كتاب مفتوح إلى غسان سلامة: أنقِذْ ما تبقّى من ثقافتِنا!

محمود وهبةالاثنين 2025/12/29
5.jpg
معرض الكتاب(ارشيف)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

معرض الكتاب في بيروت في خطر. بات من الواجب إطلاق الصّرخة وتشغيل صفارات الإنذار. فلم يعد ممكناً النظر إلى ما يجري بين النادي الثقافي العربي واتحاد الناشرين اللبنانيين كأنه خلاف إداريّ عابر. ما تشهده الأطراف المولجة تنظيم معرض بيروت الدولي للكتاب يُقارب الأزمة التي تُراوح مكانها، فتحوّل الاحتفال السنوي بالكتاب في بيروت إلى أزمة إدارة مزمنة، تتداخل فيها الحسابات المالية والتنظيمية، وتنعكس مباشرة على واحد من آخر المعالم الثقافية الجامعة في المدينة.

 

مع هذه المشكلة نسأل: كيف يمكن أن يتحوّل معرض بيروت من موعد ثقافي ينتظره القرّاء والناشرون إلى ساحة تجاذب، تُدار بمنطق المصالح الضيّقة بدل المصلحة العامة؟ ومن سمح بأن تصبح المسألة المالية، بكل ما يحيط بها من غموض، عنصر تعطيل بدل أن تكون بنداً شفافاً في ميزانية واضحة ومعلنة؟
الدخول في جوهر الأزمة، يكشف أنّ ما يجري ليس له أيّ علاقة بالكتاب، ليس هناك من نقاش جدّي حول الكتاب نفسه. لا حول دوره، ولا حول مستقبل القراءة، ولا حول علاقة المعرض بمدينة تتآكل ثقافياً. يدور الخلاف، في معظمه، حول الإدارة والقرار والإيرادات. وهنا يمكنُ القول إنّ النادي الثقافي العربي يتحمّل جزءاً وازناً من المسؤولية، في الوقت الذي يتعامل فيه مع المعرض وكأنّه امتداد مؤسسي له، امتداد مغلق يبتعد كلّ البعد عن اي يكون حدثاً عاماً يخصُّ القارئ ويمثّل واجهة مدينة.

من الطبيعي أن يكون الضحية الأولى في هذه المشكلة هو القارئ. القارئ هو الذي يُحرم من هذا الحدث الثقافي. ويمكن القول أيضاً أنّ الناشر كذلك. الناشر محاصر بالأزمة الاقتصادية وبغياب أيّ دعم جدي من قبل الدولة اللبنانيّة، يجد نفسه عالقاً بين مؤسستين تتنازعان بدل أن تتكاملان. أمّا بيروت، فتخسر مرة إضافية قطعة من رمزيتها، في لحظة تحتاج فيها إلى أي ما تبقّى من صورتها الثقافية.
وحتى لو نظرنا إلى مسألة مكان إقامة المعرض (سي سايد، أو فوروم دو بيروت) نجد أنّ المكان تحوّل إلى أداة شدّ حبال. في الوقت الذي يجب أن تُحسم وفق معايير مهنية وثقافية واضحة. باتت ورقة ضغط متبادلة، وكأنّ الموقع أهم من المعنى، والشكل أهم من المضمون. هكذا يفرَّغ المعرض من روحه، ويُختزل إلى مشكلة لوجستية ماليّة مزمنة.
وللإنصاف، أثبتت التجربة الأخيرة أنّ القدرة موجودة حين تتوفّر الإدارة السليمة. فقد نجحت نقابة الناشرين في تنظيم "معرض لبنان الدولي للكتاب"، بوصفه نموذجاً حديثاً ومهنياً، يُمكنه الوقوف بثقة إلى جانب كبرى المعارض العربية. المكان كان مناسباً، البنية التنظيمية واضحة، الشروط عادلة، والحضور لافتًا على امتداد أيّام المعرض.

هذا النجاح لم يكن صدفة. لقد كشف أن المشكلة ليست في الجمهور ولا في الكتاب ولا في فكرة المعارض نفسها، بل في طريقة إدارتها. حين تتقدّم الشفافية، ويتقلّص منطق المناورة، يصبح المعرض حدثاً حيّاً، يستعيد القارئ والناشر معًا الثقة بالمشهد الثقافي. وفي الوقت ذاته، الإشارة واجبة أيضاً، أن الرئيس الحالي للنادي د حسن منيمنة، ورث مشكلة أكثر مما صنعها. الجزء الأثقل من الأزمة يعود إلى ذهنية إدارية سابقة لم تُراجع، وتركَت تراكُمات ندفع كلنا ثمنها اليوم.
وسط هذا كله، يبرز غياب الدولة، وبشكل خاص وزارة الثقافة، بوصفه جزءاً من المشكلة. بصراحة إنّ ترك النزاع يتفاقم من دون إطار تحكيمي واضح أعطى الانطباع بأنّ الثقافة يمكن أن تُترك لمصادفات الخلاف. وعلى رغم محدودية الإمكانات المالية في الأزمة اللبنانيّة، تبقى الوزارة الجهة الوحيدة القادرة على لعب دور الضامن ووضع قواعد شفافة تحمي الحدث من المزاجية والمكاسب التي يتجاذبها الأطراف.
معاليك، ما نطلبه اليوم ليس بيانات تهدئة ولا تبادل اتهامات. ما نطلبه منكم حلّ هذا النزاع وفضّه حفاظاً على ما تبقى من صورة هذه المدينة. لم يبقَ لمدينتنا سوى الثقافة. لا تستهروا بها. ولا تسمحوا لطغمة ماليّة أن تقتل معرضاً كان من الواجب أن يُقام في هذا الشهر بالتحديد. الثقافة معاليك، ليست ملكاً للنادي الثقافي العربي ولا لاتحاد الناشرين. الثقافة للبنانيين وهي واجهتهم في زمن يتركُ لبنان موقع في المنطقة وينزوي.  
ها نحنُ خسرنا معرض بيروت الدولي للكتاب في شهر ديسمبر، والنقاش محتدم حول إمكانيّة إقامته في مطلع ربيع 2026. نحن هنا لا نتحدث عن خسارة دورة أو موسم. هذه الخسارة ستكون ضربة جديدة لفكرة بيروت نفسها: المدينة التي تعبت، لكنها لا تزال تحتاج إلى نافذة تُذكّرها بأنها ما زالت قادرة على القراءة وعلى الحياة.
معاليك، لم يبقَ أمامنا سوى النداء. معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في خطر. الكتاب -وأنتَ تعرف- ليس تفصيلاً إدارياً، أو صندوقاً مالياً يُدار بالحسابات والظلال. الكتاب والمعرض والطباعة والنشر كلّها جزء من صورة البلد عن نفسه، ومن ذاكرة مدينة قاومت بما تيسّر لها من كتب وأفكار.
نرجوك التدخّل الفوري، الهادئ والحازم، لوضع حدّ لهذا الاستنزاف، وإعادة الأمور إلى مسارها الطبيعي بعيداً من تجاذبات السياسة، ومن الحسابات المالية الضيّقة. المطلوب رعاية حقيقية، إطار تحكيمي واضح بين الطرفين، وقواعد شفافة تحمي الكتاب، وتحمي الناشر والقارئ، وتحفظ للمعرض دوره كفضاء عام، بعيداً عن اعتباره كغنيمة سنويّة. معاليك، المطلوب ليس معجزة، إنه قرار يضع الثقافة في مكانها الطبيعي.
الثقافة معاليك، حقٌ عام، ليست ساحة نزاع. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث