العام الذي أخذ داود عبد السيّد

أسعد قطّانالأربعاء 2025/12/31
Image-1767168317
أخذته الأيام الأخيرة من العام 2025 إلى عالم يشبه زرقة بحر الإسكندرية
حجم الخط
مشاركة عبر

"الحبّ بيخلّيك تشوف اللي عمرك ما تقدر تشوفو من غير حبّ" (داود عبد السيّد، رسائل البحر)

 

يغلق يحيى (آسر ياسين) إحدى نوافذ فيلّا عائلته في القاهرة، ويفتح نافذةً أخرى تطلّ على بحر الإسكندريّة. الطبيب الذي خسر مستقبله الطبّيّ بسبب التلعثم والتأتأة يقرّر أن يعيش وحيداً في الشقّة الإسكندرانيّة التي قضى فيها ردحاً من طفولته. هناك يتحوّل إلى صيّاد سمك، يستعيد حبّه المراهق لجارته الإيطاليّة كارلا (سامية أسعد)، وينسج صداقةً مع حارس يدعى قابيل (محمّد لطفي). لكنّه سرعان ما يكتشف انخراط كارلا في علاقة مثليّة، إذ تفضّل الغواية على براءة الحبّ الآتي من الزمن القديم، ويُغرم بشخصيّة غامضة تدعى نورا (بسمة) يحسبها مومساً بعدما أوحت إليه بأن يصطحبها إلى شقّته اتقاءً للبرد.

 

 

داود عبد السيّد، الذي أخذته الأيّام الأخيرة من العام 2025 إلى عالم يشبه زرقة بحر الإسكندريّة في شريطه السينمائيّ «رسائل البحر» (2010)، هو، بمعنًى ما، هذه اللغة السينمائيّة الفذّة التي نقف أمامها مذهولين: يسأل يحيى مَن يظنّها مومساً إذا كانت ترضى بعشرة جنيهات ثمن الليلة التي ستقضيها معه، عارضاً عليها أن يدفع البقيّة سمكاً، فتنفجر بالضحك. يقول لنفسه، بينما هو يصطاد، إنّه يحبّ كارلا، ثمّ يرمي السمكة التي اصطادها لتوّه في البحر، كي تستعيد، من جديد، الحياة التي كادت تفقدها. وحين تخبره نورا أنّها حبلى بطفلة أنثى لا تعرف إذا كان هو أباها، يعرض عليها الزواج، قائلاً إنّه يحبّها أكثر من الموسيقى، ولا يتحرّج من أن يتزوّج مومساً، وحسبه أنّها هي أمّ الطفلة. أمّا قابيل، الذي ضرب أحدهم، ذات يوم، ضرباً مبرّحاً حتّى مات، فيعيش مهجوساً بقسمه أنّه لن يضرب أحداً بعد اليوم، حتّى إنّه يهرب من عمليّة استئصال ورم في رأسه، بسبب خوفه من أن يفقد ذاكرته، فينسى القسم.

 

 

في هذا الشريط السينمائيّ العبقريّ، يرفع داود عبد السيّد القبّعة لمدينة الإسكندريّة، لشمسها المتسكًعة ورياحها الهوجاء، لحاراتها القديمة التي تكتظّ بالصيّادين، وتنام على صوت أمّ كلثوم وألحان محمّد القصبجيّ ورياض السنباطيّ. لكنّه لا يكتفي بذلك، بل يرصد أيضاً تغيّر المدينة. فيحكي حكاية الأبنية الرخاميّة القديمة حين تتهاوى كي تحلّ محلّها دور التسوّق الباطونيّة العملاقة. ويفضح تماسيح الصيد الذين يقتلون السمك بالديناميت ويلوّثون البحر بجشعهم المقيت. رصدُ تغيّر الأشياء والأمكنة والبشر بفعل مضيّ الزمن إن هو إلّا النغمة الأساسيّة في رائعة إبراهيم أصلان «مالك الحزين». هناك وجد داود عبد السيّد شخصيّة الشيخ حسني، الذي يعشق الحياة على الرغم من إصابته بالعمى. فنسج عليها شريطه الآخر «الكيت كات» (1991)، كاتباً أحد أهمّ فصول السينما المصريّة والعربيّة على الأطلاق. في «رسائل البحر». تابع المخرج التقاط الانزياحات الصائرة بفعل مرور الوقت، ولكن في سياق آخر، أي الإسكندريّة في تحوّلها من مدينة كوزموبوليتيّة إلى مزيج هجين من ليبراليّة جنسيّة وتشدّد دينيّ وشراهة رأسماليّة وعنف رجال الشرطة.

 

لقد رحل العام 2025 آخذاً معه داود عبد السيّد، هذا المصريّ القبطيّ العملاق الذي صنع للسينما لغةً لا تشبه إلّا ذاتها، لكونها لغةً إنسانيّةً تفكّك الزواجر والمحرّمات وتؤكّد، مرّةً تلو مرّة، قداسة الحرّيّة الفرديّة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث