يُعدّ جون أشبري (1927-2017) واحداً من أكثر الشعراء الأميركيين تأثيراً وإشكالية في النصف الثاني من القرن العشرين. ارتبط اسمه بما عُرف بمدرسة نيويورك الشّعرية، غير أنّ موقعه يتجاوز هذا الانتماء الجيلي الضيّق، إذ شكّل نقطة مفصلية في تحوّل القصيدة الأميركية بعد منتصف القرن.
حضر أشبري في لحظة كانت فيها القصيدة الأميركية موزّعة بين اتجاهين مهيمنين: شعر اعترافي ينهض على السيرة والجرح النفسي، وحداثة عالية تميل إلى الرمز الكثيف والبناء المحكم. غير أن أشبري لم ينتمِ تماماً إلى أيٍّ من هذين التيارين، بل خطّ مساراً مغايراً أعاد من خلاله التفكير في الذات الشعرية، وفي علاقة اللغة بالوعي، وفيما يمكن للقصيدة أن تفعله حين تتخلى عن وهم الامتلاك والتفسير.
الذات إشكاليّة جماليّة
تكمن أهمية أشبري في جعل الذات مشكلة معرفية وجمالية في آن. فالقصيدة عنده لا تنطلق من "أنا" متماسكة تسرد تجربتها، ولا من صوت يطمح إلى تمثيل جوهر داخلي ثابت، بل من وعي لغوي متحرك، تتشكل فيه الذات أثناء القول، لا قبله. بهذا المعنى، لا تكون الذات نقطة بدء، بل نتيجة مؤقتة لحركة اللغة والزمن والانتباه.
في المرحلة الأولى من تجربته، تظهر الذات بوصفها كياناً غير منجز، مراوغاً، يصعب الإمساك به أو تتبعه. الضمير الأول حاضر، لكنه لا يحمل سلطة اعترافية ولا تاريخاً نفسياً واضحاً. اللغة لا تعمل بوصفها وسيلة لنقل تجربة داخلية، بل مجالاً يحدث فيه الإحساس بالذات. المتكلم لا يشرح نفسه، ولا يبرّر مشاعره، ولا يسعى إلى كشف دفين، بل يتحرك داخل شبكة من الجمل والصور التي لا تؤدي إلى خلاصة. وفي هذا تتبدّى الذات كأثر لغوي عابر، شيء يُلمَح ثم يتبدد، لا هو مركز المعنى ولا مرجعيّته.
هذا التشكّل الهش يعكس طبيعة الحضور العارضة. فالقصيدة لا تسير وفق منطق سببي متماسك، ولا تحرص على ترابط دلالي تقليدي. الانتقالات مفاجئة، والجمل تتجاور من دون أن تكمّل إحداها الأخرى. غير أن هذا اللاتماسك ليس عجزاً عن التنظيم، بل اختياراً واعياً، فليس هناك ما ينبغي تصحيحه، بل ما ينبغي العيش داخله. الوعي الإنساني، كما يقدّمه أشبري، لا يعمل في الواقع وفق سردية منضبطة، فالقصيدة الصادقة هي التي تعكس هذا الاضطراب بدلاً من أن تخفيه. بهذا المعنى، يتحول الخطأ إلى فضيلة أخلاقية تعترف بحدود الفهم وترفض ادعاء السيطرة على اللغة أو المعنى.
تأويلات ضروريّة
مع تطور تجربته الشعرية، يتخطى اشبري وطأة غياب مركزية الذات نحو مجابهة استحالة تثبيت أي لحظة وعي في القصيدة. وفي هذا تدخل الذات في علاقة أكثر تعقيداً مع الزمن. لم يعد الزمن إطاراً تُروى فيه التجربة، بل المادة الأساسية التي تتكوّن منها القصيدة. الوعي يظهر كدفق متقلّب، ينتقل من فكرة إلى أخرى، ومن صورة إلى أخرى دون أن يستقر. وبالتالي تصبح الذات عصيّة على التعريف بما هي عليه، بل يشار اليها بما تمرّ به. وفي هذا لا تعود القصيدة تجربة مكتملة، بل تجربة تحدث أثناء القراءة نفسها تُحوّل الذات إلى أثرٍ زمنيٍ: ما يهم ليس «من يتكلم»، بل كيف يتغير القول لحظة بلحظة.
في هذه المسار، تتراجع أي محاولة لتأويل الذات نفسياً. لا طفولة تُستعاد، ولا صدمة تُحلَّل، ولا جرح يُعرض؛ الذات ليست موضوعاً للتحليل، بل نتيجة لحركة الانتباه. اللغة لا تصف التجربة، بل تغيّرها. كل جملة تختزل ما سبقها، وكل قول ينتقص نفسه جزئياً. هنا يبلغ مشروع أشبري ذروة الوعي بأدواته: اللغة ليست قناة شفافة، بل وسيط غير موثوق، والزمن ليس خلفية محايدة، بل قوة تفكك كل محاولة للتثبيت.
يُكمل أشبري مشروعه الكتابي عبر دفع المساءلة إلى نقطة تأزم متقدّمة تواجه الذات فيها صورتها مباشرة. غير أن هذه المواجهة لا تؤدي إلى تعرّف أو تصالح مع صورة ناجزة، بل إلى إدراك استحالة التمثيل والتسليم بهذه الاستحالة. فالذات معه تصبح مؤجّلة دائماً فالقصيدة تتحرك بوعي ذاتيّ حاد، لكن هذا الوعي لا ينتج معرفة نهائية، فكل تعريف يقود إلى تعريف آخر، وكل اقتراب يكشف مسافة جديدة –السؤال لم يعد: من أنا؟ بل: كيف أعرف ما أظنه أنا؟
بعد هذه الذروة النظرية، لا يسعى أشبري إلى حلّ الأزمة أو تجاوزها، بل إلى العيش داخل نتائجها. في كتاباته المتأخّرة، تظهر الذات يوميّة، خفيفة، لا تحمل قلقاً فلسفياً ثقيلاً، ولا رغبة في مساءلة اللغة بوصفها مأزقاً دائماً. التفكك لم يعد مشكلة، بل شرط طبيعي للوجود المعاصر. الذات لا تختفي، بل تعتمل بلا مركز على سطح اليومي والعادي وليس في عمقه.
حكمة الواقع المعاش
في هذه الخلاصة، تتبدّى حكمة أشبري. لا خلاص، ولا مرثية، ولا وعد بعمق ميتافيزيقي. اللايقين لم يعد عدواً يجب فضحه أو تجاوزه، إنّما كان واقعاً يُعاش بهدوء. الذات تقول، ضمنياً: لا أعرف، وهذا طبيعي. المعرفة لم تعد هدفاً نهائياً، بل حركة مستمرة. القصيدة لا تسعى إلى الإمساك بالمعنى، بل إلى الإصغاء لتحوّله.
هنا ترجمة لقصيدة «أيام العوامة/Houseboat Days » التي ظهرت في منتصف سبعينات القرن الماضي في ديوان يحمل اسمها حيث يظهر هذا التحول في فهم اشبري للذاتية الشعرية او كما افهم انه كذلك.
أيام العوامة
«الجلد مكسور. خزف فطور الفندق
يشير برأسه نحو الأسبوع الأخير من آب،
ليس تماما في الحقيقة
أنه وجد الأرض التي ابتدأتَ منها…»
التلال كانت تتأجج بالأزرق ذلك اليوم،
مرة أخرى
تمشي مسافة خمسة أقدام بمحاذاة الشاطئ،
ثم تنحني حين تجتاحك هرطقة شائعة.
يمكننا أن نصنف نباتياً هذا الأمر لقرون،
وتزهر الأقحوانة الصغيرة
مرة أخرى في المدن.
العقل مضياف جداً،
يستقبل كل شيء كنزلاء،
وأنت لا ترى، إلا بعد أن ينتهي كل شيء،
كم كان هناك القليل لنتعلمه
حين تتبدد رائحة المعرفة،
وتخور اكتشافات الحواس العارضة.
حقا، قال، إن ذلك التهافت في الاستدلال
نيابة عن قناعات أحدهم الصادقة،
صحيحة كانت أم خاطئة، كيفما يتفق الحال،
والتي،
إن كنّا غير حكماء بما يكفي
لنجادل بعضنا بعضا في أصلها،
لا بد أن تغرينا
أحياناً هل ترى إلى أين يقود هذا؟ إلى الألم،
وإلى الانتصار على الألم،
الذي ما يزال مختبئاً
في هذه التلال المنخفضة التي تسلبنا
كل خصوصية،
كما لو أن المرء على وشك أن يلتقي
بقرينه عبر سلسلة دخان السيجار،
ثم يحدث الأمر، كأنه انفجار في الدماغ،
كما لو أنه كارثة على كوكب آخر
دعيت إليه، وبالطبع لا تستطيع الرفض:
ألم في الخزان، في المزاريب،
وإن نحن
انتظرنا قليلاً، ذلك الإنكار،
كأن كوناً كاملاً من الألم
قد خلق فقط لينكر وجوده.
لكنني لا أعير وزناً كبيراً للأشياء
التي تتجاوز الطقس ويقينيات العيش والموت:
الباقي اختياريّ.
أن نمدح هذا، ونلوم ذاك،
يقود المرء بخفة بعيداً عن البداية،
حيث يجب أن نبقى، في حركة.
أن نسلط الضوء
داخل البيت، غرفه الكثيرة،
ذكرياته وترابطاته،
على جدرانه المحفورة والمليئة بالصور،
هو حجة على أن الحياة متعددة.
إنها جميلة.
وهذا الذي يقرأ ذلك
كما من نافذة قطار بعيد مسرع،
يعرف ما يريد، وماذا سيحدث.
زخّات المطر تسقط مرة أخرى.
ومن وسط المساحة الفاصلة الواسعة نسبياً،
بأزهارها البيضاء الصغيرة،
يُبث ردٌّ:
«حلّوا البرلمان. أجروا انتخابات جديدة».
سيكون مؤسفاً لو أن المطر أيضاً
غسل هذا الملمح عند النافذة،
ذلك الذي يتحرك، ويمضي،
عارفاً أنه يتحرك، ولا يعرف شيئاً سواه.
إنه الضوء في نهاية النفق،
كما قد يراه
من ينظر برصانة إلى زخات المطر،
صورة الأمل التي قد يدير وجهه عنها رجل يحتضر،
مدركاً أن الأمل شيء آخر،
شيء ملموس
لا يمكنك امتلاكه.
وهكذا، ملتفاً حول بعض الأعمدة،
إلى أن تبلغ عمود المساء المرمر الأخضر،
يصبح هذا حلم إرادة هائل،
قادراً على إسقاط الحكومات،
وتدمير البلدات والمدن
بضغط النوم المتراكم خلفه.
الدفق يخلق حدّه الخاص
ولا بدّ أن يتقدم على هذا النحو:
صباحات الخير،
ظهيرات لا مبالية، تقود إلى تموجات السؤال
في أواخر العُصُرً، موجهاً نحو المساء.
الأرابيسكات والمجاري هي النتيجة
عبر نظام العناوين الرسمي.
وعلى جهاز رصد الزلازل في بيركلي.
حِسبة بسيطة تخبرك أنه لتكون مع نفسك
في هذا الانتقال، في هذه الحركة،
هو ما تكلفه اللحظة:
إبحار في بعد ظهر ما،
مثل «عيني هارولد في إيطاليا»
الزرقاوين الداكنتين الصافيتين،
أبعد من الدهشة، مذهولاً،
لم يمسه شيء على ما يبدو.
وحين يتجمع المطر ويحمي عتمته الخاصة،
يظهر المكان بغطائه
للمرة الأولى والأخيرة،
متلاشياً مثل ظهر رواية مغامرات خلف الزجاج،
خلف فناجين الشاي.
