عِلمُ التنجيم وقراءةُ الطالع، عِلمٌ بابليٌّ قديم، وقد ألّفتُ من وحيه قصة "الستّون" المستقبلية (أبدلتُ عنوانها إلى_ الطالع الأخير_ عندما نشرتُها في_ كتاب العقود_ الصادر عن دار الجمل 2020).
وفي هذه القصة يتصوّر راويها- الذي يعمل محرِّراً لقسم الأبراج في جريدة محلّية- العالمَ في ألفيّته الخامسة، وأنّ رجلاً آخر سيأتي ويحتلّ مجلسه الاعتيادي، تحت شجرة الجمّيز المقابلة لدائرة البريد، وساعتها الكبيرة، فيرى: "شجرة حديدية، أو سُوراً مكهرباً، أو ديناصوراً آليّاً" بدلَ ما يراه في موقعه، بانتظار ساعي البريد الذي يوزّع له رسائلَ الطوالع اليومية.
كان محرِّر الطوالع هذا، يختار شخصاً بصورة عشوائية، ليبلِغه في رسالةٍ بموعد رحيله في عربة البريد الألفيّة، لاحقاً سواه من الأشخاص العظام- الذين أفِلَتْ كواكبُهم منذ أقدم العصور. إنّه رجلُ الستّين يخالِس رجالَ الستّين من أمثاله ويسلبهم أعمارَهم، كما سلبَ في رسائله أعمار غيرهم: "الأطفال المولودين في ظلال الأشجار المعمَّرة، أرامل الحرب، ضحايا الخداع السياسي، وأخيراً الشيوخ الراحلين بعربات سريعة إلى ما وراء الألفيّات الأرضية". أما الرسالة الأخيرة التي "خربشَها" على عجل، من موقعه في مقهى أمام دائرة البريد، فكانت موجَّهة إلى مؤقِّت ساعة دائرة البريد الخارجية. وعندما يرحل هذا الشخص ستتوقّف عقارب الساعة العمومية، ويحين موعد تحرير طالع الراوي نفسه، فيختم القصة بقوله: "ذا نهار سيدور ظلُّ الجمّيزة، فيبتلع الحُوتُ اسمي في جوفه الصامت، أتصفّح عنوانَ منزلي الأخير، وأسجد لرؤياي".
أنوي من موقعي الجديد على الفيس بوك، استئنافَ عمل راوي قصتي "الستّون- أو- الطالع الأخير"، وأقرانِه سُعاةِ البريد- كما صوّرتهم القصة- يغتسلون في حمّام عامّ، بعد انتهاء عملهم في توزيع الطوالع، ويقرأون أخبارَ العالم في صُحف مطبوعة على لدائن بلاستيكية مقاومة للبلل، بينما هم يغطسون في أحواض الحمّام- وأمدُّ بنظري/ رؤياي إلى المنازل الألفية البعيدة، مترنِّما بأغنية ثنائي الروك الأميركي ديني زاجر وريك إيفانز (In the year twenty five_ twenty five) التي سجلاها العام 1968، وصولاً إلى الحد الافتراضي الأخير في اغنيتهم التي تستطلع مصير الإنسان the man حتى العام 95_95.
أحرّرُ أغنية زاجر وإيفانز النبوئية، وأستطلع معهما مستقبلَ الإنسان ما بعد 25_25: "إذا كان الانسان حيّاً لا يزال"، يتصوّر الأعجبَ ممّا حدث، حين الستارة تنفتح على مشهد جليديّ، أو صحراويّ قاحل، تتصاعد من وديانه قشعريرةُ الصدمة الأولى للقيامة، بعد عشرة آلاف عام.
"في العام 9595
أتساءل عمّا إذا الإنسان سيكون على قيد الحياة،
لقد نالَ كلّ ما يمكن أن تقدّمه هذه الأرض القديمة،
ولم يُعِد شيئاً.
لقد مرّت الآن عشرة آلاف سنة،
ذرفَ الإنسانُ مليار دمعة،
لماذا لم يعرف أبداً؟ والآن انتهى عهد الإنسان.
وميضُ ضوء النجوم، خلال الليل الأبديّ،
بعيدٌ جداً، ربّما كان بالأمس فقط".
الرجعُ البعيد، المتناهي من الكورال الكونيّ، الذي يقوده المغنيّان زاجر وإيفانز، فوق السُّحب القرمزية، يتسلّل الى كهف الإنسان المحنَّط في قارورة، فيوقظ رؤيا غاربة، نتوقّع مشاهدها العبثية الآن. هكذا نحيا قيامتَنا التي ستحدث بعد أمد بعيد!
حامت السفينة "نوح "2 مدةَ طويلة، بما انصرم من سنين، وبما تحتويه من حفنة أحياء وكُتب وطعام وثياب وأدوية، وجثث قليلة محنَّطة؛ ثم حطَّت ثانية على الكوكب شبه الخالي الذي انطلقت منه الأغنيّة. الذكرياتُ باهتة، المشاعر مشتّتة، الأجساد منهَكة لطول البقاء بلا ملامسة حميمة.
"العودة" "النزول" "الدخول" وغيرها من مفردات الحركة والنهوض من سُبات الدورات الطويلة حول الأرض، غير مفهومة كما كانت أصلاً لسكّان السفينة الفضائية.
الدُّمى الراقصة، المخلوقاتُ الناجية، بصفاتٍ محوَّرة، القرود والإبل والجاموس والأفاعي، وبضعةُ ذكور البشر وإناثهم، تحفُّ بهم سحابةُ بعوضٍ خضراء، بقايا الجُزُر والغابات والصحاري والمستنقعات، يتداول أفرادها قصةَ مجلس الأمن قبل تناول الجسد الفلسطينيّ المطيَّب بتوابل لاذعة، في آخر حفلةٍ مرقَّمة على حساب عصر قبل الميلاد؛ هذه التي بعثَ الكاتبُ الروماني بترونيوس نسختَها الأصلية الى المخرج فيديريكو فيلليني، ليعرضها على مجلسنا باسم "ساتيريكون".
المندوبة الأميركية طلبَت مزيداً من الجثث: _ ماذا تقدّم لنا الآن أيها الطبّاخ غوتريسيوس؟"
_"الجسدَ السّوريّ طبعاً، يا سيدتي نيكي، متبّلاً بزيت الخردل".
نخزتْها سكرتيرتها التي تجلس وراءها: _"إياك التورّط بهذه الأكلة المشؤومة. إنّها مسمَّمة كما أفادت استخباراتنا. دعي هذا الروسيَّ الأصلع يلتهمها وحده".
تجشأ المندوبون الأمميّون ما التهموه من لحوم العرب، وهُرِعوا الواحد بعد الآخر لإفراغ بقايا الأجساد غير المهضومة؛ وفي الخارج تسيل الزيوت البشرية المصهورة، ويعبق الجوّ برائحة غريبة، متسرِّبة من القصف الجوّي الشامل لمدينة غزّة.
_ "ثمة خطأ ما. لا يجب أن نستعمل القوة. يجب أن نعود الى القانون واللياقة الدبلوماسية. لا أجدُ مبرراً لهذا التجبّر العسكري من طرف واحد.. نحن بشر أيّها السادة.. حضارتنا في خطر".
كان مندوب إحدى الدول التي تحتلّ بقعةً صغيرة على خارطة العالم، يهذي بين المندوبين الأمميّين النائمين، فيما اكتمل طاقمُ السفينة "نوح 2" وتهيأ للتحليق الوشيك.
أيقظ الكورالُ الغنائي فوق الغيوم غابرييل غارسيا ماركيز، فاستفاق لحظة وألقى نظرة على المشهد القرمزيّ خارج كهفه، ثم نبَرَ بعبارة قديمة، مفكّكة، بلغة البائدين، قد تُترجَم: "لم يستطع هؤلاء الحاكمون أرضَ البشر كتابة نهاية جيدة لروايةٍ ما. الأغاني قاتمة كذلك. ينقصهم شيء واحد: أن ينكحوا مؤخّراتهم". ثم عاد يواصل نومه.
القلّة التي انتُزِعت من مناطق النزاع الكيمياويّ، وأرسِلت في كبسولة فضاء الى مشارف العام 25 -25 ما عاد يُدهشُها أعجبُ شيء ممّا حدث. هؤلاء البقيّة ستعيش بلا زمن أو ذاكرة. وحين تطلّ مع "ماركيز" بعد همود الأغنيّة، سيبدو ما حدثَ قبل زمن بعيد كابوساً لن يتكرّر ثانية بالرعب نفسه. قرضَت فئرانُ التجارب حبلَ الزمن، وسقط الجنس المنقرض في الهاوية. الدخانُ أو الضباب القرمزيّ يغطّي على الكورس المغنّي، وراء زاجر وإيفانز، ولن يفهم أحدٌ سرَّ تلك الجلسة المشؤومة في دار الأمم القديمة.
الكارثة اليوم تخصّ الشعوبَ التي لم ترحل، لم تبنِ الملاجئَ المحصَّنة، ولم تفكّر بالخلاص، وبقيتْ مع فئران التجارب، تغنّي وتنحب مستقبلَها المهدَّد بالانقراض، وتكتب المراثي الجلجامشيّة منذ آلاف السنين. وجبَ أن تدخل هذه الجموع في الأغنية الختامية، بانتظار الطالع الأخير!
(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في فايسبوكة
