لا أخفي أنني حين قررتُ الكتابة عن صور العملة السورية الجديدة، التي أطلقها نظام أحمد الشرع، بعد نحو سنة على سقوط نظام الأسد وهروبه، فكرتُ في العملة اللبنانية المتداولة الآن، وهي من فئة الخمسة آلاف ليرة وما فوق حتى المئة ألف، وما تحمله من أشكال. بدا لي أني لا أتذكّر شيئاً منها إلا لونها، ربّما لم أتأمل يوماً في مضمونها، ربما تأملتها ولم يرسخ أي شيء في ذاكرتي إلا بهتانها.
وتعود بي اللحظة إلى زمن كانت الليرة تحتفظ بقيمتها مقابل الدولار. كانت لطباعة الأوراق المالية اللبنانية فنيتها، وتشكّل دليلاً سياحياً في بلد أساسه السياحة. أتذكّر العملة القديمة وتفاصيلها وألوانها والمعالم التي اختيرت لتزينها وتشكّل هويتها، من مغارة جعيتا إلى صخرة الروشة وقلاع بعلبك، المسيلحة، صيدا، وغابة الأرز وسائر الأماكن الاثرية والطبيعية. لكن منذ صدور الألف ليرة بلونها الأزرق في التسعينيات من القرن الماضي، لاحظ بعض الفضوليين خلوها من أي معلم وطني تقليدي، فاقتصرت على الخريطة الجغرافية للبنان بشكل عرضي. كانت الألف ليرة كأنها ورقة الوداع للعملة بطبعاتها القديمة، ومع الوقت ستزداد الألف رثاثة في طبعاتها المحدثة والقاتمة وسريعة الاهتراء، وهي تشبه الواقع اللبناني، لتصبح العملة الوطنية اللبنانية كلها كأنها ورق "كدش"، خصوصاً بعد انهيار سعر الصرف قبل خمس سنوات... ربما ما أقوله أطياف ذاكرة الطفولة.
بحسب المعلومات القليلة التي أعرفها والمتداولة هنا وهناك، لم تكن العملة السورية القديمة تختلف من ناحية التصميم واختيار الأماكن الأثرية، عن جارتها أو شقيقتها اللبنانية، لكن الكارثة تجلّت حين احتل نظام الأسد الفضاء العام ومعه النقود والأذهان والكتب المدرسية والدفاتر والقصائد والأغاني ونشرات الأخبار. ومن أبرز إيجابيات العملة الجديدة في زمن نظام أحمد الشرع أنها اهتمت بالمكفوفين وتخلصت من صورة الأسدين أو تقديس الشخصيات. وقيل إن الأوراق النقدية الجديدة تميزت بأن رسومها الرمزية تُمثل الخيرات الطبيعية السورية، بما في ذلك الورد الجوري، والتوت الشامي، والبرتقال، والقمح، والقطن، والزيتون، إلى جانب عناصر من البيئة والحياة البرية كالحصان العربي، والريم، وعصفور الدوري، والفراشة، وصدف البحر، مبتعدةً كلياً عن صور الآثار والأشخاص وصور المباني وكل ما يُثير أي تميز جغرافي أو مناطقي.
والوردة ترمز بزعم المفسرين، إلى دمشق، أقدم مدينة مأهولة في العالم، وتعكس الجمال والتراث والهوية السورية الأصيلة، والبرتقال رمز خصوبة الأرض والزراعة في إشارة إلى الساحل السوري، الزيتون رمز الصمود والبركة، والقمح أساس الأمن الغذائي، وشجرة التوت المرتبطة تاريخياً بتربية دور القز وصناعة الحرير، في إشارة إلى الحرف التقليدية والعمل اليدوي. والزراعات إشارات لمناطق على عكس ما يزعم البعض بأن العملة خلت من كل ما يثير تميزاً مناطقياً.
لكن هل شكل العملة الجديدة "تعبير عن الهوية الوطنية الجديدة"، كما قال الرئيس أحمد الشرع؟ ربما، لكن هل يعني ذلك أن نواعير حماه ليست من الهوية السورية؟ وأن آثار تدمر ليست من تاريخ سوريا؟ وهل يعني ذلك أن المسجد الأموي ليس هوية وطنية؟ وهل الفستق الحلبي ليس هوية تاريخية؟ وهل النمورة النبكية كذا وكذا؟ لا شك أن السلطة الجديدة وقعت في إشكاليات من البداية، بين هواها الديني وطموحاتها العصرية، بين ذاكرات الماضي وتطلعات المستقبل والشركات والاستثمارات. الإشكالية تجلت منذ إلغاء بعض الأعياد الموجودة منذ عقود لاعتبارات إيديولوجية، وإعادة كتابة التاريخ بذهنية دينية وتغيير أسماء بعض المدارس لأسباب واهية. السلطة الجديدة تهرب من التواريخ والهويات والأزمنة نحو ما يسمى "خيرات الطبيعة"، منعاً للجدل المحتمل والمراقبة، في ظل تصاعد الهوايات الطائفية.
لا شك أن كل دولة تختار ما يناسبها من رموز، سواء معالم أثرية وطبيعية أو حيوانات، من الأسد إلى وحيد القرن والفيل والصقر والببغاء والبطريق، إضافة إلى الألوان. لكن أن تختار سوريا، بلد الحضارات والمعالم والتواريخ، رموز الطبيعة، فذلك هروب من الهويات.
