدث لها ولحبيبها إسماعيل الشيخ أو نور الشريف خلال هذه السنوات العجاف.
ولئن كانت ميول نجيب محفوظ الوفدية القديمة قد وفرت لمنتقديه بعض التفسيرات حيال دوافعه لكتابة رواية "الكرنك" فإن الاتهامات التي طاولت مخرج الفيلم علي بدرخان وبطليه سعاد حسني ونور الشريف المعروفين بانتمائهم للحقبة الناصرية لا تزال تطارد تاريخهم حتى اليوم رغم توقف الأول تقريباً عن الإخراج ورحيل بطلي الفيلم، وفي وقت سابق قال لي بدر خان إنه هو الذي سعى لتقديم الفيلم، وأنه فور نشر الرواية في حلقات بالأهرام بادر إلى الاتصال بنجيب محفوظ كي يكون "الكرنك" فيلمه الثاني بعد فيلمه الأول "الحب الذي كان" لكن محفوظ أبلغه بأن آل الليثي سبقوه بقليل واشتروا حق تقديم الرواية، فكرر مسعاه لدى ممدوح الليثي كي يتولى هو إخراج الفيلم، مبدياً دهشته من الذين انتقدوا قيامه بهذه المهمة مؤكداً أن حبّه لعبد الناصر وعضويته السابقة في حزب التجمع اليساري لا يعني على الأطلاق ان يكون أحد دراويش تلك الفترة، أما سعاد حسني فصرحت لي ذات يوم أنها وافقت على تقديم الفيلم انطلاقاً من إيمانها بثورة يوليو، وأنه ليست هناك ثورة من دون أخطاء مثلما جاء في سياق الفيلم، وأنها لا هي ولا زوجها – في ذلك الوقت علي بدر خان - ولا نور الشريف ولا حتى صلاح جاهين مستشار الفيلم كانوا معنيين بتشويه فترة عبد الناصر أو الانقلاب على مبادئ الثورة لسبب بسيط، وهو أن الضباط الأحرار الذين قاموا بثورة 1952 هم أول من كان منوطاً بهم الحفاظ على الحريات، وإلا لما كانوا يستحقون هذا المسمى النبيل، وإن نقد ممارسات بعض المنتمين إلى تلك الثورة ومن داخلها بغرض تقويمها هو واجب وطني وقناعة سياسية كان لا بد منها.
يشار إلى أنه في أعقاب النجاح الساحق الذي حققه الفيلم ساد تيار واضح عرف بـ"كرنكة السينما المصرية" أفرز مجموعة من الأفلام لعبت على وتر قمع الحريات في زمن حكم عبد الناصر كان أبرزها: إحنا بتوع الأتوبيس، امرأة من زجاج، طائر الليل الحزين، وراء الشمس، 2 على الطريق، والتحويلة.
