كل الأحلام التي ذرفناها في كل سنة أو عند تلك الوهدة الدامية تركتنا وغادرت. هل هناك في سماء ما مكان لأحلام البشر التي لن تتحقق او تنتظر أجيالاً جديدة لتختبر إرادتها. أحلام مستعملة لكنها خلنج.
نقف بين سنتين، بين حافتين ولكننا عمليا على ضفة القارعة. ونسأل هل الوطن المتخيل أجمل من الواقع. وطن مدمن على الرقص في الكوارث. ذات مرة كتب الشاعر جوزف صايغ أنه "الوطن المستحيل" (2013)، وكتب السياسي كريم بقرادوني محللاً العهد الرئاسي بالقول إنها "لعنة وطن" (1984 ) وكتب الروائي محمد أبي سمرا "لعنة لبنان" (2025). تأخذني المقارنة بين وطنين مستحيلين في المنطقة: فلسطين ولبنان. الفلسطينيون يملكون روح الوطن ولا يملكون جسده. أما نحن في لبنان فربما تملك الجسد ولكننا لا نملك الروح. أو أننا فقدنا الاتصال مع الروح منذ تسممت الحياة وذبلت الجذوة وتعادلت الضفاف. على كل لكل فلسطينه.
كل سنة نحاول أن نربي الأمل بحسب الشاعر محمود درويش لكن من يزرع الأمل على ضفاف اليأس. إياكم والأمل. كل الذين رحلوا حملوا معهم أحلامهم وذكرياتهم واشواقهم عربونا لعودة اكيدة. وما عادوا. بل تركوا للشظايا أن تصيب ما تشاء ومن تشاء. ها انت تنتظر زخة مطر لتأمل البذور الجديدة. ولكنه شتاء قاحل أجرد لا يشرق حتى يغيب. هل انقلاب الزمن يحمل فرصة جديدة ام انه الخوف يتمدد ليخنق الفرصة تلو الفرصة.
لم يتغير شيء منذ نصف قرن وأكثر ولم يتغير النهر. وكيف لبلد لم يعرف الاستقرار في تاريخه أن يعرف الأحلام؟ والاستقرار لا يأتي من فراغ. وشيئاً فشيئا يكتشف المرء أن الحياة ستظل تمشي مع الزمن حتى يتوقف الفلك عن الدوران. وماذا عن المكان؟ تعبنا من المكان لا بل هو الذي جعلنا ندرك قسوة الزمن وأهله. هل كان الأمر يستحق كل هذا التعب؟ كل استعادة كل تجربة كل محاولة كان مصيرها الخواء. كنا نعاقر الأحلام، تلك التي جعلتنا ننام أو لم تجعلنا ننام ابداً. كان جبران يردد أن الأحلام هي التي تجعلنا نرى المستقبل أو تجعلنا نتحرك نحوه. لم نره ولم نتحرك نحوه. كان شيئاً لا يشبه كل ذلك.
نقف على باب السنّة مسربلين بالحيرة بالكرب لا نودع ولا نرحب بل ننتظر ما هو أشد وأدهى أو ما هو أخف وأسهل. تأتي كما هي أو كما تريد. أو كما كتب محمود درويش: "نحب الحياة غدا/ عندما يصل الغد/كما هي عادية ماكرة/ رمادية او ملونة/ لا قيامة فيها ولا آخرة".
