منذ بداية سنة 2025، بدأت تظهر في سوريا حالة لافتة: ألا وهي استقبالات المثقفين العائدين، عبر احتفال عام في مقهى الروضة بدمشق، وأحيانًا أخرى منذ لحظة وصولهم إلى المطار بعراضة شامية تُذكّر باستقبال الأبطال.
بدا المشهد في لحظاته الأولى أقرب إلى تكريم للغائبين الذين أبعدهم قمع النظام الأسدي لسنوات، غير أنّه في وجه آخر حمل معنى مختلفًا؛ إذ ظهر وكأنه استقبال للفاتحين العائدين إلى المدينة، بما يشبه، في المخيلة العامة على الأقل، صورة سقوط النظام على يد قوات "ردع العدوان" بقيادة أحمد الشرع. إلا أنّ هذا التشابه كان محصورًا في الصورة فقط، ولم يكن يعكس واقعًا سياسيًا مماثلًا. كان محض مقارنة عابرة، لكنها نجحت في كشف حساسية دفينة لدى بعض مثقفين بقوا في الداخل، أولئك الذين استمرّوا في البلاد تحت ثقل الظروف والضغوط، لأسباب معقّدة ومتباينة.
ومع مرور الوقت، اتسعت المقارنة وتحوّلت إلى نقاشات أعمق. فخلال عام كامل تقريبًا، اتخذت الظاهرة طابعًا ثقافيًا متكررًا: زيارات قصيرة يقوم بها المثقفون العائدون، يعقدون أمسيات ولقاءات، ثم يغادرون ليكتبوا مقالات وانطباعات عن دمشق وأهلها، عن الحرب والذاكرة، وعن ما بقي وما تغيّر. وفي المقابل، كان مثقفو الداخل يقرأون تلك المقالات بعيون مختلفة، بين من يراها شهادة محايدة، ومن يرى فيها استعراضًا لامتياز السفر والعودة، ومن يشعر بأن الحكاية ليست عادلة حين تُروى من مقعد الضيف لا من مقعد المقيم وسط الخراب اليومي.
التقاط هذه التفاصيل لا يحتاج إلى بحث متعمق، بل جلوس في المقهى ذاته، والاستماع إلى ما يقال في مناخ بات حرًّا وبما يكفي لأن يقول المثقف ما يريد دون خوف من السلطة أو الرقابة، في منبره على صفحات السوشال ميديا أو بعض أعمدة الرأي في الصحافة المحلية الضئيلة أو في المنابر العربية.
فعليًا ورغم تباين الملاحظات بين مثقفي الداخل والخارج ثمة شيء كبير حدث في سوريا ألا وهو حرية الرأي، وقد انعكس هذا ارتياحًا في الفضاء العام، لكن هذا وحده لا يكفي للحكم على الحال الثقافي بين المؤسسات الرسمية وبين المجتمع المدني، وقد يكون من المبكر الحكم بوجود حرية ثقافية بناء على وضع الأفراد ومن بعدهم المؤسسات.
لكن من الواضح أن الثقافة في سوريا لم تعد ملفًا ثابتًا تتداوله المؤسسات الرسمية بخطاب أحادي كما كان الحال قبل سنوات طويلة، لكنها أيضًا لم تتحول بعد إلى منظومة واضحة المعالم يمكن تتبع سياساتها ومسارات عملها. فما نشهده اليوم أشبه بسطح واسع من الأنشطة المتفرقة، تتحرك فيه مبادرات ومهرجانات ومعارض كتب وأمسيات فنية، غير أنّ ما ينقصه في العمق، هو ذلك النقاش المؤسسي الذي يحدد لماذا نحتفل، وماذا نريد أن نحقق من وراء كل هذا الحراك.
في الأشهر الأخيرة، جرى الحديث كثيرًا عن "العودة الثقافية" بوصفها مؤشرًا على انفراج نسبي، وعن أسماء جديدة تتولى مواقع ثقافية، وعن رغبة معلنة في تنشيط الفضاء العام. غير أنّ تتبّع التفاصيل اليومية يكشف أن العلاقة بين الثقافة والسلطة ما تزال تدور في الدائرة نفسها: حضور رسمي في الافتتاحات، صورة جماعية في نهاية الفعالية، كلمات جاهزة تُلقى من على المنصات، ثم تغادر الكاميرات ويبقى السؤال معلّقًا حول مضمون ما حدث.
الرقابة مثلًا لم تعد تُمارس بالطريقة القديمة التي تقوم على المنع الفوري وإصدار قوائم سوداء، لكنها لم تصبح أيضًا إطارًا تشريعيًا واضحًا. خلال الفترة الماضية أثيرت نقاشات بسبب اعتراض الرقيب على تفاصيل في بعض الكتب، لكن الأمر انتهى بسرعة عبر تدخلات شخصية. ما جرى كشف أن الرقابة اليوم تعمل بآلية التقدير الشخصي أكثر من اعتمادها على معايير مكتوبة. يوقف نشر كتاب ثم يُعاد السماح به بعد احتجاج علني على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم مكالمة هاتفية تحل الأمر، فتُشطب كلمة من رواية لأن موظفًا رأى فيها إساءة، لا وجود للمبدأ، بل للحالة وكيفية التعامل معها.
في السياق نفسه، برزت سلسلة أحداث صغيرة لكنها دالة في بعدها الرمزي. تدمير تمثال عبد الرحمن موقّت في حلب أثناء نقله كان الشرارة الأولى لجدل واسع. بالنسبة لكثيرين، الحادثة لم تكن مجرد خطأ فني أو سوء نقل؛ بل كانت تعبيرًا عن تصور لدى بعض أفراد الجهات الرسمية بأن التمثال ليس أكثر من حجر يعيق تجديد ساحة سعدالله الجابري الشهيرة وسط حلب. وفي نهاية العام سُرق تمثال بولس الرسول في دمشق، لتتوسع دائرة الأسئلة: من يحرس الذاكرة البصرية للمدينة؟ ومن يقرر قيمة التمثال؟ ولماذا تتكرر الحوادث دون محاسبة واضحة أو حتى بيان يشرح ما جرى، هل هذه السلطة ضد التماثيل لأسباب دينية؟
هذه الوقائع أعادت إلى الواجهة موضوعًا أكبر: سرقة المتاحف السورية وتفكك منظومات الحفظ، ولا سيما ما تعرّض له متحف دمشق من سرقة قطع أثرية وبيان أن السارقين كانوا من داخل المؤسسة، وأن مدبر العملية يحوز منصبًا مهمًا يمثل فيه السلطة ذاتها.
لا توجد قائمة رسمية نهائية بعدد القطع التي اختفت، ولا تقارير شفافة تعلن ماذا استعيد وماذا ضاع. التصريحات متباعدة، والإشاعات أكثر من المعلومات، والمتخصصون يتداولون تخمينات لا وثائق. في بلد يمتلك واحدة من أقدم طبقات التاريخ الحي في العالم، تبدو حماية المتاحف بوصفها ذاكرة وليست مقتنيات فقط، أولوية غائبة أو مؤجلة.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل الصورة الأخرى للمشهد: النشاط الثقافي آخذ في التوسع على مستوى الفعاليات الاحتفالية. معارض كتب في دمشق وحلب واللاذقية، أمسيات شعرية شبه أسبوعية، أسابيع سينمائية تحت إشراف سفارات أو مؤسسات محلية، إحياء لذكرى أدباء راحلين، وافتتاح معارض تشكيلية لوجوه جديدة وأخرى معروفة. هذا كله يمنح انطباعًا بحيوية ما. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نمتلك آليات لتحويل هذه الأنشطة إلى تراكم معرفي؟
الاحتفاليات بطبيعتها مؤقتة؛ تُلتقط الصور، تُنشر الخبرية، ثم لا يبقى أثر إلا في ذاكرة الحضور. في المقابل، ما تكاد تفتقده البلاد هو المختبر الثقافي: الحلقات البحثية، الندوات المتخصصة التي تطرح الأسئلة الشائكة، القراءات النقدية لنتاج السنوات الأخيرة، والمشاريع التي تربط بين الجامعة والمؤسسات الثقافية والنتاج الإبداعي. لا ورش كتابة تنضج، ولا مشاريع توثيق تتطور، ولا برامج دعم البحث والمخطوطات تعمل بشكل منهجي.
يؤكد عاملون في قطاع النشر أن المشكلة أعمق من نقص الفعاليات، وأن ما تحتاجه المرحلة هو بنية تحتية للمعرفة لا مجرد منصات عرض. المكتبات العامة ما تزال محدودة الموارد، وقواعد البيانات تعاني من نقص التحديث، والأرشيف الرسمي غير متاح بسهولة للباحثين.
حتى النقابات المهنية باتت تعيش حالة من القلق التنظيمي والتساؤلات حول دورها الفعلي في المشهد الثقافي. اتحاد الكتاب العرب، نقابة الفنانين، اتحاد التشكيليين، وغيرها من الهيئات التي يفترض أن تمثل مصالح المبدعين وتدعم الإنتاج الثقافي، تواجه تحديات متشابهة: معايير العضوية ليست واضحة دائمًا، وآليات اختيار القيادات تثير جدلًا بين من يرى أنها ممارسة إدارية تقليدية وبين من يعتبرها تعبيرًا عن نفوذ مركزي يقيّد استقلالية المؤسسة. هذا الواقع يطرح أسئلة أساسية: هل هذه النقابات مجرد أدوات تنظيمية تعمل تحت إشراف مؤسسات الدولة، أم أنها مؤسسات مستقلة حقيقية مكرسة للثقافة والفنانين؟ هل تضيف قيمة معرفية من خلال دعم المشاريع البحثية والورش والمنتديات النقدية، أم تكتفي بإصدار بيانات وتصريحات إعلامية؟ الفجوة بين المهام المعلنة والواقع العملي تجعل الكثير من المثقفين يتساءلون عن جدوى هذه النقابات في صياغة مستقبل الثقافة السورية، وعن قدرتها على حماية حقوق الفنانين والمبدعين، وعلى تعزيز التجربة الإبداعية بدلًا من حصر نشاطها في الإدارة الروتينية.
على الضفة الأخرى، تنمو مبادرات فردية قد تبدو صغيرة لكنها تحمل قيمة رمزية. ورش قراءة في البيوت والمقاهي، منصات شبابية لمناقشة الروايات الجديدة.
يمكن القول إن جزءًا من الحياة الثقافية اليوم يتكون خارج المؤسسة لا داخلها، يقوم على الجهد الذاتي والتمويل الشخصي، وعلى رغبة جيل جديد في إيجاد منافذ بديلة. هذه المبادرات لا تحل المشكلة، لكنها تشير إلى أن المجتمع ما يزال ينتج حساسية ثقافية رغم الظروف.
وبين طبقات الاحتفالية الرسمية، والإهمال المؤسسي، والنبض الفردي، يتشكل المشهد في شكل بانوراما غير مكتملة؛ صورة متعددة الألوان لكن بلا إطار. ولعل السؤال الأهم ليس لماذا يحدث هذا، بل: ما الذي نريده للثقافة أن تكونه في السنوات المقبلة؟ هل هي أداة ترويج وتجميل واجهة الحياة العامة؟ هل هي خدمة اجتماعية؟ أم مساحة تفكير نقدي تبحث عن معنى جديد للمجتمع بعد كل ما مرّ؟
تحقيق ذلك يتطلب نقاشًا مفتوحًا حول دوائر التمويل، طبيعة دور الدولة، علاقة الثقافة بالتربية والإعلام، وآليات حماية التراث المادي واللامادي. كما يتطلب إعادة تعريف علاقة المثقف بالمؤسسة: ليست علاقة تبعية ولا خصام دائم، بل شراكة تقوم على استقلال التفكير واحترام الخبرة. من دون هذا التحول، سيظل المشهد يعمل بطريقة رد الفعل، يتحرك مع الحدث لا قبله.
